لماذا سيفشل برشلونة في إعادة نيمار؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: تصدر النجم البرازيلي نيمار جونيور، عناوين الصحف والمواقع الرياضية في الأيام القليلة الماضية، وهذه المرة ليس بداعي الانتكاسة التي ألمت به بعد جولة الاستعداد للموسم الجديد، بل لتجدد موسم الاشاعات حول مستقبله مع ناديه باريس سان جيرمان، وذلك استنادا إلى انفراد صحيفة «ليكيب»، التي علمت من مصادرها، أن والد الميغا ستار، أبلغ رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي، برغبة نجله في الرحيل عن «حديقة الأمراء» هذا الصيف، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لإحياء فكرة عودته إلى ناديه السابق برشلونة، ليعوض رحيل الجناح الفرنسي عثمان ديمبيلي بعد موافقته على العودة إلى الليغ1 مرة أخرى عبر بوابة «حديقة الأمراء».

رومانسية افتراضية

نقرأ على رأس الساعة في «موندو ديبورتيفو» و«سبورت» وباقي المنصات الكتالونية المقربة من الرئيس جوان لابورتا، أن الابن العاق يرغب في العودة إلى «كامب نو» في الموسم الجديد، ليستعيد أمجاد الماضي وسنوات ذروته في معقل البلوغرانا، التي شهدت أسعد لحظات في مسيرته الاحترافية، بذكريات الصورة البراقة التي رسمها لنفسه في فترة ما بعد التتويج بدوري الأبطال مع النادي في العام 2015، والتي كانت ترتكز على فكرة أنه أقوى وأحق وريث لعرش الثنائي الخارق ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، لا سيما بعد تمرسه على التواجد في القائمة المختصرة لأفضل لاعب في العالم، بتواجده على مرتين في المركز الثالث خلف البرغوث وصاروخ ماديرا، هذا بخلاف أرشيفه الذهبي في «كامب نو»، بهز الشباك المنافسين في أكثر من 100 مناسبة، والمساهمة في تتويج الفريق بسبعة ألقاب خلال أربع سنوات، وغيرها من الرومانسية التي يركز عليها الإعلام الكتالوني، على أمل أن تكون مفتاح عودته بعد فراق دام ست سنوات، لكن على أرض الواقع، سنجد أن وضع نيمار الحالي، لا يختلف كثيرا عن البروبغاندا، التي أثيرت قبل شهرين عن عودة الملك ليونيل ميسي، بعد إعلان انفصاله عن «بي إس جي»، وفي الأخير استيقظ عشاق النادي على الحقيقة الموجعة، برؤيته ينثر سحره وإبداعه مع إنتر ميامي في الدوري الأمريكي، وذلك كما يعرف الصغير قبل كبار المحللين والخبراء في المدينة، لعدم قدرة الخزينة على تحمل راتب الهداف التاريخي، بعد تبدل أوضاع العلامة التجارية لبرشلونة، من قوة اقتصادية جبارة في السوق، وبنفوذ تسويقي لا يُصدق لاستقطاب أغلى وأفضل اللاعبين في أوروبا وأمريكا الجنوبية، إلى مؤسسة تعيش على أطلال الماضي السعيد، بما يمكن وصفه بـ«وهن اقتصادي»، الناتج عن التراكمات القديمة، التي تسببت بشكل أو بآخر في وصول ديون المؤسسة إلى أرقام غير مسبوقة، وأجبرت كذلك لابورتا على التفكير خارج الصندوق، من خلال الروافع الاقتصادية، لمساعدة الإدارة في إنفاق أكثر من 100 مليون يورو الصيف الماضي، لشراء روبرت ليفاندوسكي ورافينيا وباقي الصفقات التي قدمت يد العون للمدرب تشافي هيرنانديز لاستعادة لقب الليغا، والأكثر قسوة وربما لم يخطر على بال أي مشجع برشلوني قبل عقد من الزمان، أن يأتي اليوم الذي يواجه فيه النادي مشاكل لا يُستهان بها لتقييد الصفقات الجديدة في القائمة، بسبب الالتزام ببيع لاعبين آخرين لتقليل فاتورة الأجور، ناهيك عن القرارات الأخرى المحرجة التي اضطر لابورتا لاتخاذها لتوفير اليوروهات هذا الصيف، آخرها غلق القناة لتوفير أقل من عشرة ملايين بعملة القارة العجوز، فهل تعتقد عزيزي القارئ أنهم قادرون على تلبية رغبات باريس سان جيرمان المادية نظير التخلي عن النجم المدلل؟ والسؤال الآخر هل ستتحمل الخزينة راتب نيمار الحالي مع ناديه والذي يُقدر بنحو 30 مليون سنويا؟

مقامرة بالملايين

كما أشرنا أعلاه، واحدة من أهم الأشياء التي جعلت النادي الباريسي يدفع 222 مليون يورو، لإطلاق سراح الساحر من الإقليم الكتالوني، تلك النسخة الساحرة التي يخطف بها القلوب والأعين، والدليل على ذلك مقاطعه المليونية على منصة «يوتيوب» لإبداعاته ولحظاته الخارقة بالقميص الكتالوني، على غرار عبقريته في ليلة الريمونتادا العظيمة أمام ناديه الحالي، لكن بنظرة عابرة على ما حدث بعد ذلك، سنلاحظ أن الأمور لم تجر كما كان يخطط لها في العام 2017، أو بعبارة أكثر صراحة، مسيرته أخذت منحنى هبوطي، بتحوله من ذاك الراقص المخيف لأعتى المدافعين في أوروبا والعالم، إلى مادة دسمة للأخبار والطاقة السلبية، وكلمة السر تكمن في تكرر إصاباته في نفس التوقيت كل عام، بالتحديد مع اقتراب يوم عيد الحب في فبراير/ شباط، الذي يتزامن مع احتفال شقيقته بعيد ميلادها، هذا في الوقت الذي تحطمت فيه طموحاته الشخصية، بتآكل شعبيته وحصته التسويقية مع توحش اسم كيليان مبابي وعلامته التجارية، بجانب الأسماء الثقيلة التي استعان بها النادي في السنوات الماضية لحل عقدة دوري أبطال أوروبا، مثل زميل الأمس ليونيل ميسي والعدو القديم في مباريات الكلاسيكو سيرخيو راموس وأشرف حكيمي وباقي من يُعرفون بفريق الأحلام، وذلك بعدما كان في اعتقاده أنه سيكون النجم الأول والمدلل في عاصمة الضوء، أو كما كان يُقال عن نطاق واسع، أنه تعمد الهروب من برشلونة، للخروج من عباءة معبود جماهير البارسا الأوحد ميسي، ريثما يحقق أحلامه وطموحاته على المستوى الشخصي بعيدا عن الهالة الإعلامية الضخمة على البرغوث، لكن ظل القاسم المشترك سواء قبل وصول الصفقات الرنانة أو بعدها، هو إخفاق أغلى لاعب في العالم في تحقيق الطموحات والتوقعات التي كانت منتظرة منه بعد قدومه من الليغا، والأمر لا يتعلق بالفشل في تحقيق الهدف الرئيسي وهو جلب الكأس ذات الأذنين، ولا حتى بالنجاحات المحلية الخجولة في السنوات القليلة الماضية، بل للتغير المريب في شخصيته وعقليته خارج الملعب، كشخص ثري يستمد قوته من الحفلات الصاخبة وسهرات منتصف الليل، وغيرها من الأشياء السلبية، التي أضرت بسمعته ونجوميته في عالم الساحرة المستديرة، بوضعه في إطار أو صورة اللاعب الموهوب، لكنه كثير الإصابات.
وعلى سيرة الإصابات، سيكون من الصعب أن يقع البارسا في نفس الخطأ القديم، بتخصيص مئات الملايين من اليوروهات لشراء صفقات زجاجية، مثل الاستعجال في ضم ديمبيلي من بوروسيا دورتموند مقابل رسوم فلكية، تخطت حاجز الـ105 ملايين يورو في العام 2017، وفي الأخير، جعل النادي يعض أصابع الندم على التفكير في شرائه، بإدمانه لعنة الإصابات في أغلب رحلاته مع الفريق، باستثناء الموسم الماضي، الذي غاب فيه لمدة ثلاثة أشهر فقط، وبالمثل قامر الرئيس السابق جوسيب ماريا بارتوميو، بدفع ما يزيد على 150 مليون يورو لليفربول من أجل الحصول على توقيع فيليب كوتينيو في سوق الانتقالات الشتوية عام 2018، وبعد فترة وجيزة، تحول إلى صداع ولاعب فائض عن الحاجة، شأنه شأن الأنيق أنطوان غريزمان، الذي كبد الخزينة ما يزيد على 120 مليون بنفس العملة، على أمل أن ينجح في تكوين شراكة من زمن آخر برفقة ليونيل ميسي، لكنه فشل في تقديم أي إضافة ملموسة في الخط الأمامي، ليضطر لابورتا لإعادته إلى ناديه السابق أتلتيكو مدريد بثمن بخس، لتوفير راتبه السنوي الضخم، وهذا من الناحية الاقتصادية، جعل النادي يهدر ما مجموعه 300 مليون يورو في الهواء، وذلك بعد احتساب الـ50 مليونا، التي سيدفعها باريس سان جيرمان لتفعيل بند فسخ عقد ديمبيلي، وأضف إلى ما سبق، الرعونة في الإنفاق على مستوى الصفقات المستقبلية، مثل شراء فرينكي دي يونغ من أياكس أمستردام مقابل 75 مليون يورو قبل 4 سنوات، وغيرها من القرارات الإدارية المتهورة في ما يخص رواتب النجوم والكبار في السن، على إثرها اكتسب برشلونة سمعة سيئة، بالنظر إليه على أنه نادي «الصفقات الإعلامية»، أة بالأحرى يكتفي بالضجيج حول الصفقات المدوية، وفي الأخير يكتفي بمشاهدة أهدافه تنتقل إلى أماكن أخرى، كما حدث في الوعود الكبيرة حول إعادة ميسي، وسبقه قصص وروايات عن إيرلنغ براوت هالاند وكيليان مبابي وسفيان أمرابط وقائمة عريضة من الصفقات التي لن تتم أبدا بسبب الوضع الاقتصادي الحرج، إلا إذا توصل الرئيس المحامي إلى مناورة مالية جديدة، حتى يتمكن من تقديم التضحيات المادية اللازمة لإعادة الابن العاق إلى بيته القديم، أو تحدث معجزة من السماء، أن يبادر نيمار بالتنازل عن جزء كبير من راتبه الحالي، لكن حتى هذه اللحظة لا توجد مؤشرات لا على استعداد برشلونة للدخول في هذه المغامرة أو تهاون النادي الباريسي في شروطه المادي ولا حتى من صاحب الشأن.

موارد ضعيفة وإغراءات

صحيح أن البارسا ليس في أفضل أحواله الاقتصادية، لكن يُحسب للإدارة الحالية تعاملها السلس مع القيود المالية المفروضة على النادي من قبل رابطة الليغا، والأهم الاستفادة من الأموال وموارد الدخل المحدودة، وهذا تجلى في تراجعهم عن خطة إعادة ميسي، خوفا من العواقب الوخيمة على مشروع المدرب تشافي هيرنانديز، ما يعكس التغيير الجذري في طريقة إدارة أموال المؤسسة، وبالنسبة للبعض الآخر، دليل على تعلم لابورتا من أخطاء وكوارث الرئيس السابق بارتوميو، وهذا الأمر من شأنه أن يضع نيمار في موقف لا يُحسد عليه، فضلا عن حالة الانسجام والتفاهم بين لابورتا وتشافي، والقائمة على فكرة الاستثمار في مستقبل الفريق، وذلك بإعطاء الثقة والفرصة لمواهب أكاديمية «لاماسيا»، بدلا من إنفاق الملايين لشراء لاعبين من الخارج، وبشهادة الغريم قبل المشجع، نجح المايسترو في وضع أساس مشروع قوامه الرئيسي من الشباب القادر على إعادة برشلونة إلى وضعه ومكانته العالمية المفقودة، وظهر ذلك في الثنائية المبشرة لغافي وبيدري في وسط الملعب، والتي أعادت إلى الأذهان ثنائي العصر الذهبي تشافي وإنييستا، وأيضا في براعته في إزالة التراب عن الاسكندينافي أندرياس كريستينسن، بعد شراكته المميزة مع أراوخو في قلب الدفاع، والتي خلصت الجماهير من صداع ضعف وهشاشة قلب الدفاع في السنوات الماضية، حتى المنحوس مع الإصابات انسو فاتي، أعاده إلى الحياة مرة أخرى، بالصبر عليه بعد انتهاء معاناته مع الإصابة، ثم منحه الفرصة ليبصم على موسم أقل ما يُقال عنه جيد، بتوقيعه على 10 أهداف، بعدما كان اللاعب قريبا من نسيان كرة القدم، بسبب ابتعاده عن الملاعب لفترات طويلة، ونفس الأمر ينطبق على الهولندي فرينكي دي يونغ، الذي كان يُنظر إليه على أنه واحد من أسوأ صفقات النادي في التاريخ، ثم فجأة استعاد جزءا كبيرا من النسخة الرائعة التي كان عليها مع فريقه السابق أياكس، بتحريره في مركزه المفضل كلاعب وسط رقم 6، وغيرها من الأمور والشواهد، التي تؤكد أن تشافي يؤسس لمشروع جماعي طويل الأجل، بعيدا عن فكرة النجم الأوحد أو النجم اللامع وسط المجموعة، مثل نهج أستاذه بيب غوارديولا مع مانشستر سيتي، مع إعطاء الأولوية للفرص والهدايا المجانية التي لا تفوت، على طريقة إلكاي غندوغان ومارتينيز، ثم التفكير في الصفقات الرخيصة من نوعية أوريلو روميو، الذي جاء من جيرونا مقابل رسوم لم تتخط حاجز الثمانية ملايين يورو، ليحل محل القيدوم سيرجيو بوسكيتس. أما الإنفاق الوحيد شبه الكبير، فكان من نصيب المراهق البرزيلي فيتور روك، المنتظر وصوله في منتصف الموسم، وهي تقريبا نفس الإستراتيجية التي بدأ العمل عليها في ميركاتو 2022، بالتنقيب أولا عن الصفقات المجانية الثمينة، ثم الإنفاق في أضيق الحدود وبأقل مبالغ ممكنة في المراكز التي تحتاج تدعيمات فورية، على طريقة ليفاندوسكي.
لكن شتان الفارق بين وضع ليفاندوسكي، الذي كان يساعد وسطاء لابورتا، بضغوطه الهائلة على ناديه السابق بايرن ميونيخ، وصلت لدرجة اعترافه بشكل علني، بأنه اكتفى بما قدمه للكبير البافاري، ويريد الرحيل قبل عام من نهاية عقده، بدلا من خروجه بموجب قانون بوسمان مع انتهاء عقده في صيف 2022، وبين نيمار الخجول، الذي يصدر والده للرد على هذه الاشاعات، بالتأكيد على فكرة تمسكه بالبقاء مع باريس سان جيرمان حتى نهاية عقده الممتد لمنتصف العام 2025، وهذه المدة المتبقية في عقده، تكفي لتعقيد خروجه من «حديقة الأمراء» بسعر في المتناول، كما حدث مع ليفا، مع الوضع في الاعتبار أن كل ما سبق في كفة، ومنافسة الطامعين في الصفقة في كفة، كيف لا والمنافس المباشر هو الهلال السعودي، وما أدراك ما هو الموج الأزرق، الطامح في صفقة أخرى من الطراز العالمي، ردا على صفعة انتقال كريستيانو رونالدو إلى الغريم العاصمي النصر، وكريم بنزيمة إلى الاتحاد ورياض محرز إلى الأهلي، بعيدا عن حفلة الصفقات الرنانة التي أبرمها الرباعي السعودي الكبير، وبعد إخفاق الكبير الهلال على مرتين في الحصول على هدفه المنشود، بإتمام صفقة تُحدث هزة في كل بقاع الأرض، الأولى حين تمنع ميسي على العرض الملياري، والثانية بتجاهل مبابي لما وُصف بأكبر عرض في تاريخ لاعبي كرة القدم، والآن يتداول على نطاق واسع في المملكة، أن المحاولة الثالثة ستستهدف الميغا ستار البرازيلي، استنادا إلى مصادر محلية، تؤكد أن المسؤولين في عملاق دوري روشن، رصدوا حوالي 200 مليون يورو لإقناعه بارتداء القميص الأزرق الهلالي في الموسم الجديد، وفي نفس الوقت، تضاعف الحديث في المملكة المتحدة عن إمكانية انتقاله إلى تشلسي، لرغبة مالك النادي تود بويلي في التوقيع معه، للاستفادة من شهرته الطاغية في العقود والحملات التجارية في الأمريكيتين، ومن موهبته ونجوميته ليكون عراّب مشروع البلوز، بعد تحطم آمال رجل الأعمال الأمريكي في استقطاب كريستيانو رونالدو بعد تدهور علاقته بمانشستر يونايتد، لاعتراض المدرب الأسبق توماس توخيل على الفكرة، ونعرف جميعا أن المال لا يمثل أي عائق بالنسبة لمالك البلوز الجديد، بعدما صدم أوروبا والبريميرليغ بإنفاق ما يزيد على نصف مليار جنيه إسترليني لشراء لاعبين جدد خلال فترتي انتقالات الموسم الماضي، وفي أقصى غرب الكرة الأرضية، يتحدثون عن منافسة شرسة بين لوس أنجلوس غالاكسي ولوس أنجلوس إف سي لضم نيمار إلى الميجر ليغ، بنفس امتيازات ميسي مع إنتر ميامي، والسؤال الآن: هل سيفوز برشلونة بهذا المزاد العلني؟ أم سيرفع الراية البيضاء حفاظا على الأمان الاقتصادي؟ دعونا ننتظر ما سيحدث.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية