لندن ـ «القدس العربي»: على الرغم من الاختلاف الجذري في سياسة وطريقة الإنفاق بين تشلسي وليفربول، بما يمكن وصفه ببذخ وسخاء في الصرف من قبل مالك البلوز الجديد تود بويلي، والعكس بالنسبة لمجموعة «فينواي غروب» المالكة لقلعة الريدز، التي تتعامل بحكمة وهدوء في ملف الإنفاق والاستثمار في الصفقات الجديدة، إلا أنهما فشلا في تحقيق الحد الأدنى من أحلام وطموحات المشجعين في مختلف أنحاء على العالم، بسلسلة من العروض والنتائج، التي تندرج تحت مسمى «مُحطمة للآمال»، والأخطر من ذلك، حالة التخبط والبلادة المسيطرة على غرفة خلع الملابس هنا وهناك، أو بعبارة أخرى أكثر واقعية، النسخة البائسة التي يبدو عليها كلا الفريقين منذ بداية الموسم وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، ولا تُنذر سوى بكوارث وكوابيس في نهاية الحملة.
واقع مرير
لا يُخفى على أحد، أن مواجهة تشلسي وليفربول، تحولت في العقدين الماضيين إلى واحدة من أشرس وأعنف المعارك الكلاسيكية في الدوري الإنكليزي الممتاز، وطوال هذه الفترة، ظلت مبارياتهم شديدة التوتر والحساسية، سواء في نزاعات سبت وأحد البريميرليغ، ونفس الأمر في نهائيات الكؤوس المحلية وإقصائيات دوري أبطال أوروبا والكأس السوبر الأوروبية، بمشاهدات ولحظات محفورة في الأذهان، من نوعية انزلاقة الزعيم ستيفن جيرارد، الشهيرة عام 2015 أمام السنغالي ديمبا با، التي تسببت في تأجيل تحطيم عقدة الدوري الإنكليزي لعام 2020، وأيضا لوحة محمد صلاح الإبداعية في أبريل / نيسان 2019 وإلخ، لكن مباراتهما الأخيرة في عطلة نهاية الأسبوع، كانت كاشفة للواقع المأساوي، الذي يعيشه المغلوب على أمره غراهام بوتر في «ستامفورد بريدج»، ونظيره الألماني يورغن كلوب في حصن أحمر الميرسيسايد، وذلك بطبيعة الحال، ليس لانتهاء المباراة على نتيجة البياض، بل لأسباب أخرى بالجملة، أبسطها، المحتوى المتواضع داخل المستطيل الأخضر، الذي تجلى في فقر اللمحات الفنية والمبالغة في تدوير الكرة في وسط الملعب، باستثناء ومضات إبداعية لنجمنا المغربي حكيم زياش من حين لآخر، وهذا في حد ذاته، يعكس ويجسد طريقة تفكير كل مدرب وهدفه الرئيسي من المباراة، وهو تفادي الهزيمة بأي ثمن، لتجنب مواجهة المجهول، بتبخر ما تبقى من بصيص الأمل في الاقتراب من دائرة المراكز الأربعة الأولى المؤهلة لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، بعد الانتهاء من مباريات النصف الأول، بسيناريو لم يراود حتى أكثر المتشائمين في أضغاث أحلامهم منتصف أغسطس / آب الماضي، بالتواجد في منتصف جدول الترتيب العام، في المركزين التاسع والعاشر بنفس الرصيد (29 نقطة)، خلف منافسين بوزن برايتون وفولهام وبرينتفورد، وعلى بعد 10 نقاط كاملة عن الطامحين في الانفراد بالمراكز المتاحة خلف آرسنال ومانشستر سيتي، وذلك بعد أن كانت أبسط التوقعات، التواجد في أماكنهم الطبيعية، ضمن الأربعة أو الخمسة الأوائل، في حال فشلت الخطة الرئيسية بالمنافسة على اللقب.
المال الهدام
نعرف جميعا قوة وتأثير المال في عالم كرة القدم الحديثة، خاصة بعد تحول المركولة المجنونة إلى مشاريع استثمارية ضخمة، بالطريقة التي غامر بها الملياردير الأمريكي تود بويلي، قبل قرابة الثمانية أشهر، بالاستحواذ على أسهم العلامة التجارية لأسود غرب لندن، في صفقة قياسية تخطت حاجز الـ4 مليارات جنيه إسترليني، وأضيف لها حوالي نصف مليار بنفس العملة، لشراء صفقات جديدة منذ يوليو / تموز الماضي وحتى أسبوع من غلق الميركاتو الشتوي، بدأت بالدفعة الأولى، التي أسفرت عن وصول أسماء بحجم رحيم ستيرلنغ، كاليدو كوليبالي، ويسلي فوفانا، مارك كوكوريا، وصفقات أخرى كبدت الخزينة أكثر من ربع مليار بنفس العملة في النافذة الصيفية، كهدايا للمدرب الألماني السابق توماس توخيل، بعد خسارة أكثر من لاعب أساسي قبل بداية الموسم، في مقدمتهم قائد الدفاع أنطونيو روديغر، والظهير الأيسر الطائر ماركوس ألونسو، بالإضافة إلى روميلو لوكاكو، تيمو فيرنر وباقي الهاربين من السفينة، مع ذلك سرعان ما انتهى شهر العسل بين المالك الجديد ومدرب باريس سان جيرمان الأسبق، بإقالته من منصبه بعد شهر من ضربة بداية الموسم، أو بعد 100 يوم فقط من بداية عهد بويلي، بسبب النتائج المخيبة لآمال المشجعين، وبعض الخلافات الشخصية التي تكشفت تباعا في وسائل الإعلام، مثل اعتراض المدرب على التدخل في عمله، أو قبول سياسة المشاركة الجديد، بالتعاون في مهام المدير الرياضي وأمور أخرى من هذا القبيل، التي عجلت برحيل عراّب الكأس ذات الأذنين الثانية في تاريخ الكيان، ووصول بويلي مع حلول فصل الخريف، ورغم نجاحه في تحقيق بعض النتائج المقبولة في بداية المهمة، خاصة في مباريات تصحيح البداية الكارثية لدوري مجموعات أبطال أوروبا، مثل اكتساح ميلان الإيطالي بالثلاثة في «ستامفورد بريدج»، وبثنائية اقتصادية في «سان سيرو»، إلا أن التجارب أثبتت، أنه بحاجة لمعجزة من السماء من أجل تحقيق الأهداف المطلوبة منه، وهذا ليس تقليلا من شأن المدرب أو أفكاره أو معضلة عدم تمرسه على العمل مع أندية عملاقة تنافس على الألقاب والبطولات، بعد سنوات مع الكفاح مع الفرق المتوسطة والصغيرة، بل لمشقة المهمة عليه وعلى توخيل من قبله، لاستحالة الحصول على نتائج فورية في كرة القدم. أو بعبارة أخرى، لصعوبة تأقلم وانسجام هذا الكم الهائل من اللاعبين الجدد مع القدامى في وقت قياسي، كما يعتقد أو يتصور المالك الجديد، بأنها الطريقة المثالية لجني ثمار الإنفاق في أسرع وقت ممكن.
الخراب العاجل
يبقى كل ما سبق في كفة، وما يفعله بويلي منذ بداية العام الجديد في كفة، بإصرار غريب على تجسيد المثل العربي الشهير «جاء يكحلها… فعماها»، بالتعاقد مع نصف دستة لاعبين دفعة واحدة، والحديث عن بنوا بادياشيل، أندري سانتوس، ديفيد فوفانا، نوني مادويكي وميخايلو مودريك، وقبلهم جاء البرتغالي جواو فيليكس من أتلتيكو مدريد على سبيل الإعارة لنهاية الموسم. والمثير للريبة بحق، ما يتردد عن رغبة النادي في التعاقد مع متوسط ميدان بنفيكا إنزو فيرنانديز، كأن المالك يبعثر الأموال في الهواء الطلق، أو أنها بلا قيمة وأهمية، والبعض يعتبرها طريقة لغسيل الأموال، لكن على أرض الواقع، يمكن وصفها بالمجازفة المحفوفة بالمخاطر، سواء على المستوى الفني داخل المستطيل الأخضر، أو وضع النادي ومستقبله، ويتجلى ذلك في أداء ونتائج وشخصية الفريق منذ عودة اللاعبين من كأس العالم، مكتفيا بتحقيق انتصارين فقط على حساب بورنموث وكريستال بالاس، في المقابل تجرع من مرارة الهزيمة في 4 مناسبات، منها هزيمة مُذلة على يد مانشستر سيتي برباعية نظيفة بأقل مجهود، على إثرها انتهى موسم الفريق على المستوى المحلي، بالخروج المبكر من بطولتي كأس الاتحاد الإنكليزي والرابطة، على يد دابته السوداء السيتيزنز، وجزء كبير من هذا التخبط والعشوائية، يرجع في الأساس إلى تشتت المدرب بوتر، وعدم قدرته على الاستفادة من اللاعبين الجدد ودمجهم مع العناصر التي يعتمد عليها بشكل أساسي، في ما تعتبر بمثابة «الفاتورة الباهظة»، للسياسة الخاطئة في التعاقدات، التي ترتكز في المقام الأول على مبدأ «الكم وليس الكيف».
ومثل هذه الأفكار، لا تتماشى أبدا مع الأفكار والمبادئ المتعارف عليها في صناعة كرة القدم والمشاريع الاستثمارية التي يُضرب بها المثل في التخطيط والتدرج السليم في الإنفاق، حتى تتحقق الأهداف على المدى المتوسط، على غرار الاستثمار السعودي في نيوكاسل يونايتد، رغم قدرة الصندوق السيادي السعودي، على إنفاق أضعاف ما ينفقه بويلي منذ وصوله إلى «ستامفورد بريدج»، حتى مانشستر سيتي وتشلسي (رومان آبراموفيتش) وباريس سان جيرمان، كانوا يضخون الأموال بشيء من الحكمة والاحترام لجماهير الأندية المنافسة والكادحة، وأيضا لتجنب عقوبات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، خاصة بعد تحديث قانون اللعب المالي النظيف منتصف العقد الماضي، بهدف منع الكبار والأثرياء من الشراء بلا حسيب ولا رقيب، وذلك بعدم السماح لهم بالإنفاق أكثر من الدخل السنوي، وهذا يفسر دخول اليويفا على الخط، بعد وصول حجم إنفاق البلوز في الميركاتو الشتوي الحالي لأكثر من 181 مليون جنيه إسترليني، بجانب طريقة الإدارة الجديدة في التحايل على اللوائح والقوانين، بشراء اللاعبين بنظام التقسيط المريح لسنوات طويلة، آخرهم مودريك، الذي اشتراه البلوز من شاختار دونيتسك، بأكثر من 60 مليون بعملة المملكة المتحدة، لكن على طريقة قروض صندوق النقد الدولي، على شكل دفعات لمدة 7 أو 8 سنوات، بهدف شيطاني بحت، لتوزيع تأثير الإنفاق والتهرب من قواعد اللعب المالي النظيف، الأمر الذي جعل المؤسسة المسؤولة عن اللعبة في القارة العجوز، تستجيب لمخاوف الأندية من سياسة تشلسي الجديدة، باتجاه قوي لإجراء تعديلات على النظام الخاص بدفع قيمة انتقال اللاعبين، بتحديد مدة لا تزيد بأي حال من الأحوال على 5 سنوات لإتمام رسوم التحويل بين الأندية، لمنع أي تحايل أو تلاعب في المستقبل على قانون اللعب المالي النظيف، وإلى أن يتم تنفيذ هذا التعديل، هل سينجح بوتر في الخروج من عنق الزجاجة ويستعيد نغمة الانتصارات قبل اختبار بوروسيا دورتموند في دوري أبطال أوروبا؟ أم سيبقى الوضع المأساوي الحالي كما هو عليه وتكون الحسرة مضاعفة على الفواتير المليونية في نهاية الموسم؟ هذا ما ستجيب عنه الأسابيع القليلة القادمة.
غموض فينواي
في الجانب المقابل، يمكن بسهولة ملاحظة مشجعي ليفربول ينظرون بحسد وغيرة من صفقات تشلسي، مع تسلل اليأس والإحباط لدى الكثيرين، لعدم ثقتهم في رؤية وتطلعات مجموعة «فينواي» الأمريكية المستحوذة على الكيان، في ظل الشائعات والتسريبات الرائجة في الأسابيع والأيام القليلة الماضية، عن تطلع المستثمرين في التخلص من حصتهم في «الآنفيلد»، وأغلب المصادر، تتحدث عن احتمال انتقال الملكية إلى جهة قطرية، على طريقة باريس سان جيرمان، ما سيكون أول استثمار من نوعه للحكومة القطرية في الدوري الأشهر عالميا، وهذا ما يتمنى عشاق النادي حدوثه على أرض الواقع، لتحرير ليفربول من السياسة الأمريكية، المختلفة 180 درجة عن مغامرات بويلي في الحي الغربي للعاصمة، حتى بعد القفزات التاريخية في أرباح النادي، وفقا لبيان شركة «ديلويت»، التي نشرت تقريرا بعنوان «دوري الأموال لكرة القدم لعام 2022»، لتحليل الموارد المالية للأندية، وأظهر ليفربول في المرتبة السابعة في أوروبا والثالثة على مستوى الدوري الإنكليزي الممتاز، ما أثار غضب واستياء شريحة لا يستهان بها، بوضع هكذا مكاسب وأرباح في مقارنة مع حجم الإنفاق على احتياجات الفريق، والتمسك بسياسة الرهان على الأسماء القابلة للانفجار، لاستنساخ تجربة الثالوث الذهبي محمد صلاح، ساديو ماني وفيرمينو، وما زاد الطين بلة، سوء اختيار بدائل النجوم المغادرة، كما هو الحال في وسط الملعب، منذ رحيل الهولندي فينالدوم، ولنا في ثلاثية ميلنر أو هيندرسون وفابينو وتياغو ألكانتارا، خير دليل، باتفاق أغلب النقاد والمتابعين، أنهم يمثلون الثغرة الأكثر وضوحا في فريق يورغن كلوب، ناهيك عن صدمته في مردود نونييز، أو لنكون منصفين في لمسة الأوروغواني الأخيرة سواء داخل مربع العمليات أو على حدوده، ويكفي أنه جعل مباريات الفريق ممنوعة على أصحاب القلوب الضعيفة والأمراض المزمنة، من كم الفرص السهلة التي يهدرها منذ قدومه من بنفيكا في فصل الصيف، مقارنة بما اعتادوا عليه في السنوات الماضية من حدة وشراسة وحسم من طيب الذكر ساديو ماني، ولأن المصائب تأتي تباعا، حدث آخر وأسوأ ما كان ينتظره المدرب، بعاصفة من الإصابات طويلة الأجل في الهجوم، مثل تجدد معاناة الزجاجي البرتغالي ديوغو جوتا وانتكاسة لويس دياز السيئة، وأمور أخرى أجبرت النادي على شراء كودي خاكبو من آيندهوفن الهولندي هذا الشتاء.
وبوجه عام، تظهر المؤشرات الحالية أنها نهاية لحقبة يورغن كلوب الذهبية، ربما لنفاد تأثيره في شحن اللاعبين وإثارة عزيمتهم، بالطريقة التي اقترب بها من حافة القمة في الموسم الماضي، الذي نافس فيه على كل البطولات حتى الرمق الأخير، ولولا تمسك بيب غوارديولا بصدارة البريميرليغ وتألق تيبو كورتوا في نهائي دوري الأبطال، لحقق الفريق أول رباعية في تاريخ الأندية الإنكليزية، وربما للحالة السيئة التي يمر بها أغلب اللاعبين، بما فيهم هداف الحقبة محمد صلاح، ومثله قائد الدفاع فيرجيل فان دايك وباقي شركاء الخط الخلفي بدون استثناء، الذين يتقاسمون المأساة مع خط الوسط، وهذا يعني أن كلوب بحاجة لقرارات جريئة، أشبه بثورة التصحيح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، إما بمراجعة أفكاره، التي ترتكز على الاندفاع البدني والضغط على الخصوم، ولم تعد صالحة للمعدل السني لأغلب رجاله المخلصين، وإما يجد طريقة ما، لاستعادة أفضل ما لدى لاعبيه الشباب والكبار البعيدين عن حالتهم الطبيعية، وإلا ستكون النهاية غير سعيدة على الإطلاق، أبسطها الإخفاق في العودة إلى دائرة المنافسة على المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا، والسؤال الآن، هل تعتقد عزيزي القارئ أن كلوب سيعيد الأمور إلى نصابها الصحيح في المستقبل القريب وينتشل مشروعه من براثن الضياع؟ أم تأكيد جديد للعنة الرقم سبعة في مشواره التدريبي؟ دعونا ننتظر ما سيحدث سواء مع المدرب أو مستقبل الملاك بعد الوصول لذروة الغضب من سياستهم في الإنفاق.