لماذا بادر السنيورة للمصالحة بين الحريري وريفي… وهل عادت أطراف عربية لاحتضانه وبشروطه؟

حسن فحص
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: تعتبر محطة الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 لدى رئيس الوزراء اللبناني سعد الدين الحريري تاريخا فاصلاً وفارقاً في مسيرته السياسية، وان ما بعده ليس كما قبله في التعامل والتعاطي مع الشخصيات التي تطرح نفسها او تقدم نفسها كمراكز قرار في الحياة السياسية، خاصة على الساحة السنية التي يمثلها الحريري.
فالرابع من تشرين الثاني كان تتويجاً لمسار من الصراع بين الأقطاب السنية السياسية اللبنانية الساعية، كل على حساب الآخر، لإثبات حصرية تمثيله للشارع السني. وقد وجد هذا الصراع مظلة عربية ذهبت إلى تبني موقف يتخلى عن مبدأ حصرية التمثيل السني لصالح مبدأ التساوي بين جميع الأقطاب، واعتبار الحريري متقدما بين متساويين اذا كان في موقع الرئاسة الثالثة.
وقد عزز هذا التوجه، ظهور بعض التحركات على الساحة السنية، تمثلت بما قام به الوزير اللواء اشرف ريفي الذي عمد إلى رفع مستوى الكلام الحاد في مواجهة الحريري واتهمامه بالتسويات على حساب المصالح السنية ودماء والده والخضوع لإرادة حزب الله الغريم الاول للمحور العربي على الساحة اللبنانية بما يمثله من امتداد ايراني.
والى جانب موقف ريفي، ظهرت تحركات قادها مقربون من الرئيس فؤاد السنيورة، حاولوا إعطاءها طابعًا وطنيًا غير محصور بالساحة السنية، لمواجهة الحريري والدفع في اتجاه إخراجه من السلطة ومحاصرته على خلفية توجيه اللوم له بالتفريط في الانجازات التي حققتها القوى الاستقلالية في «ثورة الارز وقوى 14 آذار». وقد ساعدها في ذلك قوى مسيحية في مقدمتها حزب القوات اللبنانية التي دفعت لتبني توجه يدعو الرئيس الحريري للاستقالة من السلطة التنفيذية لتفويت الفرصة على حزب الله وحلفائه من السيطرة على الدولة في لبنان، وتجمعت حولها كل القوى (السنية والشيعية والمسيحية) المناوئة لحزب الله والمنزعجة من الحريري. وهي تحركات كانت الذروة فيها ما حدث في الرابع من نوفمبر عندما قام الرئيس الحريري بتقديم استقالته المفاجئة من العاصمة السعودية الرياض من خارج كل السياقات السياسية التي كانت توحي بعكس هذه الاستقالة.

من السعودية إلى منزل السنيورة

بعد انتهاء أزمة الاستقالة عام 2017، كانت الخطوة الاولى التي قام بها الرئيس الحريري بعد عودته من الرياض عبر مصر وقبرس ان قام بزيارة السنيورة في منزله، وهي زيارة كان من المفترض ان تشكل تغييراً في اسلوب تعامل الحريري مع الواقع السياسي، الا انها لم تخرج عن كونها زيارة بروتوكولية ذات ابعاد لا علاقة لها بموقف الحريري العائد من نفق سياسي مظلم كان من المفترض أن يكون مسدوداً امامه يوصل إلى نهاية حياته السياسية.
قد لا تكون مصادفة ان تأتي زيارة الحريري الجديدة (12/3/2019) إلى منزل السنيورة بعد زيارة للسعودية ايضاً، الا ان هذه الزيارة تختلف عن سابقتها، فهي تأتي بعد ان استطاع الحريري تثبيت مواقعه داخل المعادلة اللبنانية كرئيس للحكومة محل اجماع من كل الأطراف، وفرضت على جميع الأطراف الداخلية والعربية التعامل معه انطلاقاً من هذا المعطى. وهي زيارة لا تمثل حاجة للحريري اكثر مما هي حاجة للسنيورة واللواء ريفي، وتكشف عن وجود تغيير في سياسة التعامل العربي مع رئيس الحكومة وضرورة ان يعود للعب دوره السابق كمظلة لكل الأقطاب السنية اللبنانية، وبالتالي اعترافاً بعدم جدوى كل المساعي التي بذلت من اجل إقصائه او محاصرته او إخراجه من المعادلة. وتحمل اعترافاً ايضاً بصعوبة الذهاب وراء خيار المواجهة والتصادم والمزيد من الخسائر في ظل وضع لبناني هش، واي خطوة غير مدروسة فيه تصب في صالح حزب الله الخصم وحلفائه.

سياسة جديدة؟

لا شك ان عودة الأقطاب السنية إلى دائرة التقارب مع الحريري او حل الخلافات السابقة معه على خلفية النهج السياسي الذي اعتمده الحريري، لم يأت نتيجة لقناعة هذه الأقطاب او نتيجة قراءتهم لتداعيات الوضع اللبناني على الساحة السنية في حال استمرار الخلاف، بل جاء نتيجة لتوجهات تتجاوز الساحة اللبنانية، ونتيجة لقناعة عربية بضرورة العودة إلى اعتماد سياسة احتواء الوضع اللبناني والعمل الهادئ من اجل العودة إلى دائرة النفوذ والتأثير بعد سلسلة من المواقف انتهت إلى التراجع والانحسار إلى مستوى العلاقات الاجتماعية. وبالتالي بات من الضروري ان تعود الأقطاب السنية التي رفعت لواء المواجهة مع الحريري وسياساته إلى دائرة التعاون فيما بينها «ورص الصفوف» حسب تعبير الحريري، من دون الايحاء للحريري بالتخلي عن هؤلاء الأقطاب، خصوصاً من خارج الساحة السنية. وبالتالي فان العودة إلى حضن الحريري باتت تشكل حاجة وضرورة لهذه الأطراف وليس العكس، إضافة إلى ان التقارب مع الحريري، يعبر عن حاجة هذه الأطراف اكثر من ان كونها حاجة حريرية، من اجل الحفاظ على الحد الادنى من التأثير والدور.
وقد تشكل الانتخابات الفرعية التي ستشهدها مدينة طرابلس في شمال لبنان بعد إسقاط نيابة السيدة ديما جمالي عن تيار المستقبل، مدخلاً لفهم احدى نواحي المساعي التي بذلها السنيورة للمصالحة بين الرئيس الحريري واللواء اشرف ريفي. فمن المعروف ان السنيورة وريفي ينتميان إلى المعسكر المعارض لسياسات الرئيس الحريري في ادارة الوضع اللبناني والحكومي. واذا ما كان صوت ريفي عالياً في معارضته ولا يترك فرصة لتأكيد هذا الموقف، فان السنيورة اعتمد سياسة الموقف الناعم من خلال الايحاء لجهات تدور في فلكه للاعلان عن هذا الموقف المعارض من دون ان يتحمل عبء المسؤولية عنه مباشرة محتفظا بمسافة آمنة تقيه الدخول في صراع مباشر مع الحريري.
وبعد تأكيد الحريري على اعادة ترشيح جمالي في معركة سياسية اعتبر الطعن في نيابتها استهدافاً مباشراً له ولتياره وكتلته البرلمانية، فقد نسج تحالفاً انتخابياً مع احد اقطاب طرابلس والساحة السنية رئيس الوزراء الاسبق نجيب ميقاتي ويعتبر استكمالاً لتفاهم وزاري انتهى بمنح ميقاتي حصة وزارية في الحكومة الحالية. وهذا التحالف يضمن لمرشحة الحريري تقدماً على اي منافس لها قد تدعمه القوى المعارضة للحريري ان كان من داخل قوى 14 آذار او قوى 8 آذار.

السنيورة وخيمة الحريري

وبالتالي فان هذا التفاهم سيضمن عودة جمالي إلى الندوة البرلمانية، في مقابل تشتت الأصوات المنافسة، خصوصاً وان قوى 8 آذار غير قادرة على تجميع الكم الكافي من الأصوات التي تضمن وصول مرشحها، فضلاً عن ان مرشح ريفي او هو شخصياً غير قادر على تحقيق اختراق في صفوف مؤيدي كل من تيار المستقبل او مؤيدي ميقاتي، ما يعني فشلًا جديداً سيضاف إلى الفشل الذي مني به في الانتخابات السابقة بناء على القانون النسبي، حيث لم يستطع الوصول او إيصال أي من مرشحيه إلى البرلمان. وبالتالي فان تخلي ريفي عن السقف العالي المعارض للحريري واختيار دارة السنيورة لعقد اللقاء يأتي في إطار محاولة «بيع ما لا يملكه»، إلا انه يؤكد حقيقة اساسية تعترف بالحريري زعمياً وحاضناً للوسط السني بكل تنوعاته والجهة القادرة من خلال النهج السياسي الذي يعتمده ان يحافظ على الحقوق السنية في الدولة والادارة والتمثيل.
ظهور السنيورة بمظهر الحريص على تدوير الزوايا ولم الشمل بين الأقطاب السنية، لم يكن ليحدث لو لم يتعرض السنيورة لحملة قاسية تضعه في دائرة الاتهام في اطار سياسة مكافحة الفساد، خصوصاً في الملف الذي قدمه حزب الله إلى السلطة القضائية والمدعي العام المالي مؤخراً والمتعلق بملف الهدر والفساد في ميزانيات الحكومة منذ عام 1993 حتى عام 2017 وملف 11 مليار دولار. وعلى الرغم من عدم تسمية الحزب لاي من الأطراف او الشخصيات وتحميلها مسؤولية هذا الملف، وان كان الهدف الضمني للحزب هو السنيورة، الا ان السنيورة استشعر محاولات الحزب لاستهدافه والاستفراد به خصوصاً في ظل ضبابية تحكم علاقته مع رئيس الوزراء من ناحية، وكونه يمثل الجهة التي تمثل إرادة جهات عربية من ناحية ثانية، فبادر إلى تحويل هذا الاستهداف إلى محاولة لاستهداف المكون السني بكل أطيافه، أي تحميل الطائفة السنية ما قد يواجهه من اتهامات او استهدافات، وبالتالي كان بحاجة إلى تسييل البيان الصادر عن تيار المستقبل وموقف الحريري وتحويله إلى موقف عملاني يحقق له الحماية المطلوبة، ما يعني تقديم تنازلات والعودة إلى المظلة الحريرية في محاولة لتحميلها عبء التصدي لحملات استهدافه.
واذا ما كان موضوع تأمين مظلة حماية للسنيورة مطلباً عربياً، فمن غير المستبعد ان يكون هذا الأمر قد ادرج على جدول مباحثات الحريري في زيارته للرياض، مقابل الدفع بالأقطاب المحسوبة عليها للعودة إلى حضن الحريري، الا ان رئيس الحكومة كان حاسما بعد عودته من الرياض وقبل اللقاء الذي جمعه مع السنيورة وريفي بأن وضع موضوع ملف الفساد لدى الجهات المختصة مؤكداً انه بات في يد القضاء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية