لماذا سيعود راشفورد مع برشلونة أقوى من أي وقت مضى؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»:
«برشلونة نادي الأحلام، وجئت إلى هنا للمنافسة على الألقاب الكبرى، ومنها التطلع للفوز بدوري أبطال أوروبا، لقد رأيتم الفريق الموسم الماضي، لديهم فريق شاب طموح وأريد إضافة صفاتي وشخصيتي وتحسين الفريق ومساعدتهم على الفوز، يبدو الأمر وكأنني في منزلي. أشعر أنني اتخذت القرار الصحيح. أنا متحمس للذهاب ويتملكني الشغف للعب المباراة الأولى أمام الجماهير»، بهذه الكلمات النابعة من أعماق قلبه، عبر المهاجم الدولي الإنكليزي ماركوس راشفورد، عن سعادته الغامرة بإتمام صفقة انتقاله من مانشستر يونايتد إلى برشلونة، بصيغة الإعارة لمدة موسم، مع احتفاظ العملاق الكتالوني بحق الشراء بعقد دائم، مقابل حوالي 30 مليون جنيه إسترليني قبل انتهاء مدة الإعارة، في ما اعتبرها الكثير من النقاد والمتابعين، واحدة من أغرب الصفقات في هذا المستوى التنافسي في عالم كرة القدم، بسبب ردود الأفعال الساخرة في مواقع التواصل الاجتماعي وما تُعرف بلغة جيل «الآيفون» و«تيك توك» بـ«الكوميكس» التهكمية، التي كانت تتعامل مع أنباء ارتباط اسم راشفورد بالبارسا، على أنها مزحة أو نكتة صيف 2025، لصعوبة تصديق القصة برمتها، لا سيما بعد ارتفاع سقف طموح الجماهير الكتالونية، باستهداف أسماء ومواهب بحجم بطل اليورو ونجم أتلتيك بلباو نيكو ويليامز، باعتباره الخيار الأول لتدعيم القوة الضاربة للمدرب الألماني هانزي فليك، وبدرجة أقل الجناح الكولومبي الفوضوي لويس دياز، نجم بطل البريميرليغ ليفربول، قبل أن تتفاجأ جماهير البلوغرانا، بتحول المزحة الصيفية إلى حقيقة صادمة، على الأقل بالنسبة للفئة التي تنتظر صفقة من العيار الثقيل في مركز الجناح الأيسر المهاجم بعد تراجع ويليامز عن فكرة الخروج من «أنويتا» في المرحلة القادمة، لكن في المقابل، يرفض البعض إطلاق الأحكام المسبقة على الوافد الجديد، بدون استبعاد سيناريو عودته إلى الحياة مرة أخرى في قلعة «كامب نو»، أو على أقل تقدير لن يكون عبئا على الفريق كما يتم تصويره من المعارضين للفكرة والصفقة، والسؤال الذي يراود الجميع في الأيام والساعات القليلة الماضية هو: لماذا وقع اختيار برشلونة على منبوذ الشياطين الحمر؟ وهل ينجح اللاعب في استغلال فرصة العمر ليعيد إحياء مسيرته الاحترافية قبل فوات الأوان؟ هذا ما سنناقشه معا في موضوعنا الأسبوعي.

ليست الأولى

باستعراض ميركاتو برشلونة في السنوات الماضية، سنلاحظ أنه بالكاد يخلو من الصفقات الغريبة التي يصعب تصديقها من الوهلة الأولى، والحديث عن أسماء البعض منا لا يتذكرها، من نوعية المهاجم الدنماركي مارتن بريثويت، الذي تعاقد معه النادي في فبراير/شباط 2020، كصفقة طوارئ بعد انتهاء موسم الزجاجي في ذلك التوقيت عثمان ديمبيلي، وبسبب قواعد الدوري الإسباني، التي اشترطت أن يكون البديل الإستراتيجي لديمبيلي، إما أن يكون لاعبا حرا وإما محترفا في الدوري الإسباني، أُجبرت الإدارة على المفاضلة بين قائمة محدودة من اللاعبين، مثل أنخيل رودريغز لاعب خيتافي، والأوروغواني كريستيان ستيواني مهاجم جيرونا، والبرازيلي ويليان خوسيه لاعب ريال سوسييداد، والفرنسي كيفن غاميرو مهاجم فالنسيا، لكن في الأخير وقع الاختيار على لاعب ميدلسبره السابق، الذي سجل ثمانية أهداف فقط في 27 مباراة بعد انضمامه الدائم إلى ليغانيس المهدد بالهبوط في الصيف السابق، والأكثر دهشة، أن إدارة الرئيس السابق جوسيب ماريا بارتوميو، اضطرت لدفع 18 مليون يورو لتفعيل البند الخاص بفسخ عقده مع ناديه، وكما كان متوقعا، اكتفى المهاجم الاسكندينافي بتسجيل 10 أهداف فقط من مشاركته في 58 مباراة في مختلف المسابقات، أغلبها من على مقاعد البدلاء، وبناء عليه اضطر النادي لفسخ عقده في صيفية 2022. وسبقه المدافع البلجيكي توماس فيرمالين، الذي قضى جُل وقته مع مدفعجية آرسنال في صراعه مع لعنة الإصابات، مع ذلك راهن البارسا، بالتوقيع معه مقابل 19 مليون يورو، لكنه لم يسلم من صداع الإصابات، التي عجلت بإرساله إلى روما الإيطالي على سبيل الإعارة، وحتى بعد عودته في الموسم التالي، اكتفى بالظهور في 14 مباراة فقط، وهو نفس المبلغ الذي أنفقه برشلونة من أجل الحصول على توقيع المدفعجي الآخر أليكس سونغ، الذي بدوره اكتفى بخطف الأضواء خارج المستطيل الأخضر، بملابسه وتصفيفات شعره العجيبة، أما داخل الملعب، فلم يلعب سوى 39 مباراة على مدار عامين بدون أن يترك بصمة واضحة، ليتم التخلص منه بإعارته إلى وستهام، ناهيك عن صاحب التجربة التعيسة مع الكتالان، البرازيلي مالكوم، الذي كان قريبا من الانضمام إلى روما، بيد أن المكالمة التي تلقاها من أحد مسؤولي برشلونة غيرت مساره إلى الدوري الإسباني، وفي الأخير، فشل فشلا ذريعا في تقديم أية إضافة خلال الموسم الوحيد الذي قضاه مع ليونيل ميسي ورفاقه في فترة المدرب ارنستو فالفيردي، وغيرها من الصفقات التي خيبت آمال عشاق الكيان في كل أرجاء المعمورة، ما يعني ببساطة عزيزي القارئ، أنها ليست المرة الأولى التي يغامر فيها برشلونة بهكذا صفقات أقل ما يُقال عنها «محيرة»، أو بعبارة أخرى أكثر صراحة، لن تكون الصفقة الأسوأ في تاريخ النادي، حتى لو صدقت توقعات فشله في موسم الإعارة، نظرا للأرقام المتواضعة التي ستتحملها خزينة البارسا، شاملة النسبة التي تنازل عنها اللاعب في راتبه السنوي من أجل تحقيق حلم طفولته، بارتداء قميص بطل الثلاثية الإسبانية الموسم الماضي، ولو أن المؤشرات أو ما يمكن وصفها بـ«العلامات السابقة»، تصب في مصلحة صاحب الـ27 عاما، استنادا إلى النسخة المبشرة نوعا ما، التي كان عليها في فترة إعارته الأخيرة مع أستون فيلا، التي ختمها بتسجيل 4 أهداف من مشاركته في 17 مباراة، كبداية للعودة إلى الطريق الصحيح، وفي رواية أخرى «نقطة الضوء الواضحة في نهاية النفق»، مقارنة بالحالة المأساوية التي وصل إليها في أيامه الأخيرة في نادي الطفولة ومسقط رأسه مانشستر يونايتد، والتي وصلت لحد مصارحته من قبل المدرب البرتغالي روبن أموريم، بأنه لن يلمس الكرة أبدا طالما استمر في «أولد ترافورد»، وحدث ذلك بعد مرور شهر على تولي المدرب الشاب الدفة الفنية، خلفا للمدرب المؤقت في ذلك التوقيت رود فان نيستلروي بعد طرد الهولندي الآخر إيريك تين هاغ في منتصف الموسم، والدليل على ذلك، أن تجربته مع الفيلانس، كانت سببا في عودته مرة أخرى إلى صفوف منتخب بلاده مع وصول المدرب الألماني توماس توخيل، والآن تضاعفت فرصه أكثر من أي وقت مضى في المشاركة مع الأسود الثلاثة في مونديال 2026.

تفاحة فاسدة

بالعودة إلى الوراء قرابة العقد من الزمن، وتحديدا في أواخر فبراير/شباط 2016، سنتذكر بداية راشفورد مع الفريق الأول للمان يونايتد، بقرار صائب من قبل المدرب الأسبق لويس فان خال، الذي التقط موهبة ماركوس قبل أن يحتفل بعيد ميلاده الـ18 على هذا الكوكب، حين ضمه إلى قائمة الـ18 لاعبا لمباراة إياب دور الـ32 من بطولة الدوري الأوروبي ضد ميتيلاند الدنماركي، لتعويض غياب الفرنسي أنتوني مارسيال، بعد الانتكاسة التي تعرض لها أثناء إجراء الإحماء، وحسنا فعل الفتى المراهق آنذاك، بتوقيعه على هدفين من أصل خمسة أهداف فاز بها فريقه على ضيفه الاسكندينافي، وتبعها بأيام تعد على أصابع اليد الواحدة بقيادة الفريق للفوز على آرسنال بنتيجة 3-2، في واحدة من الليالي العالقة في أذهان عشاق الشياطين الحمر، التي خرج منها ابن النادي بهدفين بالإضافة إلى تمريرة حاسمة، تاركا عروضه السينمائية وأرقامه القياسية تتحدث عنه في أول نصف موسم مع الفريق الأول، الذي ختمه بهز شباك الخصوم 8 مرات من مشاركته في 18 مباراة، بخلاف مساهمته في حصول الفريق على لقب كأس الاتحاد الإنكليزي رقم 12 في تاريخه، في فترة كان يعاني فيها للتنسيق بين دراسته في عامه الأخير في المدرسة الثانوية وبين تلبية دعوة الفريق الأول وبدرجة أقل زملاء الأمس في فريق الشباب، وهو ما ساهم في التحول الجذري في مشواره الاحترافي، من شاب مجهول في شباب المان يونايتد، إلى واحد من نجوم الشباك في «مسرح الأحلام» في الفترة بين أواخر شهر عيد الحب حتى بداية يونيو/حزيران 2016، ومع الوقت، رسم لنفسه صورة مشروع الأسطورة الذي سيقود النادي في المستقبل غير البعيد للعودة إلى سابق عهده، أو كما يقولون في الجزء الأحمر لعاصمة الشمال «مكانته العظيمة التي كان عليها تحت قيادة العراّب الاسكتلندي السير أليكس فيرغسون»، وبلغت الثقة المتبادلة بين ماركوس وعشاق النادي ذروتها، بعد نجاحه في تسجيل 30 هدفا في نهاية موسم 2022-2023، كأول لاعب ينجح في الوصول إلى هذا المعدل التهديفي منذ «روبن هود» روبن فان بيرسي بعد قدومه من آرسنال في بداية العقد الماضي، وآنذاك قال رسالته الشهيرة للنادي وجماهيره: «بصفتي مشجعا ليونايتد طوال حياتي، أعرف المسؤولية التي تأتي مع تمثيل هذا الشعار، وأشعر بالنجاحات والإخفاقات مثل أي شخص آخر، أؤكد لكم أنني سأبذل قصارى جهدي لمساعدة الفريق على الوصول إلى المستوى الذي نحن قادرون عليه»، وذلك في تعليقه على المكافأة الضخمة التي تحصل عليها في نهاية الموسم، برفع راتبه إلى 325 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع.

لكن ما حدث بعد ذلك، فاق كل التوقعات، فبدلا من أن يبدأ من حيث انتهى في موسم توهجه الذي قاد فيه الفريق للفوز بكأس كاراباو والحصول على المركز الثالث في ترتيب أندية الدوري الممتاز، أخذت مسيرته منحى آخر، باختفاء مريب في أوقات حاجة الفريق لخدماته، مع اتهامات متزايدة بالانفصال عن أصدقائه في غرفة خلع الملابس، ربما لأسباب تتعلق بضعف شخصيته وعدم قدرته على تحمل الضغوط الإعلامية والجماهيرية بعد ارتفاع حجم ومستوى التوقعات منه في وضعه الجديد، كواحد من قادة الفريق في حقبة المدرب إيريك تين هاغ، وربما لما كان يتردد على نطاق واسع، لتأثر مستواه ومعدلاته البدنية واهتمامه بكرة القدم بوجه عام، باهتمامه بدوره الاجتماعي خارج المستطيل الأخضر، كواحد من المؤثرين في الجمعيات الخيرية الخاصة بالأطفال الفقراء في المملكة المتحدة، والمثير للدهشة والاستغراب، أن هذه الفترة الصعبة بدأت بعد الدعوى القضائية التي حركها النجم الإنكليزي الشهير على واحد من طلاب جامعة الزقازيق المقيمين في مركز أبو حماد في محافظة الشرقية المصرية، موجها تهمة السب والقذف للطالب في إحدى التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، مع مطالبة بتعويض مبدئي لجيش من المحامين (10 محاميين) يُقدر بنحو 15 ألف جنيه مصري، لينتهي به المطاف في الموسم التالي 2023-2024، بتسجيل ما مجموعه 8 أهداف فقط من مشاركته في 43 مباراة في مختلف المسابقات، الأمر الذي تسبب في خروجه من حسابات مدرب المنتخب الإنكليزي السابق غاريث ساوثغيت في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2024، ومع استمرار وضعه المأساوي كما هو عليه، اضطر النادي لإرساله إلى أستون فيلا على سبيل الإعارة في الميركاتو الشتوي الأخير، ورغم نجاحه في إظهار بعض الومضات المبشرة تحت قيادة أوناي إيمري في «فيلا بارك»، إلا أن إدارة أبطال أوروبا في الثمانينات، رفضت التوقيع معه بعقد دائم، وهو ما فعله النادي الكتالوني، الذي اشترط تمرير الصفقة بصيغة الإعارة، على أن يتخذ قراره النهائي بشأن تفعيل بند الشراء الدائم، بناء على ما سيقدمه اللاعب مع المدرب الألماني هانزي فليك، وبالنسبة لإدارة اليونايتد، التي لديها اعتقاد راسخ، بأن أيام راشفورد قد ولت بالفعل وهو في السابعة والعشرين من عمره، فيمكن القول، إنها اضطرت للموافقة على شروط البارسا، منها تخلصت من راتبه الضخم، ومنها ستعيش على أمل أن يظهر بنسخة جيدة مع بطل الليغا، لربما ينجح في إقناع الرئيس جوان لابورتا بضمه بصفة نهائية مقابل 30 مليون جنيه إسترليني، أما صاحب الشأن، فكما أقر بنفسه، هي «صفقة الأحلام الحقيقية»، باعتبارها الفرصة الأخيرة في مشواره الاحترافي، لاستعادة سمعته ومكانته في سوق نجوم الصف الأول في عالم الساحرة المستديرة، أو كما كان يُصنفه زميل الأمس كاسيميرو، كواحد من أفضل 5 لاعبين في العالم حتى عامين ماضيين، قائلا في مقابلة موثقة مع شبكة «إي إس بي إن» الأمريكية: «في رأيي، وبالنظر إلى اللاعب خارج الملعب، يُمكنني أن أقول لكم إنه إذا كان في حالة جيدة، يُمكن أن يكون من بين أفضل خمسة لاعبين في العالم»، حتى مدربه السابق تين هاغ، كان يعتقد أن مهاجمه الإنكليزي من القلائل الذين يملكون من الجودة والموهبة ما يكفي لتسجيل 40 هدفا أو أكثر في الموسم الواحد، لكن على أرض الواقع، لم يظهر اللاعب لا الرغبة ولا الجدية اللازمة لمنافسة محمد صلاح والمنافسين الدائمين على جائزة «الحذاء الذهبي» لأفضل هداف في الدوريات الأوروبية الكبرى، على الأقل حتى وقت كتابة هذه الكلمات.

الرهان والجحيم

لا يخفى على أصغر مشجع كتالوني قبل خبراء النقد والتحليل في «موندو ديبورتيفو» و«سبورت» وباقي المنصات المقربة من النادي، أن الهدف الرئيسي بالنسبة لمشروع فليك هذا الصيف، كان الجناح الأيسر المهاجم الإسباني نيكو ويليامز، وكما أشرنا أعلاه، كان جناح ليفربول لويس دياز، بمثابة الخطة البديلة لتحسين جودة الفريق في هذا المركز الحيوي والمهم في إستراتيجية المدرب الهجومية، لكن ما حدث، أن البارسا استقر على الهدف الثالث، من خلال استعارة راشفورد لمدة موسم مع إمكانية التوقيع معه بصفة دائمة مع حلول فصل الصيف القادم، ومن الواضح، أن الإدارة راهنت على شخصية المدرب فليك، وسجله المضيء في التعامل مع النجوم المحطمة نفسيا ومعنويا، على غرار ما فعله العديد من نجوم بايرن ميونيخ، في فترة قيادته للفريق بين عامي 2019 و2021، منهم على سبيل المثال لا الحصر، سيرجي غنابري وتوماس مولر وألفونسو ديفز وأسماء أخرى، ظهرت في أفضل مستوياتها على الإطلاق تحت قيادة فليك، بمن فيهم نسخة روبرت ليفاندوسكي، التي حُرمت من جائزة «الكرة الذهبية» (البالون دور) كأفضل لاعب في العالم من مجلة «فرانس فوتبول»، بسبب قيود جائحة كورونا في 2020، حتى فيليب كوتينيو، الذي تراجع مستواه على مدار 18 شهرا مع البلوغرانا، دبت فيه الحياة مرة أخرى بمجرد تولي فليك الدفة الفنية للزعيم البافاري خلفا للمدرب نيكو كوفاتش، وعلى مرأى ومسمع الجميع، نجح في تكرار نفس السيناريو في موسمه الأول مع برشلونة، متقمصا دور البطولة المطلقة في انتشال العديد من اللاعبين من براثن الضياع، في مقدمتهم منبوذ الأمس والمرشح اليوم للفوز بـ«البالون دور» البرازيلي رافينيا، المعروف أنه كان على أعتاب الطرد التعسفي من إدارة البارسا، بعد فشله في التعبير عن نفسه على مدار موسمين بين جدران «كامب نو»، ثم فجأة وبدون سابق إنذار، تحول إلى واحد من أبطال موسم الثلاثية المحلية «الدوري وكأس الملك والسوبر الإسبانية»، ونفس الأمر مع لاعب الوسط الهولندي فرينكي دي يونغ، الذي حاول النادي التخلص منه أكثر من مرة، لكن مع فليك، تبدلت أوضاعه من النقيض إلى النقيض، من لاعب غير محبوب للمشجعين، إلى قطعة لا غنى عنها في التشكيل الأساسي، وهذا في حد ذاته، ساهم في إنعاش القيمة السوقية للاعبين، بعد وصول قيمتهما السوقية إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق في مثل هذه الأيام من العام الماضي، ولنا أن نتخيل لو تلقى برشلونة عقدا بقيمة 100 مليون يورو نظير التخلي عن رافينيا هذا الصيف، هل تعتقد عزيزي مشجع برشلونة أن الإدارة ستوافق على العرض؟ قولا واحد لن تنظر حتى في العرض، في حين كان من الممكن أن تقبل بأقل من نصفه قبل وصول فليك في محطة القطار لتوقيع عقد ارتباطه بالبلوغرانا، لذا لن تكون مفاجأة، إذا نجح العبقري الألماني في إعادة راشفورد إلى أيامه الخوالي داخل المستطيل الأخضر، وربما يُخرج منه أفضل ما لديه، شريطة أن يسير على قاموس فليك، الذي يرتكز في الأساس على المعنى الحرفي للانضباط والالتزام والتضحية بكل قطرة عرق سواء في التدريبات أو المباريات الودية أو الرسمية.
وبطبيعة الحال، إذا تخلص من مشاكله القديمة والشكوك المستمرة حول التزامه وعقليته الاحترافية، من خلال استعادة أعلى معدلاته البدنية ولمسته الفنية الخاصة في الثلث الأخير من الملعب، فبنسبة كبيرة، سيعطي الثلث الأخير من الملعب ما وصفه ريو فيرديناند في تحليله عبر قناته على منصة «يوتيوب» بـ«الشيء المختلف» للهجوم البرشلوني، بالأحرى إعطاء إضافة مختلفة عن الخيال العلمي الذي يقدمه الساحر الصغير لامين يامال، وانطلاقات رافينيا العنترية خلف ظهر المدافعين، وحدة روبرت ليفاندوسكي داخل مربع العمليات، وهذا في الغالب، سيحتاج توظيف الوافد الجديد في مركز الجناح الأيسر المهاجم، مع الاعتماد على سرعته المعروفة عنه في التحولات الخاطفة من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، وهذا سيتوقف على مدى تركيز ماركوس لاستعادة ثقته بنفسه وقدرته على المراوغة في موقف لاعب ضد لاعب أو اثنين في آخر 30 مترا من الملعب في جهته اليسرى المفضلة، وفي بعض الأوقات، سيكون حلا في مركز المهاجم رقم (9)، أو مهاجم وهمي رقم (9.5)، كبديل طوارئ للجلاد روبرت ليفاندوسكي، وفي نفس الوقت منافسا لداني أولمو، المحتمل أن يكون الخاسر الأكبر من وصول راشفورد إلى «كامب نو»، بعد إخفاقه في تقديم أفضل ما لديه في موسمه الأول، تارة لمعاناته مع أزمة الإصابات، وتارة أخرى لتأخر انسجامه مع رفاقه الجدد، وتأثر تركيزه بأزمة تثبيت قيده في القائمة، على خلفية نزاع الإدارة مع رابطة الليغا في ما يخص الفجوة بين أجور اللاعبين وعوائد وأرباح النادي، الشاهد أن برشلونة، استعان بمهاجم يملك من الموهبة والجودة واللمسة الإبداعية ما يكفي لتعزيز خيارات المدرب في الثلث الأخير من الملعب، بدون أن ننسى دوره المحوري، بتخفيف الضغط والمراقبة على يامال ورافينيا، بتحركاته وانطلاقاته العنترية، التي ستخلق المساحات التي يحتاجها بيدري ويامال والبقية للتلاعب بدفاعات الخصوم، نتحدث عن لاعب جوكر يُجيد اللعب في كل مراكز الهجوم، لكنه يعاني من مشاكل نفسية في آخر عامين، شأنه شأن باقي رفقاء الأمس، الذين تنفسوا الصعداء بعد هروبهم من جحيم مقاعد بدلاء «أولد ترافورد»، أو ما تُعرف بالبيئة السامة داخل النادي، أبرزهم القلب الشجاع سكوت مكتوميني، الذي لم يحظ بالمعاملة ولا التقدير الذي يستحقه داخل الفريق، وبعد انتقاله إلى نابولي الإيطالي، تحول إلى بطل قومي بالنسبة لأصحاب «دييغو أرماندو مارادونا»، بعد دوره الكبير في حصول الفريق على لقب الكالتشيو للمرة الرابعة في تاريخه، والذي تكلل بتتويجه بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإيطالي الموسم الماضي، وبالمثل، عاد البرازيلي أنتوني، إلى الحياة بعد انتقاله إلى ريال بيتيس في الشتاء الماضي، هو الآخر ترك بصمة لن تمحى من ذاكرة الجمهور الأندلسي، بفضل مساهمته في وصول الفريق إلى المباراة النهائية لبطولة المؤتمر الأوروبي، ونجاحه في تسجيل 9 أهداف بالإضافة إلى صناعة 5 أهداف من مشاركته في 26 مباراة، مقابل 12 هدفا من مشاركته في 96 مباراة بالقميص الأحمر، وأسماء أخرى أعادت إحياء مسيرتها بصورة فاقت كل التوقعات بمجرد خروجها من الفريق، فهل يا ترى سيكون راشفورد أحدث المنضمين لقائمة المحظوظين بعد الهروب من معقل الشياطين الحمر؟ دعونا ننتظر لنرى كيف سيتعامل مع الفرصة الفارقة في مسيرته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية