لماذا افتقد ليفربول شراسته المعهودة وتدهورت أوضاعه؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: بعث ليفربول رسائل مُخيفة بالنسبة لأنصاره، بسقوطه الأخير أمام ساوثهامبتون في سهرة الإثنين الماضي، في المباراة التي جرت على ملعب “سانت ماري”، وانتهت بفوز القديسين بهدف أكثر من رائع، سجله منحوس الريدز سابقا داني انغز، كثالث مباراة على التوالي، تفشل فيها كتيبة يورغن كلوب في تحقيق الفوز، بعد السقوط في فخ التعادل أمام وست بروميتش ألبيون ونيوكاسل يونايتد، دليلا على أن الأمور لا تسير على ما يرام، وتحتاج مراجعة عاجلة، إذا كان الفريق يرغب في الحفاظ على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز، أو على أقل تقدير لا يبتعد عن دائرة المنافسة حتى الأمتار الأخيرة.

سوء الطالع

بالنظر إلى المسؤول عن الشكل الباهت الذي كان عليه ليفربول في فترة أعياد الميلاد، والأسباب التي أدت إلى ذلك، سنجد أنها مسؤولية مشتركة بين الإدارة والطاقم الفني واللاعبين، إلى جانب عدة أسباب تجمعت في وقت واحد، لينقلب وضع حامل اللقب من النقيض إلى النقيض في ظرف أسبوعين، من فريق مرعب استطاع أن يقهر كريستال بالاس في عقر داره “سيلهيرست بارك” بسباعية بلا هوادة، إلى ذاك الفريق المتهالك والمجهد، الذي عجز عن هز شباك منافسيه في آخر 260 دقيقة على مستوى الدوري، ومن ضمن هذه الأسباب، الظروف القهرية التي تعصف بالفريق منذ بداية الموسم، والمتمثلة في هذا الكم الهائل من الإصابات، التي خلطت أوراق المدرب، بحرمانه من أسماء لا غنى عنها في التشكيلة الأساسية، بدأت بكارثة فقدان أفضل مدافع في العالم فيرجيل فان دايك حتى نهاية الموسم، بعد خضوعه لأسوأ إصابة وجراحة بالنسبة لنجوم كرة القدم، في الرباط الصليبي، وعلى إثرها، ستكون معجزة على طريقة السلطان زلاتان إبراهيموفيتش، إذا تمكن من ركل الكرة مرة أخرى قبل نهاية الموسم. وما زاد الطين بلة، تجرع شريكه الإنكليزي جو غوميز من نفس الكأس، بتعرضه هو الآخر لانتكاسة سيئة على مستوى الركبة أثناء وجوده مع منتخب بلاده في عطلة نوفمبر / تشرين الثاني الدولية، واكتملت المأساة مؤخرا، بانضمام الكاميروني جويل ماتيب إلى مستشفى المصابين، ما تسبب في وضع كلوب في موقف لا يُحسّد عليه، وأجبره على الدفع بالقائد جوردان هيندرسون في مركز قلب الدفاع بجانب البرازيلي فابينيو، أملا في التخلص من صداع النقص العددي الحاد في مركز قلب الدفاع أمام القديسين، لكن من سوء طالع أفضل مدرب في العالم في آخر عامين، جاءت النتائج بالعكس، لا سيما في الدقائق الأولى، التي كافح فيها صاحب الـ30 عاما، للتأقلم على مركزه الجديد، الذي تدرب عليه مرتين فقط في الحصص التدريبية الأخيرة، وتجلى ذلك في التمركز الدفاعي العبثي للركلة الثابتة التي سجل منها ساوثهامبتون هدفه الوحيد، ولو أن هذا لا يمنع حقيقة، أن الظهير الأيمن ترينت ألكسندر أرنولد يتحمل بمفرده أكثر من 50 % من مسؤولية الهدف، لرعونته في إبعاد الكرة بالصدر، في حين كان باستطاعته تشتيتها بالرأس.

المصائب لا تأتي فرادى

التأثير الضار لهيندو لم يكن على مستوى الخط الخلفي فقط، بل أيضا في الوسط، خاصة في الشوط الأول المتواضع، الذي لم يتمكن خلاله الريدز من خلق ولو فرصة يتيمة بين القائمين والعارضة، في سابقة لم تحدث مع الفريق منذ انطلاق الموسم، وشاهدنا كيف افتقر الوسط الأحمر للشراسة والعدوانية، لأسباب تتعلق بعدم جاهزية تياغو ألكانتارا بنسبة 100 %، بعد تعافيه لتوه من الإصابة التي ألمت به في دربي الميرسيسايد الأخير امام ايفرتون، ونفس الأمر بالنسبة لأليكس أوكسليد تشامبرلين، الذي بدا خجولا في صراعات الوسط مع إبراهيم ديالو وجيمس وورد براوز، مثل الهولندي جورجينيو فينالدوم، البعيد تماما عن صورته البراقة التي كان عليها في الموسمين الماضيين، لانشغاله بقصة تأمين مستقبله ما بين التفكير في البقاء أو الاستمرار في رفع راية العصيان والتمرد، ليحقق حلمه بالانتقال إلى برشلونة، وإلا ما سر اختفاء الحماس الذي كان عليه؟ ولأن المصائب لا تأتي فرادى، جاءت الضربة القاضية للمدرب، في حالة الهبوط الجماعي في مستوى رجاله المخلصين، الذين كان يرتكز عليهم لتصدير ما يُعرف بالذعر أو الرعب الكروي للمنافسين، في مقدمتهم الحارس البرازيلي أليسون بيكر، بظهوره بصورة لا تقارن أبدا بمستواه السينمائي، الذي كان عليه في أول موسمين، دعك من الأهداف السهلة التي تسكن شباكه واضطرابه الواضح بدون فان دايك، لكن المثير للريبة، الأخطاء الفادحة في التمرير، التي تكررت معه عدة مرات في الأسابيع الماضية، متقمصا دور المنبوذ لوريس كاريوس بامتياز، لولا أنه محظوظ بيقظة زملائه، كما أنقذه هيندرسون من خطأ فادح في المباراة ذاتها، كذلك المدافع الأيمن ألكسندر أرنولد، هو أيضا تّحول فجأة من مشروع قائد مستقبلي، وواحد من ثلاثة أفضل لاعبين في العالم في مركزه، إن لم يكن الأفضل على الأقل من وجهة نظر مشجعي الريدز، إلى شبح يعيش على أطلال الماضي، كما وضح من خلال أرقامه الصادمة في مباراة ساوثهامبتون، والتي وصلت الى حد فقدان الاستحواذ على الكرة 38 مرة، أو ما يزيد على 10 مرات أو أكثر من أي لاعب آخر في الفريق، وأكثر من أي لاعب في الدوري.

أسلحة معطبة

وبصرف النظر عن هفوة ألكسندر أرنولد التي كبدت الريدز النقاط الثلاث، فيمكن القول إنه يسير من سيئ إلى أسوأ منذ عودته من الإصابة، بافتقاره الزخم المعروف عنه في الهجوم، كمدافع أيمن بأقدام وعقل صانع ألعاب من طراز خاص، وأيضا واحد من أصحاب الحلول الفردية، الذين يفكرون خارج الصندوق، بالتعامل مع المواقف الصعبة بالموهبة الفطرية، والتي كانت تظهر في حُسن تصرفه بالكرة واتخاذ القرار المناسب في الوقت المثالي، متسلحا بالمقاومات التي يحلم بها أي مدرب بالنسبة للاعب في مركز الظهير الأيمن، كالسرعة ودقة التمرير الطولي والعرضيات، بخلاف تصويباته وقدرته على المراوغة في موقف لاعب ضد لاعب، وقبل هذا وذلك، يعرف أساسيات مركز المدافع الأيمن، ويُجيد القيام بالأدوار الدفاعية كما ينبغي، في ما يُعرف بالتوازن بين الدفاع والهجوم، وغيرها من المميزات، التي كانت تجعله واحد من مصادر القوة الضاربة في تشكيلة المدرب كلوب، كما هو الحال بالنسبة لمنافسة على صناعة الفرص والأهداف أندي روبرتسون في الجانب الأيسر. بينما الآن، كلاهما ليس في أفضل حالاته، وهذا يفسر سر الانخفاض الكبير في نسق اللعب، لتأثر المنظومة الجماعية بالخلل الكبير على مستوى الظهيرين، اللذين كانا أشبه بالرئتين بالنسبة لحامل اللقب، وتشمل قائمة المتخاذلين في فترة ترنح الفريق، البرازيلي روبرتو فيرمينو، الذي عاد سريعا حيث كان في بداية الموسم، كمهاجم بلا أنياب ولا تأثير في الثلث الأخير من الملعب، بمجرد أن تعرض دييغو جوتا للإصابة.
وانتقلت العدوى للسنغالي ساديو ماني، ربما لأسباب تتعلق بغضبه من معاملة المدرب، كما أظهر امتعاضه عند استبداله بمحمد صلاح ليلة افتراس النسور بالسبعة، وربما لأسباب تتعلق بالتعب والإرهاق البدني والذهني كأغلب زملائه، نتيجة تلاحم الموسمين الماضي والحالي، والضغط المستمر للمباريات منذ استئناف النشاط في يونيو / حزيران الماضي، وذلك من دون الحصول على راحة كافية أو حتى متسع من الوقت لعمل فترة إعداد وخوض مباريات ودية، لأجل رفع المعدلات البدنية للاعبين بشكل تدريجي كما كان يحدث سنويا قبل بدء المباريات الرسمية، وهذه واحدة من أكبر المشاكل التي يعاني منها فريق المدرب يورغن كلوب، وكانت سببا في ارتفاع نسبة الإصابات في النصف الأول من هذا الموسم، على عكس الوضع في السنوات الماضية، حيث كانت الانتكاسات في أضيق الحدود، بفضل الإعداد الصحيح قبل انطلاق الموسم، لكن بالنسبة لفريق بحجم ليفربول، فمن المفترض أنه لا توجد في قاموسه كلمة “أعذار”، ليظهر لاعبوه بالصورة القاتمة التي كانوا عليها في آخر مباريات في البريميرليغ… لكن ما هو الحل؟ يبقى في يد المدرب، بمراجعة نفسه لإيجاد حلول وأفكار جديدة للخلل الفني الواضح في فريقه، والأهم شحن معنويات لاعبيه ومساعدتهم على استعادة ثقتهم بنفسهم ومستواهم المعهود، لتعود الانتصارات والأمور إلى نصابها الصحيح، بدلا من مواجهة المجهول إذا استمر مسلسل نزيف النقاط وتقديم الهدايا المجانية للخصوم مع بدء العد التنازلي لمراحل الحسم في الموسم.

كبش الفداء

كما توقعنا الأسبوع، سيواجه محمد صلاح مشاكل وانتقادات لاذعة، إذا غاب تأثيره للمباراة الثالثة على التوالي، وهذا ما حدث بالفعل بعد الهزيمة أمام ساوثهامبتون. لكن ما فاق التوقعات، أن ينقلب عليه جمهور ليفربول بهذه السرعة والطريقة، كما تابعنا جميعا في ردود الأفعال سواء عبر “السوشيال ميديا” أو وسائل الإعلام البريطانية، بإلقاء اللوم عليه أكثر من غيره من اللاعبين، وكأنه “كبش الفداء” أو المسؤول الأول عن عثرات الفريق، بسبب تصريحاته الرمادية لصحيفة “آس” المقربة من ريال مدريد، التي تعمد خلالها فتح الباب على مصراعيه لإثارة الجدل والتكهنات حول إمكانية انتقاله لواحد من أشهر ناديين على هذا الكوكب الريال الميرينغي أو العملاق الكتالوني برشلونة، فضلا عن تلميحاته إلى توتر علاقته بالمدرب كلوب، لعدم منحه شارة القيادة في اللقاء الختامي لدور مجموعات دوري أبطال أوروبا، وما حدث بعد ذلك بخروج المدرب بتصريحات جريئة، مفادها باختصار شديد أن النادي لن يُجبر أحد على البقاء رغما عنه، الأمر الذي تسبب بشكل أو بآخر في غضب واحتقان المشجعين، خوفا من سيناريو تأثر الفريق ونتائجه من الصراعات الداخلية في غرفة خلع الملابس. لذلك، نال أبو صلاح النصيب الأكبر من التعليقات الغاضبة، والتي وصلت لحد مطالبة مجلس الإدارة ببيعه بأعلى عائد مادي وشراء مهاجم آخر من الطراز العالمي، يكون تركيزه مع الفريق ولا شيء آخر. ورغم أن أبو مكة لم يكن في أفضل حالاته في المباريات الثلاث التي خرج منها بدون أهداف، لكن هذا لا يعني أنه سبب خروج الفريق بنقطتين فقط بعد الاحتفال بعيد الكريسماس، بل كما أشرنا أعلاه، المسؤولية جماعية وتقع على عاتق الجميع، وتحتاج مراجعة مع النفس في ما يخص اللاعبين والجهاز الفني، وتدخل ملموس من قبل مجلس الإدارة، لتفادي ما قاله أسطورة النادي جيمي كاراغر إن “ليفربول لن ينافس على اللقب إذا لم يتعاقد مع قلب دفاع قبل غلق سوق الانتقالات الشتوية”.

طوق النجاة

بداية الخروج من الورطة، تكمن في نصيحة كاراغر، بالتوقيع مع قلب دفاع بأي ثمن قبل فوات الأوان، ليبقى قادرا على الذهاب بعيدا في البريميرليغ ودوري الأبطال، ولعل أبرز الأسماء المتاحة، الهدف القديم الجديد كاليدو كوليبالي مدافع نابولي، الذي يملك من الإمكانات ما يكفي لتعويض غياب فان دايك في ما تبقى من الموسم، إلى جانب ذلك سيكون الشريك الإستراتيجي للصخرة الهولندية، لفارق الجودة بينه وبين جويل ماتيب وجو غوميز. بينما الخيار الثاني، فهو وحش لايبزيج دايوت أوباميكانو، الذي خطف الأنظار بشدة، بمستواه الخيالي مع ممثل شركة مشروبات الطاقة، ليصبح هدفا لأندية بحجم ريال مدريد وبرشلونة، لكن مشكلته في قيمة فسخ الشرط الجزائي في عقده، والتي تقدر بنحو 42 مليون يورو، وذلك في وقت يعاني فيه النادي من ضائقة مالية بسبب تبعات كورونا.
أما إذا أراد خيارات بعقود مؤقتة، فهناك طريد فالنسيا إيزيكل غاراي، الذي لم يتعاقد مع أي ناد منذ رحيله عن “ميستايا” الصيف الماضي، ومثله عدو الأمس أشلي ويليامز مدافع إيفرتون السابق، أو البحث عن خيار اقتصادي، من نوعية الجزائري عيسى ماندي صمام أمان ريال بيتيس، أو استعادة ابن الأكاديمية كونور كودي، الذي وصل الى مرحلة النضج الكروي مع فريقه الحالي ولفرهامبتون، والتوقيع معه سيكون ميزة كبيرة في حد ذاتها، كونه لم يستغرق أي وقت للتأقلم والتكيف على أجواء “آنفيلد”. المهم أن يستغل كلوب ومجلس الإدارة الأيام المتبقية في النافذة الشتوية لتجديد الدماء بصفقة أو اثنتين، على أمل أن تتحسن الظروف ولو بشكل تدريجي، مع انخراط ألكانتارا مع اللاعبين واكتمال لياقته البدنية مع المباريات، ليستعيد مستواه الأنيق الذي كان عليه مع بايرن ميونيخ الموسم الماضي، وبالتبعية يعطي الإضافة التي ينتظرها منه كلوب، إلى جانب عودة جوتا، الذي تأثر الفريق كثيرا بغيابه في الأسابيع الماضية، ومعه باقي المصابين المنتظر عودتهم في المستقبل القريب، ما قد يساهم في استفاقة صلاح وماني وفيرمينو وأرنولد وباقي العناصر الأساسية التي تراجع مستواها في الآونة الأخيرة، وبالطبع هذا ما يخطط له كلوب ويُمني النفس بحدوثه ليستعيد الشراسة والحدة التي كانت تُميز فريقه في السنوات القليلة الماضية، وجعلته يحسم لقب البريميرليغ عمليا ومنطقيا في مثل هذه الأيام، بالتفريط في نقطتين فقط في أول 17 جولة، مقابل ثماني نقاط من هزيمتين وتعادلين في نفس عدد الجولات، فهل سيُعيد المدرب الأمور إلى نصابها الصحيح؟ أم سيكون القادم أصعب؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية