أخيرا ظهرت النتائج الرسمية للانتخابات على التلفزيون التونسي، بعد نفس طويل من عمر عملية الترشح ودورات الانتخاب والمناظرات التلفزيونية المباشرة، التي أبهرت عالمنا العربي.
فوز الدكتور قيس سعيد المترشح الحر، الذي لم يسانده حزب ولا لوبي، فقط سانده الشعب، ولم تسانده حملة مالية وأبهة المجالس والطاولات الدائرية والمكعبة وهالات الورود والكومبارس المحيط به من كل حدب وصوب، إنه لأمر فريد في واقعنا.
لم يكن ذلك مهما لرجل لا تهمه المظاهر، ولا “من يتشدد لها”. هذه النتيجة أنارت سراج أمل يقاوم دياجير وديناصورات السياسة في بلداننا وولاءاتهم المشبوهة للخارج اللعين، الذي لا يحترم أحدا سوى الثروات، ويقيم الدنيا ولا يقعدها لأسباب مختلفة يصنعها صناعة متقنة، تظهر كفطريات جميلة تحيط بأشجار باسقة، لكنها سامة تهلك من يمسك بها أو يأكلها.
خرج الشعب فرحا وامتدت فرحته الى شعوب الجوار. فالرجل متزن وألمعي في شؤون الدستور والقوانين. أخرج الأحلام الموءودة إلى السطح.
يريد للمغرب الكبير أن يصبح حكاية حقيقية تخرج من وشاح الأكاذيب المنمقة. يريد أن يحتوي الجيران والعرب كيان واحد.
رجل يركز على السيادة الداخلية، التي تتوجها سيادة خارجية. كل شيء يوحي بشفافية الألماس، انطلاقا من حياته الشخصية، فها هي زوجته القاضية أشراف شبيل، التي كانت من أسباب نجاحه ووصوله. القاضية النزيهة المنضبطة، التي جمعته بها مدرجات الجامعة وزينها الحب. سيدة دخلت اهتمامات التوانسة بمظهرها الأنيق العملي وتسريحتها القصيرة، التي واتتها تماما. كل شيء فيها يوحي بالهدوء، ستسكن قصر قرطاج، ولكنها لن تحمل لقب سيدة تونس الأولى عن قناعة الدكتور المنتخب بالأغلبية، ولأن الأغلبية منحته ثقتها، فهي لن تكون السيدة الأولى كسابقاتها من زوجات الرؤساء الذين حكموا تونس، بل كل التونسيات في مرتبة الشرف وهن الصدارة وهن السيدات الأوائل.
قد يأخذنا تفكيرنا، الذي لم يتعود على الفرح طويلا إلى التشاؤم بعدم اكتمال فرحة بريئة صادقة، جاءت من رغبة الشعب في تغيير كبير في ظل الزعامات العربية المثقلة بالفساد والنكسات وانعدام الوفاء. واللوبيات تتربص الدوائر بالشعوب وفرحتها. سياسات ركزت على هوامات إشباع البطون كمحاولة لكسر شوكة الشعب وكرامته، مرة بالياغورت ومرة بالمعكرونة. مثل هؤلاء من يبيعون كل شيء من أجل ملء بطونهم، التي لا تشبع وتحقيق جشعهم غير المنتهي.
مثل هؤلاء وجب الحذر منهم حتى لا يجهضوا انتصار الشعب وفرحته، وحتى لا يغتالوا الانتخابات الشفافة، ويغيروا لون الحكم والبدلة وأحلام المجتمع، ممن يلصقون الصفات الجاهزة على الرجل، فتارة يصفونه محافظا، وتارة ظلا للإسلاميين، وأخرى رئيسا أفرزته الصدفة!
في الحالات كلها تقف التحليلات، التي تريد أن تكون عميقة ممتنة لأطراف تأكل من أيديولوجيتها أو من أموالها، التي نهبت بانتظام لعقود عديدة وتريد اجهاض أي تغيير يريده الشعب.
نرجو أن لا يطول “الزنّ” حتى يحدث الخراب لا قدر الله.
التّحلاب: لفظ مبتذل
أو أوهام عنصرية
في كل مرة من المرات تخرج النقاشات من طابعها السياسي لتصب جام غضبها على السلوكيات الفردية والجماعية، وكأنها تقترب من فتيل الغاز بولاعة.
هذا ما أحدثته ردود أفعال الجزائريين على منصات تواصلية كثيرة، جراء ما حدث للاعب بوداوي، بعد انتهاء مباراة الجزائر وزائير في ملعب “مصطفى تشاكر” في البليدة.
لقطات كثيرة تناقلتها المواقع الالكترونية، تبين طلب صحافي من بوداوي أن يتحاور معه، لكنه واصل سيره غير مكترث للطلب. الصحافي يطلق لفظا لا يعرف أحد معناه ومصدره “تحلّبت”. فالتفت إليه اللاعب، وقال له إيه “تحلّبت”، دون الدخول في مسألة السن بالسن والعين بالعين. واللفظ باللفظ. الكل شاهد ولو زورا على الدموع التي ذرفها الشاب بوداوي، الأسمراني، إبن بشار في الجنوب الغربي الجزائري.
لكننا لا نعرف اسم الصحافي، ولا في أي جريدة أو قناة يشتغل. ولم نر دموع بوداوي.
لا عب بشهرته واندفاعه رد ببساطة الشباب وجبروتهم. ولا أعتقد أنه رآها من باب العنصرية. العنصرية في دماغ الجميع وأفئدتهم يؤمنون بها إيمانا راسخا، لكنهم “يتمنظرون” بالمساواة إعلاميا ومؤسساتيا، وحتى عند أعتى الديمقراطيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ورجال الدين والسياسة وشيوخ القبائل وفتوات الحارات.
ينتفض الجزائري على السطح تاركا الأعماق، تاركا ثقل المجتمعات التقليدية وعلاقاتها الحديدية، التي لا تصبح مرنة أبدا وتقارب بين البشر، مهما كانت ألوانهم وأصولهم وتجعل من مؤسسة الزواج المحك الصعب الذي يذبح آمال الكثير من الشباب والشابات.
لو كان بوداوي في غير ما وصل إليه بمجهوداته وعالميته، لما سانده أحد، وبقي في حالة عنصرية مقيتة تحيطه وتخنقه لوحده على مرأى الجميع.
العنصرية شبح مخيف قابع في تصوراتنا وأعماقنا يخرج وقتما نشاء لنؤزم الواقع أو لنشتت الانتباه. ويبقى الواقع هو المسيطر وبين اللونين الأبيض والأسود برزخ محمل بذنوب الفصل الآثمة، ولا يمكن للرؤوس أن تتساوى. فمن له الشجاعة أن يغير التاريخ الطويل المسكوت عنه. أو يخرجه بكل جراحه وندوبه؟
وفي الأخير لا يمكن أن نجد تعريفا راقيا للفظ حلاب، كل المواقع تتحدث عنه بالسخرية والبذاءة، أي المعاني المحقرة للآخر المتهم بـ “التّحلاب” أكثر من معانيه الإيجابية، التي تكتفي باشتقاقات الحليب والإناء “الحلاب” أو المحلاب. وتتنوع اشتقاقات المعاني المرادة فقط بما تثيره الصواتة في المتكلم والمتلقي.
طقوس استرجاع
الغرقى في شاطئ زناتة
تعددت الأسباب والموت واحد. هذه قناعة أهل ضحايا زناتة قرب منطقة عين حرودة في المحمدية في المغرب. ضحايا فاجعة الزودياك ووفاة ثمانية عشر شخصا بعد انقلاب قاربهم. فاجعة الهجرة السرية، وقوارب الموت التي تلازم شطآننا والمتربصة وسماسرة الموت بشبابنا وأسرنا. ضحايا البطالة ومظاهر التهميش. ما حدث أثار نعيا وسخطا ووجعا وتنديدا. لكن تبقى حرقة الأهل ممن لم يلفظ البحر جثث أبنائهم مشتعلة ملتهبة كحمم بركان ثائر. فلا بد من ظهور الجثث لتبرد النيران ولتهدأ الجراح قليلا. ما العمل يا ترى؟ هل من حلول سحرية، وقد تكون ذات نجاعة، وإن بدت للكثيرين غير منطقية؟ ما الذي يحدث في هذا العالم، الذي عقلن كل شيء، لكنه يستسهل الخرافة ويستسيغها. هل في ممارساته منطق العقلاء والأسوياء من البشر، حتى يطلب من الثكالى أن يفكرن “بعقل”؟
ليست الغاية تبرر الوسيلة، لكن على الوسائل أن تتكاتف للحد من الفجيعة، وللثقافة والخبرات الجماعية التقليدية أن تعود للواجهة، ليست كديكورات يحتمي بها أهل الثقافة في كل مكان، لكن كحلول ناجعة يومية.
ماذا تفعل عشرات النساء والآباء والمجتمع المتضامن في مثل هذه الحالة، والرغبة جامحة في إكرام الموتى ودفنهم؟
تلقي الأمهات بالحليب والنعناع في البحر ليشبع البحر الجشع ويتجشأ. ثم يتقيّأ بالجثث. يطعمن البحر ليستحي ويعيد الأحبة المفقودين. هل يكفي شاطئ زناتة من هذه المواد ويعفو ويكف عن أنانيته؟
ربما لا فتتسع الجراح وتكبر الأوجاع، وتكبر عناصر الطقوس وتعظم دلالاتها في منظر غني عن كل التعليقات.
نساء يمسحن على صدورهن ويقمن بمحاكاة عصر حليب الرضاعة من نهودهن كقربان مقدس للبحر. ربما يحن البحر ويأخذ قليلا من فرط حنان المرضعات، وقد يحن هذا الطاغية كفرعون عصر النبي موسى وتلتقي المرضعات بأبنائهن… آه … هل يحس البحر المتصدع ملوحة بعذب الحليب وينهزم أمام المشهد ويلقي بالأجساد التي لم تعبر أي منفذ من منافذ بر الأمان. هل يخشع البحر وتهدأ أمواجه وسكان دوار حربيلي يحضرون الطعام والصدقات. ويغادرون مسجدهم نحو الشاطئ يرتلون القرآن، يقرأون على الجميع لعودة السكينة والطمأنينة. ويظهر المفقودون لمن عاش الفقد واللوعة.
كاتبة من الجزائر