بدءا لا نستطيع إلاَّ ان نقر بجرأة خطاب سعد الله ونوس في مجمل نصوصه، إذ طال مشرطه النقدي سلطة التاريخ العربي والأنظمة السياسية ورجال الدين والمجتمع، وهو بهذا الاشتباك الإبداعي كان يمارس دور جراح شجاع امتلك فهما عاليا وهو يعاين جسد مجتمعه المصاب بأمراض مزمنة رافقته منذ ستينات القرن الماضي إلى ان وافته المنية عام 1997 بعد صراع مرير مع السرطان. ولا خلاف على انه كان على درجة عميقة من الفهم لاشكالات المسرح العربي، مدركا ان هناك حلقة مفرغة في معظم النقاشات الدائرة بين المسرحيين حول هذه القضية، يمكن إجمال ما حدَّدهُ بالنقاط الآتية: الهوية المسرحية، غياب المؤلف، فقر النصوص، إشكالية اللغة، الإمكانات المادية، غياب الحرية.
وفي إطار سعيه لبلورة أفكار تنهض بالظاهرة المسرحية عربيا، بدأ في التركيز على الجمهور، وفي مجمل طروحاته الفكرية التي تضمنتها كتاباته التي نشرها في مجلة «المعرفة» تشرين الأول/اكتوبر عام 1970 والتي حملت عنوان «بيانات لمسرح عربي جديد» أكد فيها على ان الجمهور لم يأخذ من الاهتمام ما يستحقه من قبل العاملين في المسرح، وهذا ما أدى من وجهة نظره إلى غياب الحلول، وانفصال المسرح العربي عن الجمهور الحقيقي، وليس الجمهور المخملي – حسب تعبيره – المؤلف من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة والذي يكاد ان يشكل القاعدة الأكثر حضورا في العروض المسرحية.
من هنا وجد ونوس ان الباب المهم للدخول إلى فهم إشكاليات المسرح العربي هو الاقتراب من الجمهور وقراءته، على اعتبار ان جمهور المسرح يتميز عن جمهور الأنشطة الثقافية الأخرى، وان العرض المسرحي له خصوصية ان يكون حدثا اجتماعيا وثقافيا. هذا الفهم كان يحمل رؤية عميقة كشفت هشاشة القراءات التي كانت تركز على دراسة النصوص أو المعالجات أو الأشكال المسرحية، وقد اختصر رؤيته للظاهرة المسرحية بمفردتين: الممثل والجمهور. وبناء على ذلك كان يرى غياب أحدهما يعني نفي الظاهرة المسرحية. ومن هنا بدا دائم التساؤل: من هو الجمهور الذي يتوجب عليه ان يتوجه له؟ ماذا نريد ان نقول له؟ والإجابة على السؤالين هي التي ستحدد الأرضية التي سيقف عليها وحدودها وآفاقها وطبيعة العروض من الناحية الفنية التي ينبغي ان تقدم لهذا الجمهور، ويأتي هذا الإنشغال بالجمهور من قبله لانه كان يرى في المسرح دورا ثوريا وتنويريا، قبل ان يكون منشغلا بالناحية الجمالية. ومن بعد وفاته كان العالم يتهيأ ليطوي آخر صفحاته، قبل ان يبدأ صفحة جديدة مع مطلع الألفية الثالثة، حيث تغير كل شيء وبدأت أولى علامات انهيار عالم أمسى قديما، خاصة في المنطقة العربية، التي بدت الأكثر تأثرا بما كشفت عنه المقدمات الأولى من الألفية الثالثة.
بناء على ذلك تأتي قراءة أسباب غياب ونوس خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بعد ان كان حاضرا في سبعينات القرن الماضي، عبر قراءة المشهد المسرحي العراقي من خلال تداعيات المشهد العام بظلاله السياسية، انطلاقا من ان المجتمع العراقي «مجتمع صدمات وتحولات عنيفة «حسب توصيف المفكر العراقي د.فالح عبد الجبار، وهذا المناخ المحتقن بالعنف والقمع قد أحاط بنصوص ونوس بأسلاك شائكة، وأحال دون تقديمها، خاصة بعد غزو الكويت عام 1990 فبدا الدرس العراقي بالغ القسوة والمرارة والوحشية، ليس على العراقيين فقط بل طالت نتائجه المنطقة العربية برمتها، وليس أمرا غريبا ان يكون عراق اليوم ليس عراق ما قبل العام 2003 بكل الحقب التي شهدها والعقود الأربعة التي مرت عليه منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، كانت بغاية التعقيد، إذ كانت الحروب أبرز تجاربه المريرة، يضاف إليها قسوة السلطة السياسية، وما نتج عن ذلك من أزمات مرتبطة بحرية التفكير والقول والتعبير. وإذا ما أردنا ان نرسم خط البداية في هذه القراءة السريعة، فمن المناسب تقنيا البدء من مشهد اليوم، ومن ثم العودة بالزمن إلى الوراء، ثم إلى اللحظة الراهنة، بذلك نكون أمام دورة تاريخية ستتكشف من خلالها الأسباب التي جعلت ونوس يغيب عن مسرحنا العراقي طيلة الثلاثين عاما الماضية.
تسلية وتهريج
ما يطرح اليوم من عروض في العراق ينتمي إلى نوعين: أولها كوميدية فارغة من أي محتوى تنويري، وعادة ما تكون من حيث الأساليب الإخراجية ذات شكل واقعي خال من أي مساحة للتخييل، وهي بذلك أبعد من ان تتناول نصا لسعد الله ونوس، لان هدفها الإضحاك لأجل التسلية، وهذا المسرح بدأ بالظهور في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي بعد ان سمحت به الرقابة التابعة للدولة آنذاك، في محاولة للتخفيف من الضغط النفسي الذي تسببت به الحرب، وتصاعد نموه في التسعينات من بعد ان لعب الحصار الدولي دورا كبيرا في تدمير المجتمع العراقي، وتفتيت نسيجه الاجتماعي، ثم توقفت هذه العروض لسنين معدودة بعد 2003 خلال فترة العنف الطائفي التي امتدت من عام 2007 إلى 2008 ثم عادت مرة أخرى بعد ظهور شريحة جديدة من الأثرياء الجدد تحمل ثقافة رثة غالبية أفرادها من المرتبطين بالأحزاب المهيمنة والميليشيات، وهؤلاء ليسوا بحاجة إلى نصوص سعد الله ونوس، بل سيرفضونها إذا ما تم تقديمها، لانهم في حالة قطيعة مع معنى الحرية التي تدعو إليها.
النوع الثاني من العروض، يتم تقديمها عن طريق دائرة السينما والمسرح، وتتسم بالنخبوية، وهنا غابت نصوص ونوس، وتقف خلف ذلك أسباب مختلفة، تتغير تبعا لتغير الأوضاع السياسية في العراق، وهذا ما يؤكد ان السياق العام للمسرح مرتبط بالتحولات السياسية، سواء من حيث النصوص أو من حيث الأساليب الفنية التي تتناولها.
من الناحية الزمنية يمكن تفكيك هذه الظواهر المسرحية إلى أربع مراحل: السبعينات، الثمانينات، التسعينات، وما بعد العام 2003.
السبعينات: البحث عن هوية
لم تكن هناك أي محاذير سياسية ومجتمعية تذكر لتقديم نصوص ونوس، وهذا لان العلاقة بين النظامين السوري والعراقي لم تكن على تلك الدرجة من العداء والقطيعة، إضافة إلى ان موجة المسرح الاحتفالي الذي كان ينهل من التراث العربي كانت في ذروتها، فكان من الطبيعي ان تحضر نصوص ونوس في أكثر من عرض مسرحي، حيث تم تقديم «مغامرة المملوك جابر، والملك هو الملك، والفيل ياملك الزمان، ورحلة حنظلة».
الثمانينات: مسرح التعبئة الدعائية
في هذه الفترة كان المناخ العام للبلاد متشكلا بتأثير الحرب العراقية الإيرانية، فأصبح التوجه العام منخرطا في إطار إدامة زخم المعركة، ومن هنا أخذت معظم عروض الفرقة القومية التابعة للدولة على عاتقها التناغم مع أغراض التعبئة العسكرية، وبناء على ذلك تم تقديم نصوص عربية تمجد الحرب، ونصوص أجنبية تلتقي مع هذا الهدف، ومع الأخذ بنظر الاعتبار ان النظام في سوريا كان يقف إلى جانب إيران في تلك الحرب، كان أمرا طبيعيا ان يغيب ونوس.
من جانب آخر فإن الفرق الأهلية، مثل «فرقة المسرح الشعبي، واليوم، والفن الحديث» ولأجل ان تتفادى السقوط في هذا المأزق الدعائي، عمدت إلى تقديم عروض مسرحية معتمدة على نصوص أجنبية تطرح قضايا إنسانية عامة متحاشية بذلك سلطة الرقابة الرسمية.
التسعينات: تصدّع مجتمعي
بعد غزو الكويت عام 1990 حدث زلزال كبير ليس في العراق فحسب بل شمل عموم المنطقة العربية، ولا جديد عندما نخلص إلى القول بان تداعيات هذا الحدث تبدو اليوم أكبر بكثير مما أحدثته هزيمة الخامس من حزيران عام 1967 حيث برزت التخندقات القطرية، ولم يعد هناك ما يجمع الأنظمة والشعوب العربية حول قضية مشتركة واحدة، بما في ذلك قضية فلسطين، وفي ظل هذا المناخ الملبد بالاحتقان، كان المجتمع العراقي يعيش لحظة هزيمة وتصدع في نسيجه المجتمعي، بدوره أخذ المسرح ينهل من هذه البركة، ومن هنا يمكن تفسير بروز ظاهرة عروض المونودراما بشكل لافت في العراق خلال هذه الحقبة، حيث أقيم لأول مرة مهرجان سنوي لعروض المونودراما في منتدى المسرح، إضافة إلى بروز النص المحلي الذي أخذ يحاكي ويستنطق الواقع الإنساني للفرد العراقي بعد ان نالت منه الحروب وانهكه الحصار، وأبرز أمثلة على ذلك سلسلة نصوص الكاتب فلاح شاكر التي بدأت بـ «قصة حب معاصرة» ثم تلتها «مئة عام من المحبة، في أعالي الحب، الجنة تفتح أبوابها، ألف رحلة ورحلة، وغيرها» وقد بدا فلاح موهبة فريدة في تاريخ الكتابة للمسرح، من حيث اللغة والموضوعات الساخنة التي تناولها وفي مقدمتها الحرب، وغطى بضوئه الساطع على الأسماء الأخرى، وفي ظل هذه الأجواء الساخنة لم تكن الفرصة مؤاتية لتقديم نصوص ونوس.
ما بعد 2003:
تشظي الجسد الواحد
هذه الفترة كانت مفترق طرق أمام المفاهيم والقيم التي لطالما اجتمع عليها العراقيون، وبدوا كما لو انهم كانوا يعيشون وهما فادحا لسنين طويلة، عناوينه مغطاة بتهويمات وسرديات انهارت دفعة واحدة بعد انهيار الدولة أمام أحزاب الإسلام السياسي الطائفية، حيث تشظت مفاهيم الوطن والقومية والهوية الوطنية، وأصبح المجتمع أمام تسييس قصدي للهويات الفرعية، وإذا ما وضعنا كل هذه المفاهيم في السياق الثقافي والاجتماعي سنجدها جزءا من إشكالية معرفية وتاريخية وسياسية، إذ انقسم العراقيون إلى مجموعات كل واحدة منها تتخندق خلف حاجز سميك عنوانه هوية دينية وطائفية ومذهبية وقومية في مقابل تمزق الهوية الوطنية، ولعل أبرز ما في هذه الإشكالية هو تمزق الهوية العربية بين العرب أنفسهم، تبعا لانتمائهم الطائفي، لا يجمعها رابط وطني مشترك. وإذا ما حاولنا اليوم في مسرحنا ان نفتح حوارا دراميا عبر نصوص سعد الله ونوس سنجد ان سرديات هذا الانقسام منعكسة بشكل صارخ في استجابات وردود أفعال الجمهور إزاء جميع ما يطرحه، إذ لم يعد هناك اتفاق مبدئي على أسس ومفاهيم سياسية وأخلاقية تجمع العراقيين، فموضوعة خيانة الوطن، أو ما تمارسه السلطة من قمع أو قضية الإرهاب، أو انتهازية رجال الدين، أو فساد الساسة، أو هيمنة الميليشيات..الخ، كل هذه القضايا والمفاهيم على أهميتها وخطورتها أصبحت موضع خلاف حاد، فالخائن للوطن من وجهة نظر هذا الطرف يعد مجاهدا ومناضلا من قبل الطرف الآخر ويسبغ عليه سمات التكريم والتبجيل، وهذا ما يصعب مهمة وصول خطاب النص الونوسي، لان الجمهور بات في حالة انقسام وتصادم في القيم، وما عاد يقف على أرضية مشتركة، بل انزاح إلى حالة تصادم قومي وديني وطائفي على درجة خطيرة من العنف والشراسة، إذ لم يعد ممكنا التكهن بانتهائها.