في عطلة نهاية الأسبوع الماضي.. استيقظ عشاق ليفربول على النبأ السعيد، بتوصل إدارة النادي إلى اتفاق مع وكيل أعمال الأسطورة محمد صلاح، بموجبه وضع الأخير القلم على عقد ارتباطه بقلعة «الآنفيلد» حتى منتصف العام 2027، واضعا حدا لتلك الشائعات التي تطارده منذ أكثر من عام، بوضع اسمه في جمل مفيدة مع عملاقة دوري روشن السعودي، وبدرجة أقل أندية دوري «الميجور ليغ» الأمريكي، على اعتبار أنه سيسير على خطى مشاهير وأساطير العقد الماضي، الذين هاجروا من القارة العجوز إلى جنة كرة القدم الجديدة في الشرق الأوسط، في مقدمتهم الهداف التاريخي للعبة كريستيانو رونالدو، وقائد ريال مدريد السابق كريم بنزيمة، وأيقونة الجزائر ومانشستر سيتي رياض محرز وإلخ، بخلاف ليونيل ميسي ورفاقه هناك في دوري أحفاد العم سام، والسؤال الذي يفرض نفسه لماذا أصر الملك المصري على البقاء في «الآنفيلد» حتى إشعار آخر، وذلك على حساب مئات الملايين التي كانت تنتظره في المملكة العربية السعودية أو الولايات المتحدة الأمريكية، هذا ما سنحاول مناقشته في ما يمكن اعتبارها «رحلة في عقل محمد صلاح» قبل أن يقرر استكمال مغامرته الجريئة مع الريدز.
الارتباط والثورة
«لقد عشت هنا أفضل سنوات في مسيرتي الاحترافية، أستمتع بحياتي وبكرة القدم في المدينة، والعائلة تشعر وكأنها في بيتها. إنها لحظة مميزة دائما عندما تلعب في آنفيلد. لا يوجد مكان يُضاهي الدفء الذي تشعر به في آنفيلد وسماع الأغنية التي تسبق المباراة وكل شيء يتعلق بها، وفي كل مرة أسجل فيها هدفًا ويغنون أغنيتي، إنه لأمر مميز»، بهذه الكلمات الصادقة، عبر صلاح عن مشاعره تجاه النادي وجماهيره في أول مقابلة بعد توقيع عقده الجديد، دليلا على أنه وضع في حساباته راحته النفسية وارتباطه العاطفي بالمشجعين، ما بناه من أسطورة ستتحاكى عنها الأجيال القادمة منذ وصوله إلى زعيم الأندية الإنكليزية على المستوى القاري في العام 2017، في صفقة متوسطة التكلفة، أو بلغة الأرقام كلفت الخزينة نحو 35 مليون جنيه إسترليني شاملة المتغيرات، نظير الحصول على الاستغناء الخاص به من ناديه السابق روما، ليصبح كل شيء تاريخ منذ تلك اللحظة، بتلك الصورة التي رسمها لنفسه منذ موسمه الأول، من خلال تقمص دور البطولة المطلقة للموسم الثامن على التوالي، حتى في سنوات المنافسة الشرسة مع ساديو ماني وروبرتو فيرمينو تحت قيادة المدرب السابق يورغن كلوب، والمثير للإعجاب بالنسبة لمشجعي النادي، أن بطل الحقبة وهداف النادي في الألفية الجديدة، لم يُظهر أي مؤشرات أو علامات على تباطؤ في معدلاته البدنية أو حتى شغفه ورغبته في تقديم الأفضل في كل مباراة، بالرغم من اقترابه من الاحتفال بعيد ميلاه الـ33 في حزيران/يونيو المقبل، وهذا يبدو واضحا في أرقامه وإحصائياته الفردية، التي تخبرنا بأنه ساهم في تسجيل ما مجموعه 55 هدفا بإجمالي 32 من توقيعه بالإضافة إلى صناعة 23 هدفا من مشاركته في 46 مباراة في مختلف المسابقات، وهذا في حد ذاته، كان سيتسبب في ثورة جماهيرية عارمة، لصعوبة تقبل أو هضم فكرة التخلي عن واحد من أعظم أساطير النادي بدون مقابل، في نفس التوقيت الذي تجمع فيه أغلب التقارير الإسبانية، على أن ابن الأكاديمية ترينت ألكسندر أرنولد، وافق بشكل عملي على الانتقال إلى ريال مدريد في صفقة انتقال حر في الميركاتو الصيفي، وهو نفس الدافع أو السبب، الذي جعل الإدارة تؤمن مستقبل القائد فيرجيل فان دايك، لامتصاص الغضب الجماهيري بعد التأخر في حسم هذه الملفات مع اقتراب الفريق من تحقيق لقب البريميرليغ الثاني بمسماه الجديد ورقم 20 في تاريخه. واحدة من الأمور التي الأمور التي جعلت صلاح يختار البقاء في مملكته على حساب ملايين الخليج والولايات المتحدة، طمعه المشروع في مواصلة اللعب في أعلى مستوى تنافسي، بعد وصوله إلى مرحلة النضج الكروي، كلاعب يُنظر إليه على أنه أسطورة قادمة من زمن التسعينات وبداية الألفية الجديدة، ويظهر ذلك بوضوح في النسخة الجماعية التي يبدو عليها في حملة استعادة لقب البريميرليغ للمرة الأولى في فترة ما بعد جائحة كورونا، بتوقيعه على 27 هدفا وصناعة 18 في 32 مباراة على مستوى الدوري الإنكليزي الممتاز، فقط يحتاج لتسجيل خمسة أهداف أخرى، لمعادلة سجل أهدافه في موسمه الأول، الذي ختمه في صدارة هدافي البريميرليغ بـ32 هدفا وصناعة 11 في 36 مباراة، والآن في طريقه لمعادلة رقم الغزال الأسمر تيري هنري التاريخي، بالوقوف معه على قدم المساواة في عدد المرات الفوز بالحذاء الذهبي كأفضل هداف للدوري الأكثر شهرة وتنافسية في العالم للمرة الرابعة، وربما يكون ختامه مسك، ويظفر بأول حذاء ذهبي أوروبي في مسيرته الاحترافية، واللافت أنه يفعل ذلك في أحد أفضل مواسمه من الناحية الجماعية، بعيدا عن الصورة النمطية المحفورة عنه في الأذهان، كلاعب يميل إلى الأنانية أو الفردية في الثلث الأخير من الملعب، وهذا الأمر فسره صاحب الشأن في مقابلة مع قناة «تي إن تي»، بأنه جزء من مهام جهده المتعمد لتحسين أداء من حوله، قائلا بالنص «هذا جزء من النمو. نريد من الجميع أن يقدموا أفضل ما لديهم لأنني لن أفوز بلقب الدوري بمفردي، لذا نريد من اللاعبين الآخرين أن يقدموا أداء جيدا، وهذا ما أحاول القيام به في الأشهر القليلة الماضية، وربما من بداية الموسم، حيث أعمل على دراسة وفهم اللاعبين الشباب، وأعتقد أنني أقدم أفضل موسم لي، ليس لأنني أسجل الكثير من الأهداف، بل لأنني أساهم في تحسين أداء اللاعبين من حولي، وهذا ما أشعر به وأتمنى أن تكون أرقامهم في نهاية الموسم أفضل من المواسم الماضية، وبالنسبة لي. أعتقد أن تمريراتي الحاسمة أعلى من المواسم السابقة، وهذا يعني أنني أساعدهم كثيرا».
التاريخ والألقاب
ما يدعم صحة تقييم صلاح لموسمه الخرافي، أنه بات بحاجة للمساهمة في تسجيل ثلاثة أهداف فقط، ليصبح اللاعب الوحيد بجانب تيري هنري، الذي تمكن من تسجيل أكثر من 20 هدفا وقدم مثلهم أو أكثر تمريرات حاسمة في نفس الموسم، وغيرها من الأرقام القياسية التاريخية التي سيطاردها في المرحلة القادمة، منها على سبيل المثال لا الحصر، تخطي أندي كول، وواين روني، وهاري كين من أجل تقليص الفارق مع الهداف التاريخي للبريميرليغ آلان شيرار، حيث يتواجد الدولي المصري في المركز الخامس برصيد 184 هدفا، على بعد 3 أهداف فقط من كول، و24 هدفا عن روني، و29 هدفا عن قناص توتنهام سابقا بايرن ميونخ حاليا، فيما ينفرد جلاد نيوكاسل يونايتد في تسعينات القرن الماضي في الصدارة برصيد 260 هدفا، والأهم من الأرقام القياسية الفردية بالنسبة للمو، طموحاته الكبيرة لمساعدة المدرب الهولندي آرني سلوت في تحقيق المزيد من الألقاب في المرحلة القادمة، من خلال البناء على التتويج المنتظر بلقب البريميرليغ، على أن تكون الخطوة التالية، القتال بطريقة أكثر واقعية على كل الجبهات في الموسم المقبل، دليلا على أن الملك المصري ليس مدفوعا بالمال، بل برغبته في تخليد اسمه بين عظماء وأساطير «الآنفيلد» والبريميرليغ في كل العصور، طالما أنه ما زال محافظا على مستواه في القمة، ولم تظهر عليه أي علامة من علامات الشيخوخة الكروية، بل يبدو وكأنه يجني ثمار تعبه وعمله على نفسه طيلة السنوات الماضية، بحفاظه على نظامه التدريبي الصارم، الذي يجمع بين تمارين مختلفة مثل الجمباز، وتمارين ألعاب القوة، والسباحة واليوغا، بجانب جلسات التدريب في صالة الألعاب الرياضية في النادي، وقبل هذا وذاك، انضباطه في التمارين الجماعية للفريق، ما ساعده الآن على بناء جسده الرياضي المثالي، الذي يجعله يؤدي وكأنه في منتصف عقد العشرينات، وليس على أعتاب ربيعه الـ33 على هذا الكوكب، ولهذا فَضل مواصلة الرحلة مع ليفربول، بعبارة أكثر صراحة، انحاز لطريق المجد والخلود في النادي والدوري الإنكليزي الممتاز، على حساب الطريق الأسهل، بالذهاب إلى أحد أندية المملكة أو الولايات المتحدة لتأمين مستقبل الأبناء والأحفاد في نهاية المشوار الاحترافي، أو على أقل تقدير فَضل تأجيل خطوة التقاعد وتعظيم الثروة إلى ما بعد العام 2027، والسؤال الآن لك عزيزي القارئ.. هل تعتقد أن صلاح اختار القرار المناسب بالبقاء مع ناديه على حساب مئات الملايين التي كانت تنظره في دوري روشن أو الميجور ليغ؟ ننتظر مشاركتكم.