لندن – “القدس العربي”: رفع ليفربول الراية البيضاء في حملة الدفاع عن لقب دوري أبطال أوروبا، بسقوطه على أرضه “أنفيلد” ووسط جماهيره أمام أتلتيكو مدريد بنتيجة 2-3، في معركة إياب دور الـ16 لذات الأذنين، ليؤكد دييغو سيميوني تفوقه على يورغن كلوب، بعد حسم قمة “واندا متروبوليتانو” بهدف ساؤل نيغيز، كأفضل رد على غطرسة المدرب الألماني، لمبالغته في تبرير هزيمته الأولى وعدم اعترافه بتفوق المنافس عليه داخل المستطيل الاخضر، كما هي عادته دائما كلما تعثر أو حقق نتيجة سلبية، حيث يتحف الجميع بحجج غير مقنعة، أشهرها على الإطلاق حجته المفضلة “الرياح”.
انقلب السحر على الساحر
كان واضحا منذ الخسارة في مدريد، أن آينشتاين الألمان قد جانبه التوفيق في تصريحاته التي أدلى بها بعد المباراة، تارة بتهكمه على الطريقة الدفاعية التي لعب بها التشولو، وتارة أخرى بانتقاد ما كان يفعله المدرب الأرجنتيني بتحفيز جماهيره، غير أنه أدار لعبة الحرب الكلامية بكثير من الغرور والثقة بالنفس، بتهديد الأتليتي بمواجهة المجهول في إياب “الآنفيلد”، كما حدث من قبل مع برشلونة وكل كبار أوروبا، الذين عجزوا عن فك شفرة الليفر في ما يعرف جحيم “أنفيلد”، لكن إذا جلس مع نفسه قليلا قبل أن يُطلق العنان لنفسه بهذه الطريقة، لأدرك جيدا أنه يتحدث عن واحد من أكثر المؤمنين بكرة القدم القبيحة. أنت عزيزي القارئ، هل كنت تعتقد أن سيميوني سيحاصر ليفربول في “واندا متروبوليتانو” ويقهره بالتيكي تيكي مثلا؟ حتما لا، إذن لماذا أبدى كلوب اندهاشه من أسلوب الفريق الإسباني؟ لدرجة أنه قال: “لا أفهم الأسلوب الذي يلعب به سيميوني رغم امتلاكه لعناصر مميزة”، وكان ذلك مبرره لخسارة صدام الذهاب، رغم اتفاقنا أن الصغير قبل الكبير كان على يقين أن أتلتيكو مدريد سيظهر بنفس الصورة التي رسمها لنفسه مع دييغو منذ ظهوره على الساحة بشكل حقيقي عام 2014، كفريق علاقته بالكرة الحديثة كعلاقتنا باللغة الصينية، يلعب فقط بمقولة شيوخ المدربين المصريين “اللي تغلب به… ألعب به”، صحيح لديه كوكتيل مواهب في كل المراكز، خصوصا في الوسط والثلث الأخير من الملعب، إلا أن هذا السيميوني لا يؤمن إلا بأفكاره وقناعته “البراغماتية”، بإتباع فلسفته العملية التي يحقق بها ما يريده، بغض النظر عما يقوله الآخرون وبدون حتى الاستماع إليهم، ولولا ذلك، أو بالأحرى لولا نجاح فلسفته لما أبقت عليه الإدارة كل هذه السنوات، وأيضا في ما يخص تهديد ووعيد كلوب بجحيم “الآنفيلد”، وسار على نهجه أليسون بيكر وفيرجيل فان دايك ومحمد صلاح، بتصريحات وتغريدات أقل ما يُقال عنها “نارية”، فكان لها مفعول عكسي. كيف ذلك؟ لو عدنا بالذاكرة لما قاله كلوب بنفسه بعد الخسارة من برشلونة 3-0 في ذهاب نصف نهائي “كامب نو” الموسم الماضي، سنجد أنه تعامل مع الموقف الصعب بطريقة عبقرية، برفع كل الضغوط عن لاعبيه، بكلمات “مغناطيسية” لطيب الذكر أرنستو فالفيردي والبرغوث ليونيل ميسي، فقط طالب لاعبيه بتقديم أفضل ما لديهم، دون الالتفاف أو النظر إلى النتيجة، هذا في غياب أبو مكة وروبرتو فيرمينو، إلا أن تحضيره المثالي للاعبين، كان له مفعول السحر على معنويات ديفيك أوريغي والبقية، ليتحول الحلم إلى حقيقة بريمونتادا للتاريخ، أما هذه المرة، فخانه التقدير، بإسهاب في الحديث عما سيحدث في الإياب، وبنبرة بعيدة عن تواضع كلماته بعد ثلاثية البارسا، ما تسبب في تحويل الضغط على اللاعبين، الذين ساعدوا بترديد ما قاله، وذلك أمام فريق متمرس على مقارعة أعتى أندية أوروبا والعالم، خصوصا في ملاعبهم، وحتى وإن كانت نتائجه كارثية على المستوى المحلي، كما هو وضعه الموسم الحالي، بخروجه من دور الـ32 من كأس الملك على يد فريق مجهول اسمه كولتورال ديبورتيفا ليونيسا، والآن يحتل المرتبة السادسة في جدول ترتيب أندية الليغا، لكن عندما يواجه أحد الكبار في عقر دارهم، يظهر بنفس الصورة التي كان عليها في سهرة الثلاثاء، كما فعلها من قبل في أعرق وأصعب ملاعب إسبانيا وأوروبا، بما فيها “كامب نو” و”سانتياغو بيرنابيو” و”آليانز آرينا” وغيرها.
التفاصيل البسيطة
ربما لا يكون كلوب قد أدار معركته النفسية مع سيميوني بشكل جيد، لكن على المستوى الفني، من الصعب تجاهل التحسن الكبير في أداء ليفربول داخل الملعب، مقارنة بالشكل الكارثي الذي كان عليه في مباراة الذهاب، ووضح ذلك من خلال انتشار اللاعبين وإيجابيتهم في الثلث الأخير من الملعب، ونتج عن ذلك محاولات بالجملة، عكس المباراة الأولى، التي لم يتعرض خلالها يان أوبلاك ولو لنصف اختبار، ولاحظنا عودة صورة ليفربول، ذاك الفريق الذي صنفه كثيرون في بداية الموسم أنه لا يقهر، بسيل من الفرص المحققة، مع تحكم أشبه بالسيطرة المطلقة على مجريات الأمور في كل متر في الملعب، بما في ذلك مربع العمليات، معتمدا على طريقته المعتادة 4-3-3، بوجود الرباعي أندي روبرتسون وفان دايك وجو غوميز وأرنولد، وأمامهم الثلاثي فينالدوم وتشامبرلين والقائد جوردان هيندرسون بعد تعافيه من إصابته، وفي الخط الأمامي الثلاثي الناري صلاح وماني وفيرمينو، وكانت الأمور تسير على ما يرام، خاصة بعد أخذ الأسبقية بهدف فينالدوم قبل الذهاب إلى غرفة خلع الملابس، حيث كثف الريدز من ضغطه البدني في الشوط الثاني، لحسم المعركة قبل الذهاب إلى غرفة خلع الملابس، في المقابل، كان التشولو على وضعه طيلة الوقت الأصلي للمباراة، باستثناء ما فعله في بداية الشوط الثاني بإشراك ماركوس يورينتي على حساب رأس الحربة الوحيد دييغو كوستا، أما أسلوبه فلم يتغير، ظل يدافع بتسعة لاعبين، رغم أنه على الورق كان يلعب 4-4-2، بيد أنه لم يكن يلعب على أجنحة تقليديين، بوضع الرباعي أنخيل كوريا وبارتي وساؤل نيغيز وكوكي، كحائط صد أمام الترسانة الدفاعية المكونة من رونان لودي وفيليبي وستيفان سافيتش وكيران تريبيير، وقبل الجميع رجل المباراة يان أوبلاك، الذي صنع الفارق للهنود الحمر، بإنقاذ 6 فرص من داخل منطقة الجزاء، ولولا تصدياته الإعجازية في الشوط الثاني للوقت الأصلي، لما صمد زملاؤه حتى الوصول للأشواط الإضافية، وهنا دفع الفريق الإنكليزي ثمن اندفاعه البدني الخيالي على مدار 90 دقيقة، والعكس بالنسبة لمنافس ريال مدريد وبرشلونة، الذي وفر طاقته لتوجيه طلقاته في الوقت المناسب، بعد ظهور ملامح التعب والإرهاق على الكتيبة الحمراء، خاصة بعد هدف فيرمينو الثاني، ولعلنا لاحظنا تفوق الكابوس يورينتي والبديل السوبر ألفارو موراتا على فان دايك وغوميز في سباق السرعات في لقطتي الهدف الثاني والثالث، وعلى النقيض مما فعله الحارس السلوفيني مع فريقه، قام الإسباني أدريان بهدم كل مجهود زملائه ومدربه، بهفوة ساذجة كان من السهل تفاديها، بدلا من قتل معنويات زملائه باستقبال هدف مجاني، وفي وقت كانت المعنويات في عنان السماء بالاحتفال بالهدف الثاني، وهذا يلخص قيمة الحارس ومدى أهميته وتأثيره على مسار ألقاب وبطولات، كما فعل أليسون الموسم الماضي، بتصديه الخارق أمام نابولي في الوقت المحتسب بدلا من الضائع، ولنا أن نتخيل أنه لولا هذا الإنقاذ لما عبر أحمر الميرسيسايد مرحلة المجموعة ومن ثم شق طريقه إلى النهائي ليتوج باللقب على حساب توتنهام، وبنفس التخيل، ماذا لو كان الحارس البرازيلي حاضرا في قمة الأربعاء؟ لذلك لم يُخطئ أبدا من قال إن “حارس المرمى نصف الفريق”، وهذا الأمر جسده أوبلاك مع الأتلتي وأدريان مع ليفربول، لتنتهي مغامرة حامل اللقب، ويبقى متفرغا لاستقبال لحظة انتهاء لعنة لقب البريميرليغ الغائب عن خزائنه منذ 30 عاما، فيما أكد سيميوني مجددا، أن فريقه لا يقهر، طالما كان منافسه لا يتسلح بدابته السوداء كريستيانو رونالدو، بالخروج أمامه سواء مع ريال مدريد أو يوفنتوس منذ عام 2014 وحتى هاتريك إياب ثمن نهائي النسخة الماضية، فهل سيتجنب صاروخ ماديرا هذه المرة، وينهي عقدته مع ذات الأذنين.
عودة نيمار وانهيار مورينيو
للمرة الأولى منذ قدومه من برشلونة في صيف 2017، ينجح نيمار جونيور في قيادة باريس سان جيرمان في تخطي دور الـ16 لدوري الأبطال، بعد غيابه الموسمين الماضيين بداعي الإصابة، بتخطي بوروسيا دورتموند بهدفين نظيفين في مباراة “حديقة الأمراء” الصامتة، بسبب عدوى كورونا، التي على ما يبدو ستتسبب في إلغاء كل المسابقات الرياضية والكروية هذا الموسم، وبعيدا عنها، فكان النجم البرازيلي في أفضل حالاته، بإظهار جودته وقدرته في التحكم بالكرة، وحُسن التصرف بها، باختيار الوقت الصحيح بين بعثرة المدافعين ولاعبي الوسط، وبين التمرير واللعب الجماعي، وأدائه المميز، بظهوره كسلاح رادع بإمكانه ضرب الدفاعات في أي وقت، انعكس بشكل إيجابي على معنويات وثقة زملائه في أنفسهم، لذلك لم يشعر أحد بغياب السهم كيليان مبابي في أول 60 دقيقة، وربما لو كان في أفضل حالاته الصحية بعد إصابته بالأنفلونزا قبل المباراة بـ48 ساعة، لأكمل سحر نيمار لأكثر من هدفين، لكن على أي حال، نجح الفريق الباريسي في التكشير عن أنيابه، كأقوى رسالة على المشككين في مشروع ناصر الخليفي، وقدرته على تجاوز دور الـ16، بعد الخروج منه في آخر 3 سنوات، وفي نفس الجولة أيضا، واصل جوزيه مورينيو مسلسل فشله الذريع مع توتنهام، بالتجرع من مرارة الهزيمة على يد لايبزيغ الألماني، الذي لم يسبق له اللعب في دور الـ16 من قبل، وخسر بالثلاثة بعد الخسارة في ذهاب “توتنهام هوتسبير” بهدف نظيف، وما يدعو للدهشة والاستغراب، أن “سبيشال وان”، بدا وكأنه لم يتعلم من درس المباراة الأولى، بإيجاد حلول لمواجهة الضغط الذي قام به فريق المدرب الثلاثيني جوليان ناغلسمان، ليدفع الثمن باستقبال هدفين في أول 21 دقيقة، دليلا على قراءته الخاطئة للمباراة، واستمرارا لتخبطه مع السبيرز منذ توليه المهمة من مؤسس المشروع ماوريسيو بوتشيتينو، والذي يظهر بوضوح في نتائجه الكارثية، التي وصلت لحد الهزيمة في 5 مباريات وتعادل وحيد في آخر ست مباريات، وهو أمر لم يحدث من قبل في مسيرته التدريبية، والمثير للريبة بحق، أنه لم يحمل نفسه المسؤولية، بل يلقي باللوم على الظروف والنحس والإصابات، بنفس الطريقة التي كان يتحجج بها في عثراته مع مانشستر يونايتد، ولنفهم إلى أين يذهب “سبيشال وان” في مسيرته، أو بمعنى أدق كيف يعود إلى الوراء بسرعة الصاروخ، فأقل شيء، لم يتجاوز دور الـ16 لذات الأذنين في تجاربه الثلاث الأخيرة مع تشلسي ومانشستر يونايتد والآن توتنهام، فقط سبقها بالوصول لنصف النهائي 3 مرات مع ريال مدريد بعد نهائي 2010 مع الإنتر، فهل هي مؤشرات لانتهاء أسطورة جوزيه مورينيو؟ أم سيتحمله دانيال ليفي لنهاية الموسم ليرى النتائج بداية من الموسم الجديد؟ دعونا ننتظر.
الحصان الأسود
أثبت أتالانتا أن عروضه ونتائجه السينمائية في الدوري الإيطالي قبل تجميده، ليست من قبيل الصدفة، بإزاحة فالنسيا من دور الـ16، بالفوز عليه في الذهاب 4-1 وفي الإياب 4-3 في قلب “ميستايا” في ليلة الملك جوسيب إيليشيش بأهدافه الأربعة، لتنصف كرة القدم أصحاب أقوى خط هجوم في أوروبا بـ70 هدفا في 25 مباراة، بوصولهم لدور الثمانية للمرة الأولى في تاريخ النادي، وهذه ثمار عمل مدربه غاسبريني، الذي يعتمد على مجموعة من المواهب الخام، القادرة على تنفيذ أفكاره ومرونته باللعب بأسلوب 3-4-3، وأثناء المباراة يتغير أحيانا لـ3-4-2-1 أو 3-4-1-2، حسب ما تتطلبه ظروف المباراة أو وضعية المنافس، وهذا ما فعله في ليلة “الميستايا”، حيث بدأ بطريقته المفضلة، وبعد تقدمه على مضيفه في عقر داره بهدفين مقابل هدف قبل نهاية الشوط الثاني، قام بإشراك هداف الفريق الموسم الماضي دوفان زاباتا على حساب لاعب الوسط مارتن دي رون، وهذا في حد ذاته، يعكس لنا طريقة تفكير غاسبريني، كمدرب “كوتش”، يعطي كل دقيقة في المباراة أهميتها، وليس من النوع الروتيني، الذي ينتظر حتى مرور ربع ساعة من الشوط الثاني لإجراء تغيير، دائما ينظر إلى نقاط قوته وليس لأسلحة المنافس، كما أقحم زاباتا بجانب إيليشيش، وهو متقدم خارج ملعبه 2-1، وحتى بعد استفاقة الخفافيش في بداية الشوط الثاني، بتسجيل هدف التعادل ثم التقدم بالهدف الثالث، لم يلجأ للطرق التقليدية بالدفاع من منتصف ملعبه، لقتل ما تبقى من الوقت، بل أعطى تعليمات للظهيرين هانز هاتيبور وروبن جوسينس بالتحرر أكثر من المناطق الدفاعية، ليستعيد الكثافة العددية في الوسط والثلث الأخير من الملعب، متسلحا بإبداع إليخاندرو غوميز وحدة إيليشيش أمام المرمى، بمعاونة من زاباتا والبديل الآخر مالينوفسكي، اللذين أرهقا دفاع فالنسيا، ليفعل السفاح السلوفيني ما يحلو له في الحارس المغلوب على أمره ياسبر سيليسين، لينضم فالنسيا الى قائمة ضحايا أتالانتا، باستقبال ثمانية أهداف في 180 دقيقة، كما تغلبوا على أودينيزي 7-1 وعلى ميلان 5-0 وعلى تورينو 7-2، لكن نقطة الضعف الوحيدة في هذه المشروع، تبقى في سهولة الوصول لشباك ماركو سبورتيلو، ومع ذهاب الفريق بعيدا في البطولة، حتما سيزداد مستوى المنافسة، والحديث عن فرق مثل أتلتيكو مدريد وبايرن ميونيخ، التي لا تعطي خصومها رفاهية المساحات الكبيرة، وهذا سيكون الاختبار الحقيقي لغاسبريني ومشروعه الطموح مع أتالانتا، إلا إذا تسبب كورونا في إلغاء المسابقة بعد التطورات الأخيرة المفزعة.