لماذا فشلت «الريمونتادا» الجماعية في دوري أبطال أوروبا؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: أهدر برشلونة فرصة لا تعوض، لتخليد «ريمونتادا» أسطورية جديدة على حساب باريس سان جيرمان، في موقعة إياب الدور ثمن النهائي لدوري أبطال أوروبا، التي جمعتهما على ملعب «حديقة الأمراء» مساء الأربعاء الماضي، وانتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لكل منهما، ليودع ليونيل ميسي الكأس ذات الأذنين، في اليوم التالي لمأساة غريمه الأزلي كريستيانو رونالدو، بخروجه هو الآخر من بطولته المفضلة، بعد فشل يوفنتوس في تحقيق النتيجة المطلوبة لتجاوز بورتو في مجموع المباراتين، كأول مرة يغيب فيها الثنائي الفضائي معا عن مواجهات الدور ربع النهائي منذ نسخة 2004-2005.

روائح الزمن الجميل

لا شك أبدا، أن جماهير البارسا لم تكن سعيدة بالنتيجة، التي أطاحت بالفريق خارج البطولة، لكن ردود الأفعال بعد المباراة سواء في وسائل الإعلام المقربة من النادي أو المشجعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كانت إيجابية ومفعمة بما يمكن وصفه «روحا جديدة»، مع عودة الانضباط والاستقرار في غرفة الإدارة، متمثلة في انتخاب مؤسس جيل العظماء خوان لابورتا، رئيسا للنادي، على أمل أن يعيد «روائح الزمن الجميل»، بعد سنوات من المعاناة والتخبط الإداري في عهد آخر رئيسين، ساهمت بشكل أو بآخر في تجريد برشلونة من هويته وأسلوبه المختلف عن باقي فرق الكون، من منظومة كروية كان يُضرب بها المثل في فنون وأصول «التيكي تاكا» والكرة المبهجة لعشاق السحر والجمال بعيدا عن الانتماءات والتشجيع، إلى فريق متهالك يعيش على أطلال الماضي الجميل، مع فشل وعجز إداري في عملية الإحلال والتجديد، بإلقاء الملايين في الهواء، بالتوقيع مع أنصاف نجوم لتعويض أساطير بحجم تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا وباقي أفراد أعظم جيل في تاريخ النادي، فضلا عن الصفقات المكلفة التي لم يشعر بها المشجع العادي، وغيرها من الكوارث، التي أضرت كثيرا بهيبة وشخصية برشلونة في القارة، خاصة بعد الصورة المهينة التي ودع بها الأبطال في آخر ثلاث سنوات.
لكن هذه المرة، كانت هناك طاقة وروح تفاؤلية تسيطر على أغلب المشجعين، رغم الخروج المخيب للآمال على الورق، وهذا يرجع للطفرة الواضحة في أداء الفريق، ليس فقط أمام الفريق الباريسي، بل منذ «ريمونتادا» إشبيلية في إياب نصف نهائي كأس الملك، التي كان لها مفعول السحر، بإظهار ملامح ضوء النجاة من الطريق المظلم، باعتماده على أسلوب 3-5-2 بمشتقاتها، بدلا من اللعب بأربعة في الخط الخلفي، ما ساهم في تحسن المنظومة الدفاعية، مقارنة بالوضعية التي كان عليها الدفاع قبل التحول إلى الرسم التكتيكي الجديد، والأهم من ذلك، لاحظ الجميع، عودة أشياء كانت مفقودة في وسط ملعب البارسا منذ زمن بعيد، مثل تقارب اللاعبين من بعضهم بعضا، ونقل الكرة بسلاسة وسهولة من قدم إلى قدم بشكل عمودي، مع تحركات تقترب من المثالية والكمال، سواء بالكرة أو بدونها، كأننا نشاهد النسخة المحفورة في الأذهان عن ملوك «التيكي تاكا». الفارق يكمن في تغير الزمن والوجوه، أما المضمون، فعلى الأقل لم يتغير كثيرا، عن آخر عرض هوليوودي قدمه الفريق أمام نفس المنافس في «ريمونتادا» 2017، يكفي وصول ليو ميسي ورفاقه إلى مرمى الحارس كيلور نافاس تسع مرات في أول 45 دقيقة، ما يعادل تقريبا محاولات الفريق على مدار 90 دقيقة في ليلة معجزة نيمار، الاختلاف الوحيد، أن التفاصيل البسيطة لم تبتسم لكتيبة كومان، باستغلال فترات التفوق الفني والبدني على فريق المدرب ماوريسيو بوتشيتينو، خصوصا في آخر دقائق الشوط الأول، التي شهدت منعرج المباراة، وهي ركلة الجزاء، التي تصدى لها نافاس من ميسي، ما أعطى أصحاب الأرض، فرصة لالتقاط أنفسهم وإعادة الاتزان، بخنق الملعب بقدر الإمكان على ضيفه المتوهج والمسيطر على مجريات الأمور.

مولد مشروع

بوجه عام، أعطى برشلونة رسائل مطمئنة للمشجعين بشأن مستقبل الفريق، بعد الظهور اللافت لنجوم الجيل الجديد، متمثلة في الإضافة الكبيرة التي يقدمها المبدع بيدري، بخفة حركته وذكائه في التفكير والتصرف بالكرة بشكل أسرع من المنافسين، نفس الموهبة التي كانت تميز تشافي وإنييستا على وجه التحديد، وتعتبر رأس مال البرغوث، ونفس الأمر ينطبق على اليافع الهولندي فرينكي دي يونغ، هو أيضا رد عمليا على المشككين في جودته، بظهوره في الآونة الأخيرة بنفس النسخة البراقة التي كان عليها في أياكس، بعد توظيفه كحلقة وصل بين ثنائي الدفاع لينغوليه ومينغوزا وثنائي الوسط بوسكيتس وبيدري، ليؤدي دور المدافع الثالث في الحالات الدفاعية، وكلاعب ارتكاز ومفتاح لعب عند الحاجة للزيادة العددية الهجومية. كذلك الأمريكي سيرجينو ديست، في طريقه ليكون الوريث الحقيقي للبرازيلي داني ألفيس، ومواهب أخرى بجودة أنسو فاتي، مثل المراوغ البارع فرانسيسكو ترينكاو وزميله في الرديف موريبا، الملقب ببول بوغبا الجديد، وباقي العناصر الشابة، التي بدأت تلمع مع المدرب الهولندي، فقط يحتاج الفريق للمواصلة بنفس الزخم وعقلية الفوز، ليضرب كومان عصفورين بحجر واحد، منها يكون قد وضع حجر أساس صحيح لمشروع العقد الجديد، ومنها أيضا تأمين مستقبله في «كامب نو»، بإقناع الرئيس الجديد بالإبقاء عليه، لاستكمال مشروعه الناجح، على الأقل حتى نهاية عقده.
أما الفريق الباريسي، فلم يكن في أفضل أيامه، ويمكن القول إن مدربه الأرجنتيني، كان محظوظا بلحظات نافاس الإبداعية، وربما لولا ما فعله حارس ريال مدريد السابق، بالوقوف كالغصة في حلق البرغوث ورفاقه، باستثناء اللوحة التي رسمها ليو في لقطة هدفه السينمائي، ولو أنه يُحسب للبوتش، أنه أنقذ ما يمكن إنقاذه في الشوط الثاني، بمعالجة أخطاء الشوط الأول، بسد الثغرات ونقاط الضعف، التي جعلت الدفاع مستباحا لمدة 45 دقيقة، على غرار ما فعله، بإشراك عبدو ديالو بدلا من كورزاو، لعمل زيادة عددية في الدفاع، وتبعها بوضع جدار عازل في الوسط، بالدفع بدانيلو بيريرا ثم رافينيا على حساب إدريس غيي وفيراتي، بعد المجهود الكبير الذي قدمه الأخيران في الشوط الأول، وواصل تصحيح هفواته ومبالغته في احترام الضيوف، بإشراك أنخيل دي ماريا على حساب غير الموفق جوليان دراكسلر، وهو التغيير الذي ساهم في تخفيف الضغط والحصار على الدفاع الباريسي، بفضل سرعته وقدرته على الاحتفاظ بالكرة والمرور بأريحية، ما ساعد فريقه في امتصاص حماس نظيره الكتالوني، في أوج لحظات ضغطه، لأخذ الأسبقية بهدف إحياء الآمال قبل فوات الأوان، فكان له ما أراد، بالحفاظ على النتيجة المؤهلة للدور ربع النهائي، وهو الأمر الأكثر أهمية، إلى أن تتغير أوضاع وحسابات الفريق مع اكتمال القوى الضاربة للهجوم، بتعافي البرازيلي نيمار جونيور من الانتكاسة وعودته إلى جانب دي ماريا ومبابي في ما تبقى من رحلة البحث عن تأشيرة اللعب في نهائي «أتاتورك الأولمبي».

إفلاس مشروع

على عكس برشلونة، كان يوفنتوس على موعد مع واحدة من الليالي الأوروبية التعيسة، التي لخصت أوضاع الفريق تحت قيادة أندريا بيرلو، بمعاناة وفقر تكتيكي، خصوصا في الشق الهجومي، لصعوبة وبطء عملية الخروج بالكرة من المناطق الدفاعية أو الوسط إلى الهجوم، وهذا وضح في أول 45 دقيقة أمام بورتو، باستثناء الكرات العرضية التي أرسلها كوادرادو من جهة اليمين، وتفنن ألفارو موراتا في إهدارها، أما غير ذلك، فكانت الأفضلية لفريق المدرب المجتهد سيرجيو كونسيساو، الذي تفوق على نفسه وعلى بيرلو في أغلب أوقات المباراة، خاصة في الشوط الأول الحاسم، بغلق المساحات أمام كريستيانو رونالدو وموراتا، ومنع رباعي الوسط كييزا وآرثر ورابيو ورامزي من التواصل بأريحية مع الظهيرين وثنائي الهجوم، وذلك بفضل الضغط الهائل، الذي مارسه رجل المباراة ونجمها الأول سيرجيو أوليفييرا وجيزوس كورونا من الوسط، بجانب الدفاع المتقدم واستغلال نقاط ضعف المنافس، أبرزها الشارع الهادئ خلف الظهير الأيسر ساندرو، والذي جاءت منه العرضية، التي أسفرت عن هدية المدافع ديميرال، بخطأ ساذج داخل مربع العمليات، على إثره تعقدت فكرة «الريمونتادا» برمتها، خاصة بعد نهاية الشوط الأول بتقدم الفريق البرتغالي بهدف أوليفييرا من علامة الجزاء.
ورغم التحسن النسبي لليوفي في بداية الشوط الثاني، إلا أن الحماسة لم تدم طويلا، بعودة الفريق إلى المربع الصفر، بمجرد أن لمس الاطمئنان بقلب الطاولة على الضيوف بهدفي فيديريكو كييزا في الدقيقتين 49 و63، تماما كما يحدث في كل مرة، يشعر فيها فريق بيرلو أن مهمته قد حُسمت أو المنافس رفع الراية البيضاء، ولاحظنا كيف هبط النسق وهدأ الفريق بعد التقدم وطرد مهدي طارمي، وهي أزمة ذهنية يتحملها المدرب، لقلة خبرته وممارسته للمهنة في هكذا مواعيد لا تتحمل التجارب، والدليل على ذلك، الكم الهائل من الأخطاء التي يقع فيها أغلب اللاعبين، بمن فيهم الملهم كريستيانو رونالدو، الذي تعرض لواحدة من أشرس حملات الهجوم عليه بعد المباراة، لدرجة وصفه بالجبان، لمبالغته في إعطاء ظهره للكرة أثناء وقوفه في الحائط البشري لحظة تنفيذ الركلة الثابتة، التي قتلت حلم العودة في الأوقات الإضافية، حتى رابيو الذي سجل هدف ماء الوجه الثالث في الدقيقة 117، كان يتفنن في التصرف بشكل خاطئ وكارثي بالكرة، آخرها اعتماده على نفسه، بتسديد الكرة الى المدرجات في اللحظات الأخيرة، بينما كانت أمامه فرصة لإرسال عرضية لأكثر من 4 زملاء داخل مربع العمليات.
ومثل هذه الأمور والمواقف، لا تعكس سوى ضعف سيطرة المدرب على اللاعبين، وأيضا إمكانية هدم المعبد، بانهيار المشروع الذي خطط له أنييلي ونيدفيد وطيب الذكر بيبي ماروتا قبل ثلاث سنوات، بالتوقيع مع صاروخ ماديرا وتبعه ماتياس دي ليخت، أملا في حل عقدة السيدة العجوز في ذات الأذنين، المستعصية على الكيان منذ العام 1996، لكن بعد ثلاث سنوات، جاءت النتائج عكسية، بالوقوع في نفس الأخطاء، التي أدت إلى خروج الفريق أمام منافسين أقل منه خبرة وجودة، بداية من أياكس أمستردام مرورا بليون الفرنسي الموسم الماضي ثم بورتو، لكن ما زاد الطين بلة هذا الموسم، أن أوضاع الفريق تخبطت على المستوى المحلي، بفقدان شخصية البطل القادر على تحقيق الفوز تحت أي ظرف وبغض النظر عن أدائه في المباراة، وإلا لما تقهقر في جدول ترتيب أندية السيريا آه، باحتلال المرتبة الثالثة بفارق 10 نقاط كاملة عن المتصدر والبطل المنتظر الإنتر، وذلك بعد السيطرة على اللقب طيلة السنوات التسع الأخيرة، فقط يبقى أمله الوحيد لتفادي الخروج بموسم صفري، أن يفوز على أتالانتا في نهائي كوبا إيطاليا في مايو / أيار المقبل، ليبقي بيرلو على آماله في الاحتفاظ بمنصبه لموسم آخر، وهذا سيتوقف على أداء ونتائج الفريق في ما تبقى من الموسم، ولو أن أغلب التقارير الإيطالية، تراهن على رحيل المدرب في نهاية الموسم، على عكس ما قاله في حديثه مع الصحافيين بعد المباراة، إن الرئيس أخبره بأن «مشروع اليوفي بدأ للتو»، بخلاف ما يتردد عن إمكانية عرض الدون للبيع في فصل الصيف، لتخفيف حدة الخسائر الناجمة عن كورونا، بعد وصول الخسائر لأكثر من 150 مليون يورو في الشهور الماضية، وأيضا للمساهمة في تمويل صفقات تجديد دماء الفريق الموسم المقبل، بدلا من خسارته بموجب قانون بوسمان مع انتهاء عقده منتصف العام المقبل، لكن في كل الأحوال، أثبتت التجارب حتى الآن، أن قرار إسناد الدفة الفنية لبيرلو، لم يكن صحيحا بنسبة 100%، ولا يتوافق مع الخطة المرسومة للمشروع الطموح.

نجاة وتوهج

ولم تشهد مباراتا ليفربول ضد لايبزيغ وبوروسيا دورتموند ضد إشبيلية، مفاجآت خارج التوقعات، بعد حسم بطاقة العبور للدور الأول في مواجهتي الذهاب، بفوز أحمر الميرسيسايد على ممثل عملاق مشروبات الطاقة بهدفين نظيفين، فيما نجح البوروسيا في قهر كبير الأندلس في عقر داره بثلاثية مقابل اثنين، وهو تقريبا نفس السيناريو الذي حدث في مباراتي الإياب، بانتصار سهل لمحمد صلاح ورفاقه على كتيبة يوليان ناغلزمان بنفس النتيجة، ليتنفس يورغن كلوب الصعداء، بعد سلسلة النتائج الكارثية على المستوى المحلي، والتي وصلت لحد التجرع من مرارة الهزيمة في آخر 6 مباريات على ملعبه «آنفيلد»، هو أمر لم يحدث منذ تأسيس النادي أوائل القرن الماضي. أما أسود الفيستيفاليا، فكانوا على بعد دقائق من تكرار تفوقهم على إشبيلية، لولا استمرار تألق المغربي يوسف النصيري، الذي أدرك هدف التعادل الثاني لفريقه في الدقيقة السادسة من الوقت بدل الضائع. في المقابل، استمر الظاهرة إيرلينغ براوت هالاند، في نسف الأرقام القياسية، بإضافة هدفين جديدين في الأبطال، ليرفع غلته إلى 20 هدفا من ظهوره في 14 مباراة فقط في هذه البطولة، كأصغر هداف في التاريخ يصل إلى هذا المعدل التهديفي، وأصغر لاعب يسجل على الأقل هدفين في 4 مباريات متتالية، وأكثر من هز الشباك منذ ظهوره على الساحة العام قبل الماضي، فهل سيواصل العبث بالأرقام القياسية ويقود فريقه إلى أبعد مكان في البطولة؟ دعونا ننتظر ونستمتع بصراعه الخاص مع كيليان مبابي، تماما كما ننتظر ما سيفعله ليفربول بعد حملته المحلية المخيبة، وبالمثل باريس سان جيرمان وبورتو بعد التحاقهما بركب المتأهلين… مشاهدة ممتعة للجميع في سهرات منتصف الأسبوع المنتظرة في ختام دور الـ16.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية