لندن ـ «القدس العربي»: اكتملت ملامح النسخة السابعة لمانشستر سيتي في عهد المدرب الكتالوني بيب غوارديولا، بعد القرارات السيادية، التي اتخذها الفيلسوف بالتعاون مع أصحاب القرار في قلعة «الاتحاد»، قبل توجه بعثة السكاي بلوز إلى الولايات المتحدة الأمريكية الأسبوع الماضي، حيث سيواصل الفريق استعداداته للموسم الجديد، بخوض سلسلة من المباريات الودية في الجولة التحضيرية في بلاد العم سام، ولعل القرار الأبرز، الذي تناوله الإعلام البريطاني والعربي على نطاق واسع، هو تفضيل الساحر الجزائري رياض محرز على حساب واحد من المصنفين ضمن أساطير النادي، وهو الدولي الإنكليزي رحيم ستيرلنغ.
نهاية التضارب
لاحظنا في بداية الميركاتو الصيفي، كما هائلا من الاشاعات والتضارب في الأنباء حول الضحايا المحتملين للمدمر الاسكندينافي إيرلنغ براوت هالاند وشريكه اللاتيني المستقبلي خوليان ألفاريز، وأغلب المصادر الصحافية التي تحظى بمصداقية لا بأس بها، كانت تروج لفكرة أن البيب يفاضل بين الثلاثي رياض محرز وغابرييل جيزوس ورحيم ستيرلنغ، للإبقاء على واحد منهم في الحملة الجديدة، وذلك بطبيعة الحال لأبعاد وأهداف فنية واقتصادية، تكمن في استحالة الاحتفاظ بهذا العدد من الأسماء الرنانة في مركز الجناح المهاجم، وعلى الأقل، لتجنب صداع وخطر تمرد أحدهم، اعتراضا على قلة عدد الدقائق، ولا ننسى أن الأغلبية لن تهضم هذه الفكرة برمتها، لعدم التفريط في فرصة تمثيل الوطن في مونديال قطر 2022، فضلا عن تشابه موقف الثلاثي، بانتهاء ارتباطهم مع النادي في صيف 2023. وكان واضحا، أن المهاجم البرازيلي، يبدو الأقرب للخروج من مشروع غوارديولا، لاستحالة حصوله على نفس معدل دقائق مشاركاته الضعيف في السنوات الماضية، بعد وصول العملاق النرويجي، وهو ما حدث في بداية يوليو / تموز، بإعلان بيان انتقاله إلى المنافس اللندني اللطيف آرسنال، في صفقة أنعشت الخزينة السماوية بأكثر من 50 مليون يورو. وبالتبعية، انحصرت المفاضلة بين رحيم ومحرز، إلى أن أعلن المدرب انحيازه لصاحب القدم اليسرى الذهبية، بإعطاء المدراء التنفيذيين الضوء الأخضر لتأمين مستقبله حتى إشعار آخر، في ما كانت أشبه بالرسالة الواضحة بانتهاء دور ستيرلنغ، بعدما قضى سبع سنوات بين جدران ملعب «الاتحاد»، شارك خلالها في 339 مباراة في مختلف المسابقات، تاركا بصمته في شباك المنافسين في 131 مناسبة، منها 91 على مستوى الدوري الإنكليزي الممتاز، كثاني أفضل هداف بعد كبير الهدافين سيرخيو أغويرو، والهداف رقم 11 في تاريخ السيتيزينز. والآن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا فَضل عليه رياض محرز؟
الجودة والإبداع
في حقيقة الأمر، هناك أمور لا تحتاج الى محللين ولا علماء كرة القدم، لشرح أبرز الأسباب التي جعلت غوارديولا يُفضل نجمنا العربي على صاحب الـ27 عاما، أكثرها وضوحا للعيان الجودة الفائقة واللمسة المميزة لأبو البنات، كواحد من القلائل في عالم المركولة المجنونة، الذين يجمعون بين الأناقة والحدة الشديدة في الثلث الأخير من الملعب، كما تظهر أرقامه وإحصاءاته في آخر موسمين، بتسجيل ما مجموعه 38 هدفا بالإضافة إلى 18 تمريرة حاسمة، منها 24 هدفا في مختلف مسابقات الموسم الماضي، غير أنه باعتراف بيب في أكثر من مقابلة صحافية، أنه دائما يقف على أطراف أصابعه كلما رأى الكرة بين قدمي رياض أو فل فودن بالقرب من مربع عمليات الخصوم، لقدرتهما على تصدير كل معاني الذعر الكروي للمدافعين، بمختلف الحيل والمراوغات، المهينة كرويا، خاصة في المواقف الصعبة والمساحات الضيقة أمام الدفاعات المتكتلة. وقبل هذا وذاك، يتمتع النجم الجزائري بعقلية أقوى وأكثر نضجا من زميل الأمس الإنكليزي، وتتجلى في حفاظه على مستواه في القمة في أغلب أوقات الموسم، على عكس ستيرلنغ، الذي يعاني من متلازمة «تذبذب المستوى»، على الأقل منذ انفجار موهبته تحت قيادة غوارديولا في نسخة 2017-2018، بعد معاناته في أول موسمين، لتأخر انسجامه مع أسلوب السيتي، بجانب تأثره بحملات الهجوم الضاري عليه من قبل أنصار ناديه الأسبق ليفربول، كضريبة للطريقة التي تحايل بها هو ووكيل أعماله على الإدارة الأمريكية المالكة لقلعة «الآنفيلد»، ناهيك عن التشكيك في قدرته على تعويض المبلغ الضخم الذي دفعه مانشستر سيتي، أكثر من 50 مليون جنيه إسترليني، لشراء المراهق الإنكليزي آنذاك من أحمر الميرسيسايد. وربما الكثير من مشجعي السيتي، يتذكرون كيف تفنن رحيم في قهرهم وإحباطهم أمام بيرنلي في بداية توهجه بشكل حقيقي مع الفريق في فبراير / شباط 2018، بإهدار كم لا يصدق من الفرص السهلة أمام المرمى، حيث كانت واحدة من ست مباريات أهدر خلالها السيتي نقاطاً، والأسوأ من ذلك، ما حدث في نهاية أعظم مواسمه على الإطلاق 2019-2020، الذي ختمه بتسجيل 31 هدفا في كل البطولات، وتحديدا الفرصة التي قال عنها المعلق القطري يوسف سيف «يا أخي لو أنا بأضعها في الشباك»، وكانت أمام ليون الفرنسي في ربع نهائي نسخة الأبطال الصامتة بسبب موجة كورونا الأولى، وعلى إثرها تحولت المباراة من إمكانية التعادل بهدفين لمثلهما، إلى هزيمة مؤلمة بثلاثية مقابل هدف، وفي ما بعد تبين أنها كانت لقطة فارقة في علاقته بالمدرب غوارديولا، بدأت بتقليل ظهوره في القوام الرئيسي في الموسم التالي، وخفض عدد دقائق لعبه من قرابة الـ4000 دقيقة في موسم الذروة لأقل 300 دقيقة في الموسم التالي ثم أقل 1000 دقيقة الموسم المنقضي.
مكاسب مشتركة
بوجه عام، هناك مكاسب بالجملة لكل أطراف صفقة رحيم، بداية من صاحب الشأن، الذي وصل لسن النضوج الكروي، وعلى ما يبدو أنه ضاق به الحال من سياسة بيب غوارديولا، التي ترتكز على فكرة توزيع الدقائق على الأجنحة والمهاجمين، لخلق تلك المنافسة الصحية، التي ساهمت بشكل أو بآخر في استحواذ الفريق على أغلب البطولات المحلية في السنوات القليلة الماضية، وذلك استنادا إلى اعترافه الجريء في أكتوبر / تشرين الأول الماضي، بأنه لن يتردد لحظة في الذهاب لمكان آخر، بشرط أن يحصل على دقائق لعب أكثر، في ما كانت أشبه بالمبادرة لشراء عقد غوارديولا، الذي بدوره اضطر للرد بكل حدة وصرامة على لاعبه آنذاك، قائلا: «أرني أنك تستحق اللعب عندما تحصل على فرصة اللعب، أظهر للعالم أنني كنت مخطئا، ما أعرفه أن أفضل اللاعبين لا يتحدثون إلا على أرض الملعب، وأعتقد أنني أشرفت على تدريب أفضل اللاعبين، ولم يشتكوا لي أبدا»، ولم يكتف بذلك، بل طلب من رحيم الذهاب الى المكان الذي يريده، ليثبت بشكل عملي أنه كان يستحق دقائق أكثر في النادي السماوي. والآن وبعد الموافقة على ذهابه إلى تشلسي، تكون قد أتيحت له الفرصة التي كان يبحث عنها، ليضرب عصفورين بحجر واحد، الأول الرد عمليا على مدربه السابق، والثاني وهو الأهم، ضمان مكانه في قائمة المنتخب الإنكليزي المشارك في المونديال، بعد تخبط الأسود الثلاثة في الفترة الماضية، بسلسلة النتائج السلبية، التي قد تدفع المدرب غاريث ساوثغيت الى البحث عن حلول أخرى، بدلا من المجموعة التي لا تشارك بانتظام مع أنديتها، وستيرلنغ واحد من هؤلاء، بعدما بصم على أقل ظهور في القوام الرئيسي للسيتي في مواسمه السبعة التي قضاها مع السيتيزينز. وهو يعرف أكثر من غيره، أنه بعد قدوم هالاند وألفاريز، واشتعال المنافسة على مكانه بين فودن وجاك غريليش، المنتظر منه مستوى وبصمة أفضل في موسمه الثاني، مع احتمال تصعيد الموهبة المتفجرة كول بالمر، ستكون فرصه في لعب نفس دقائق الموسم الماضي شبه مستحيلة، وهذا في حد ذاته، يعكس المكاسب المشتركة، منها هرب اللاعب من جحيم مقاعد غوارديولا لإحياء مسيرته في مكان آخر، ومنها ساعد النادي للمضي قدما في مشروعه الجديد، بجانب تغطية تكاليف نقله الأصلية من «آنفيلد»، بالحصول تقريبا على نفس المبلغ الذي دفعه السيتي لتحريره من ليفربول في صيف 2015، وذلك بدلا من فقدانه بموجب قانون بوسمان فور انتهاء الموسم الجديد، فضلا عن مكسب تشلسي المزدوج، بإبرام صفقة إعلامية لا بأس بها في بداية عهد المالك الجديد تود بولي، بجانب مساعدة الألماني توماس توخيل على إنجاز مهمة «الإصلاح الشامل» على مستوى خط الهجوم، بعد استمرار لعنة الرقم 9 مع روميلو لوكاكو، أو بعبارة أخرى بدون مجاملة، بعد الفشل الذريع للدبابة البلجيكية، بطريقة لا تختلف كثيرا عن اللغز المحير تيمو فيرنر، الذي انتهت معه كل حلول الأرض، بالنسخة الباهتة التي يبدو عليها بالقميص الأزرق، مقارنة بالصورة البراقة التي كان عليها مع فريقه السابق لايبزيغ.
ستيرلنغ الأزرق
كما أشرنا أعلاه، في الغالب سيعتمد توماس توخيل على الوافد الجديد في مركزه المفضل، كجناح أيسر مهاجم، نفس المركز الذي يوظف فيه مواطنه المنحوس فيرنر، وأيضا المركز الذي يبني عليه المدرب الكثير من الحلول الهجومية، بتحويل مسار اللعب فجأة إما بكرة طويلة أو تمريرة مفاجئة للجناح الطائر الأيسر، لإحداث المعنى الحرفي لكلمة «الفوضى» في دفاع المنافس، باستغلال سرعة سلاحه في هذه البقعة السحرية، بوضعه في موقف لاعب ضد لاعب في المساحات الشاغرة، ولنا أن نتخيل النعيم الذي سيجده رحيم في مكانه المفضل، وباللعب تحت قيادة مدرب يُقدر إمكاناته ويعرف كيف يفجر طاقاته، بشرط أن يتجنب كوارث تيمو فيرنر، الذي كان بإمكانه أن يتصدر هدافي البلوز في آخر موسمين، لولا الكم الصادم من الفرص السهلة التي أهدرها أمام الشباك. وبالنسبة للجمايكي الأصل / الإنكليزي الهوية، فلا شك أبدا، أنه فرض نفسه في السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، كواحد من نجوم الصفوة في الدوري الإنكليزي الممتاز، متسلحا بكل مواصفات الجناح العصري، من ذكاء فطري في تحركاته بين الخطوط، وسرعته التي تحاكي عدائي موطن الآباء والأجداد، بجانب معدلاته البدنية وحُسن تصرفه بالكرة، وقبل أي شيء، قدرته على المراوغة وإنهاء الفرص بشكل جيد، لكن يعيبه أسلوبه المزاجي، والذي يقترن بأرقامه الثابتة، التي تخبرنا أنه من النوعية، التي تستطيع تسجيل هاتريك أو أكثر في مباراة أو اثنين وربما ثلاثة على التوالي، ثم بعد ذلك يتوارى عن الأنظار والأهداف في ضعفي المباريات، وأحيانا أكثر، لكن الواقع المسلم به في الإعلام البريطاني، أنه واحد من المصنفين ضمن «السوبر ستارز» الإنكليز، حتى وإن كان معدل أهدافه وجوهر موهبته أقل من نظرائه أصحاب جنسيات منتخبات العالم الثالث في عالم كرة القدم بدون ذكر أسماء. وفي كل الأحوال، يصعب الجدال في حقيقة، أن تشلسي تعاقد مع لاعب جوكر في الثلث الأخير من الملعب، لما يملك الوافد الجديد من مرونة وتجارب سابقة في كل مراكز الهجوم، باعتماد غوارديولا عليه في مركز الجناح الأيمن والمهاجم الكاذب في بعض الأوقات، وهذا بالكاد النوع المفضل بالنسبة لمدرب أبطال أوروبا الموسم قبل الماضي، كواحد من القلائل الذين يفضلون اللعب بثلاثي مرن في الهجوم، وليس بالاعتماد على رأس حربة تقليدي (مهاجم صندوق) وخلفه جناحين لمده بالعرضيات والتمريرات الحريرية، والدليل على ذلك، أنه قاد الفريق للفوز بالكأس ذات الأذنين، من دون الاعتماد على مهاجم كلاسيكي رقم 9، لكن بعد التعاقد مع روميلو لوكاكو، عاد إلى الوراء بسرعة الصاروخ، بخروجه من الموسم الماضي خالي الوفاض، باستثناء حجر المركز الثالث المؤهل لدوري الأبطال بأريحية عن صاحب المركز الرابع، لكن بفارق شاسع عن البطل مانشستر سيتي ووصيفه ليفربول، والسؤال هنا: هل سيجد توخيل ضالته بالعودة إلى أسلوبه المفضل باللعب برحيم وكاي هافيرتز وواحد من جيش الأجنحة المتاحة في الجهة اليمنى وفي مقدمتهم حكيم زياش في حال صرف النظر عن فكرة الرحيل؟ أم سيواجه نفس مصير الموسم الماضي لصعوبة الوقوف على قدم المساواة مع حامل اللقب والوصيف مع ظهور ملامح عودة غريم الأمس الشرس مانشستر يونايتد تحت قيادة مدربه الجديد إيريك تين هاغ كما هو واضح في التغير الملموس في أداء الفريق في مبارياته الاستعداداية للموسم الجديد؟ هذا ما سيجيب عليه توخيل بعدما تنفس الصعداء بالتوقيع مع ستيرلنغ وخالد كوليبالي، كدفعة أولى لتعويض خروج لوكاكو وأنطونيو روديغر وكريستينسن.