كانت احتفالات الأطفال في المدارس، تعيدنا لوهج الثورة الجزائرية وتبعث فينا النخوة التي بهت بريقها. ونتذكر صنيع الشهداء الأبرار والمجاهدين الأحرار، رغم كل الانتكاسات.
هذا العام لم يشارك التلاميذ هذا الموعد، بسبب الاستفتاء على الدستور وإخلاء القاعات للناخبين. والأطفال يضيفون للإحتفال بهجة، فمعذرة «نوفمبر» إن غابت بعض ألوانك. قبل أيام قليلة فقط على مجيئك تزدحم الآلام والأحزان وتتوالى على الأسر الجزائرية. عذرا فأحلام الشباب ما زالت تركب الأمواج العاتية وقوارب الموت، بل حاويات تقطع المحيطات لتنقل الأخبار المفجعة!
لم يبق لنا سوى أحلام «نوفمبر» التي ترتبط بقطع من أرواحنا وأجسادنا وفي كل بيت ذكرى شهيد أو مجاهد أو فدائي، من ثورة شعبية شكلت رمزا من رموز الكون. فهل سيبقى صوت «صليحة» يدغدغ مشاعرنا وتقشعر له أبداننا. وهل ستبقى الوقائع في ذاكرة الأجيال القادمة؟
واقع مرير أن يتحول الإحتفال الجزائري كغيره من المناسبات إلى حدث عابر، في ظل الضربات التي تتلقاها رؤوس الناس البسطاء من لم يتقاسموا الغنائم ولم يحضروا الولائم، التي تقام هنا وهناك، دون اعتبارات لوباء كورونا.
نعم نحتفل ونتقارب ونرقص في مناسبة «نوفمبر» وغيره دون أقنعة واقية ودون تعقيم الأيدي. لم تترك للجزائري مساحة للفرح، فقد أصبح ظاهرة جد خاصة للخاصة، فما نصيب البسطاء؟
نصيبهم أن تتنافس الأخبار في نقل الآلام والمعاناة لأفراد الشعب. فها هي الأخبار حول كيف تحول حمزة (المولود في 1990) وسيد أحمد صاحب 31 سنة إلى جثث متحللة. وكيف انتهت أحلامهما داخل حاوية في باراغواي برفقة آخرين!
نعم، صورة محزنة للرأي العام، الذي تابع رسائل سيد أحمد الصوتية لوالدته، كما نقلتها قناة «النهار» التي تحدثت إلى السيدة نوال والدته، والتي لم تبق لها سوى صوره وبطاقة تعريف ورخصة سياقة.
وكذلك رسائل صوتية كان يرسلها لها ابنها ليبلغها أولا بأول عما يعيشه من آلام وآمال الرحلة، التي أفضت به إلى الهلاك بطريقة تقشعر لها الأبدان.
لم تكن والدته تريده أن يهاجر، لأن مصيره سيكون الموت لا محالة، وهو الذي كان مصرا على الهجرة بل الهرب برا أو بحرا. هاجر إلى تركيا كنقطة إنطلاق إلى أي بلد أوروبي. رغم المخاطرة التي قام بها الى أن وصل صربيا فانقطعت أخباره إلى أن جاء الخبر الصاعق.
ولم يبق لهذه السيدة المفجوعة سوى مطالبة السلطات إرجاع ما تبقى من جثة ابنها ليدفن في الجزائر كي يعرف له قبر للبكاء عليه.
المصير نفسه لقيه حمزة، الذي نقلت مأساته مختلف منصات التواصل الاجتماعي أيضا ووسائل الإعلام، فنشر موقع «الجزائر دايلي» تفاصيل العثور على جثة شاب من عين الدفلى داخل حاوية. مشى من تركيا إلى صربيا. استطاع ومن معه التسلل إلى حاوية كانوا يعتقدون أنها ستتجه بهم نحو بلد أوروبي مثل فرنسا أو إسبانيا، فلم تحط الباخرة في أي من هذهين البلدين، بل واصلت طريقها إلى باراغواي. حاوية محملة بأسمدة كيماوية، وهم كانوا يعتقدون انها أكياس حبوب. وبسبب طول المسافة حدث لهم اختناق. توفوا جميعا في عمر الزهور وأخرجوا بعد أشهر جثثا متحللة وبقايا عظام!
سارعت القنوات التلفزيونية الخاصة (النهار) إلى منزل حمزة العائلي للتحدث إلى أهله: يحكي الوالد عبد المجيد زوقار ما جرى بثبات وحزن كبيرين يقول إنهم ماتوا مختنقين هو وأربعة مغاربة ومصري وجزائري آخر، أي سيد أحمد. حمزة الذي كان يريد أن يجمع بعض المال ليقوم بمشروع فلاحي في منطقته. لم يتحقق له حلم العودة وحلم الحياة. وها هم أهله يطالبون السلطات بإعادته لدفنه على الطريقة الإسلامية. كما وجه والده نداء للرئيس تبون باسم الجزائر الجديدة أن تعيد له ابنه ليدفن هنا. لكن يبدو أن الأمور ليست بالسهلة، فعليه القيام بتحليل «دي آن إي» يرسل لسفارة الأرجنتين، التي ترسلها بدورها لباراغواي حتى يتم التعرف على بقايا حمزة وسيد أحمد وغيرهم، لاسترجاع عظامهم لتدفن في بلد الشهداء.
لذلك نعتذر من نوفمبر أشد الإعتذار ان لم نستمتع بزينته ونسترجع ذكرياته المجيدة هذا العام.
الآن من يوقف «تسونامي» الفساد الذي أتى على أحلام أجيال وما زال متواصلا؟ يجب أن تفرملهم آلام البسطاء ودموعهم ودماؤهم.
تونسي يبيع كليته
الخبر كان حديث الساعة في الإعلام التونسي ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي. شاب عاطل عن العمل يدخل سوق الإتجار بالأعضاء دون أن يدري، عن طرق الفيسبوك وبواسطته تم اكتشاف شبكة تتاجر بالأعضاء، حيث أعلنت وزارة الداخلية الأربعاء الماضي أن فرقة الأبحاث والتفتيش للحرس الوطني، تمكنت من الكشف عن مجموعة من الأشخاص من جنسيات مختلفة، في ما يتعلق بالإتجار بالبشر.
وقد اعترف شخص له علاقة بالمجموعة ببيعه كليته مقابل مبلغ مالي بعد تحوله إلى بلد أجنبي. كما تم التحري عن هذا الشخص المشتبه في علاقته بهذه المجموعة خاصة بعد ظهور الثراء المفاجئ عليه إثر عودته من الخارج.
وكانت رئيسة الهيئة الوطنية للإتجار بالبشر، روضة العبيدي، قد طالبت بحجز أموال تلقاها شاب ولاية زغوان الذي باع كليته لشخص من الكونغو، إلى حين انتهاء التحقيقات والبت قضائيا في الموضوع.
وكان هذا الشاب قد تواصل مع وسيط مغربي، اقتطع له تذكرة سفر إلى تركيا، حيث قام بتقديم كليته للشخص نظير مبلغ مالي، يضيف موقع «تونس الرقمية».كما أن الشاب التونسي تزوج من قريبة الشخص الكنغولي «زواجا صوريا» لإثبات صلة القرابة مع المستفيد حتى تظهر عملية تبرع بين أفراد العائلة وليست عملية إتجار بالأعضاء، التي يجرمها القانون التركي.
وقالت العبيدي «إنها المرة الأولى، التي يتم الإلتفات فيها لمثل هذه الجرائم، التي وقعت أحداثها خارج أرض الوطن، مشيرة «إلى أن عقد المصاهرة كان الهدف منه تسوية الوضعية القانونية.
اختلفت المعلومات وتضاربت حول المنتفع من كلية الشاب التونسي، فبعض المواقع والصفحات على «فيسبوك» كصفحة «جورنال 24» التي نقلت تصريحات وكيل الجمهورية لدى المحكمة ذكرت أن المنتفع موريتاني وأن الشاب تزوج ابنة الرجل الموريتاني زواجا صوريا. لكن في كل الحالات، يبدو أنه موت وخراب ديار، فقدان كلية وفقدان المقابل المادي لها أيضا.
الفقر كافر كما علق بعض رواد مواقع التواصل الذين لم يستهجنوا الأمر كثيرا بسبب الظروف الصعبة للشاب العاطل عن العمل. فالمزاد مفتوح لبيع أي شيء، ما دام الإنسان يفقد كرامته يوميا في وطنه. فلماذا التعجب من فقدان عضو من الأعضاء. ثم يمكن طرح السؤال على من لاحظوا واكتشفوا الغنى المفاجئ للشاب. ألم يلاحظوا ويكتشفوا وضعه المزري، وفقره المدقع للتدخل ومساعدته قبل أن يقتطع جزءا من لحمه ويعرضه للبيع؟!
كاتبة من الجزائر