تفاخر رئيس الحكومة نتنياهو، الأسبوع الماضي، بأنه “للمرة الأولى منذ 56 سنة، لم يقتل فيها أي مواطن إسرائيلي”. إن قتل الحاخام شاي أوحايون الذي حدث بعد فترة قصيرة من نشر النبأ السعيد، سيدخل في إحصائيات السنة المقبلة. عقيدة نتنياهو “سلام مقابل سلام” (بالمناسبة، حقوق الإبداع لهذا الاختراق محفوظة لرئيس الحكومة السابق إسحق شامير)، تسري أيضاً على القناة الفلسطينية.
فعلياً، العقيدة التي تعرضها إسرائيل على الفلسطينيين هي “الأراضي مقابل السلام”: إذا تنازلت السلطة الفلسطينية عن كل الأراضي، فسيعطيهم نتنياهو كل السلام، بما في ذلك الحق في محاربة حماس من أجلنا والإبلاغ عن إعداد نشطاء حماس لتنفيذ عمليات. ويجب عليهم أن ينسوا حقوق المواطن، وعلى رأسها الحق الأساسي في تقرير المصير.
في بداية طريقه في بلفور، عرض نتنياهو عقيدة “إن أعطوا سيأخذوا وإذا لم يعطوا فلن يأخذوا”. وها هي السلطة الفلسطينية تعطينا الأمن (يشهد على ذلك كبار رجال جهاز الأمن في إسرائيل وأمريكا). وما الذي حصلت عليه في المقابل؟ سلام بين إسرائيل والإمارات.
في اللغة العربية يسمون ظواهر مشابهة للتطبيع بين إسرائيل والإمارات بـ “الهرب إلى الأمام”. بتشجيع من الرئيس الأمريكي ترامب، ها هي إمارات الخليج تساعد نتنياهو على الهرب من مشاكله الشخصية وإخفاء الفيل الفلسطيني تحت البساط، أو بشكل أكثر دقة، تحت المناطق.
يكفي أن نرفع البساط قليلاً لنكتشف الفرق الجوهري بين طريقة عرض الاتفاق على يد نتنياهو والموقف الذي يطرحه المتحدثون باسم الإمارات، وعلى رأسهم وزير الخارجية أنور قرقاش. جميعهم يؤكدون تجميد خطة الضم والتمسك بمبدأ الدولتين. وأعلن وزير الخارجية السعودي، الأمير فرحان بن عبد الله، أنه بدون اتفاق سلام مع الفلسطينيين لن تذهب السعودية بأي شكل من الأشكال في أعقاب الإمارات؛ وأعلنت منظمة الدول الإسلامية التي تسيطر عليها السعودية عن تأييدها الشديد للمبادرة العربية ومعارضتها لخطوة الضم الهادئ والزاحف؛ وأوضح الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط بأن أعضاء الجامعة يعتبرون المبادرة العربية التي تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام، المرجعية الوحيدة لاتفاقات السلام والتطبيع مع إسرائيل.
من المدهش أن انتقاد معسكر السلام الإسرائيلي – اليهودي لوهم نتنياهو “السلام مقابل السلام” يرافقه اتفاق مع عقيدة “لا يوجد شريك” لحل “الأرض مقابل السلام”. جميع الحقوق محفوظة كما قلنا لإيهود باراك. في مقال نشره في نهاية الأسبوع الماضي (“هآرتس”، 28/8)، اقتبس البروفيسور شلومو بن عامي، الذي كان وزير الخارجية في حكومة إيهود باراك، المستشرق الأمريكي من أصل لبناني شيعي، فؤاد عجمي، الذي قال إن للفلسطينيين ميلاً لـ “التوقع دائماً أن قوة خفية ما ستهب لمساعدتهم وكأن قوانين التاريخ لا تسري عليهم”. قيلت أقوال عجمي رداً على أن ياسر عرفات رفض الخطة التي اقترحها عليه الرئيس بيل كلينتون في كانون الأول 2000.
يتفق بن عامي على أن “انفصال الحركة الوطنية الفلسطينية عن الواقع شجع الرفض الإسرائيلي”، ولكنه يتذكر أن الفلسطينيين بعد بضعة أسابيع على طرح كلينتون لخطته حصلوا على عرض أفضل، بدون أن يحتاجوا إلى مساعدة من أي “قوة خفية”.
وفي مؤتمر صحافي لتلخيص محادثات طابا في كانون الثاني 2001، أعلن وزير الخارجية في حينه بن عامي: “لقد أنهينا هذه المرحلة من المحادثات بيننا بشعور من الإنجاز بأننا قريبون من التوصل إلى اتفاق”. ولكن لأن حكومة باراك كانت في حينه في نهاية حياتها القصيرة، فقد اضطر بن عامي للقول بأن “الشعور هو أنه ليس لدينا في هذه الأثناء زمن سياسي جيد يمكننا من تطبيق الاتفاق، وسنعود إليه عندما تنتهي العملية الديمقراطية في إسرائيل”.
انتهت العملية الديمقراطية في حينه بعودة الليكود إلى الحكم. وعاد الطرفان إلى طاولة المفاوضات في نهاية العام 2007. تم إصلاح الثقة المتبادلة، وتقلصت الفجوات، لكن الزمن السياسي الجيد نفد مرة أخرى، وهذه المرة في أعقاب عملية ديمقراطية أدت إلى استقالة رئيس الحكومة إيهود أولمرت ودخول الديمقراطي نتنياهو إلى البيت في بلفور.
بن عامي يلوم الفلسطينيين، وهذه المرة يلقي على رئيس السلطة الفلسطينية مسؤولية فشل المفاوضات مع إسرائيل التي أدارها وزير الخارجية الأمريكي في حينه جون كيري في 2014. يبدو أن المؤرخ نسي أن الجهد الأمريكي فشل لأن نتنياهو وضع أمامهم عقبة اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي.
منذ بداية المفاوضات، قال كيري أمام لجنة الخارجية في الكونغرس: “أعتقد أنه من الخطأ طرح هذه الفكرة من قبل عدد من الأشخاص (الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية)، كعامل حاسم في التعامل مع الدولة الفلسطينية والسلام. وقد أوضحنا مقاربتنا هذه”. بالمناسبة، حسب معرفتنا، لم يشترط نتنياهو الاتفاق مع الإمارات باعتراف الدولة الإسلامية بإسرائيل كدولة يهودية مثلما لا يوجد أي ذكر لذلك في اتفاقات السلام مع مصر والأردن.
كما يشير بن عامي، فإن افتراض نتنياهو بأن التحالفات العسكرية هي علاج الخطر الوجودي الكامن في التدهور نحو دولة ثنائية القومية، يبدو هذياناً كارثياً. إن علاج هذا الوباء هو مبادرة السلام العربية، التي تطرح التطبيع مقابل الأرض، والتي تقبع على الرفوف منذ 18 سنة تقريباً. وخطوات أحادية الجانب والهرب من المسؤولية وزرع اليأس هي هذيانات كارثية لا تقل عن ذلك.
بقلم: عكيفا الدار
هآرتس 3/9/2020