في آب 2020 شاهد لبنان كارثة بحجم تاريخي، انفجار ميناء بيروت. بلغ عدد المصابين في حينه 7 آلاف شخص وأكثر، و300 قتيل، وبقي مئات الآلاف بدون مأوى، وقدرت الأضرار بـ 15 مليار دولار. ولكن أبعاد الأضرار وعدد المصابين في عملية انفجار أجهزة الاتصال، 4 آلاف شخص أصيبوا وحتى الآن 9 قتلى، هي بعيدة عن أبعاد الأضرار في انفجار الميناء، لكن الصدمة الوطنية عادت ونبشت الذاكرة.
في تخطيط هجوم كهذا، كما يبدو من نتائجه حتى الآن، لا يمكن الافتراض بأن أعضاء حزب الله، المقاتلين ومن يؤيدون القتال، من بينهم سياسيون والسفير الإيراني، سيصابون. هذا الهجوم لا يمكن أن يسمى “عملية تجميلية”. يقف من ورائه توق إلى ترسيخ ميزان الرعب والردع الذي يغير الواقع، ويتجاوز القدرة العلمية والتكنولوجية أو النية في إحراج حسن نصر الله.
على صعيد التكتيك، ما دامت إسرائيل تقف من وراء الهجوم وفق اتهامات من لبنان، فإنها تجاوزت قواعد “معادلة الرد” السائدة بشكل متعمد هذه المرة، التي يجري فيها الحوار العنيف بين إسرائيل وحزب الله منذ 8 تشرين الأول الماضي. هذه القواعد تأسست على قاعدة افتراض تقول بأن الطرفين غير معنيين بالحرب الشاملة، ويترتب على ذلك عمق الهجمات وحجم الإصابات في أوساط المدنيين ونوع السلاح المستخدم.
تماثل الردود لم يحافظ عليه دائماً، لكن أي انحراف عنه كتصفية قادة كبار، مثل فؤاد شكر ومحمد ناصر قائد القاطع الغربي في جنوب لبنان ووسام الطويل قائد قوة الرضوان وغيرهم، كان قد حافظ حتى الآن على إطار المواجهة الأساسي. حزب الله ومتحدثون رسميون في لبنان وجهوا إصبع الاتهام لإسرائيل على اعتبار أنها المسؤولة عن هذا الهجوم، وحتى إنهم وعدوا بالانتقام. ولكن حسن نصر الله حتى الآن لم يعط لهذا الهجوم تعريفاً جديداً، ما يدل على نية استغلاله كذريعة لشن حرب شاملة.
عملية جماهيرية تحدث “إضراراً جانبية” واسعة النطاق، تزرع الذعر في الشوارع والأسواق التي أصيب فيها مدنيون، والأبشع أنها خلقت انعداماً للأمن الوطني. تأثير الجمهور لهذا الذعر معروف جيداً في إسرائيل، وربما يخلق ضغطاً كبيراً على متخذي القرارات. ولكن إذا كان الهدف أحداث تأثير مشابه في لبنان، يحرك حزب الله لوقف هجماته، وبالأساس فصل الساحة اللبنانية عن ساحة غزة، فسيظهر هذا كتوق بعيد المدى.
يتم على مدى أشهر توجيه انتقاد جماهيري وسياسي لحزب الله من قبل سياسيين وصحافيين وشخصيات عامة، لكن هذا الانتقاد لم يتطور حتى الآن إلى احتجاج جماهيري مثل النوع الذي أحدثه الانفجار في ميناء بيروت أو الأزمة الاقتصادية الشديدة. والسبب يكمن كما يبدو في حقيقة أن المواجهة مع إسرائيل هي حدث يمس جنوب لبنان فقط، وبشكل جزئي البقاع، لكن بيروت والمدن الكبيرة الأخرى معفية منه. مشكوك فيه إذا كان الهجوم في بيروت، والضاحية معقل سيطرة حزب الله، سيغير هذه النظرية؛ لأنها ما زالت تعتبر عملية موجهة لحزب الله وليس للمس بمواطني الدولة.
إذا كان هدف الهجوم ضعضعة ثقة حسن نصر الله بقدرته على تفعيل جميع منظومات السلاح لديه، لا سيما التي تحتاج إلى قنوات اتصال متقدمة، بواسطة إظهار مدى اختراق هذه المنظومات، فمشكوك فيه أيضاً حدوث أي انقلاب في استراتيجية حزب الله. تنوع الصواريخ والمسيرات وأنواع السلاح الأخرى التي بحوزة حزب الله ومنظومات الاتصال البديلة التي أقامها خلال السنين، لا تعطي أساساً صلباً لافتراض أنه سيتم شل التنظيم بسبب الهجوم الإلكتروني. ولكن عملية بالجملة مثل هذه العملية، قد ترسل رسالة واضحة ليس لحزب الله فحسب، بل ليحيى السنوار أيضاً. التفسير السائد هو أن مواجهة شاملة مع لبنان تخدم أهدافه، حيث ستحقق هذه الحرب حلم الحرب متعددة الساحات التي خطط لها ضد إسرائيل.
السنوار، مثل إسرائيل، لا يدري أين ستؤدي حرب واسعة النطاق بين لبنان وإسرائيل. ولا يمكنه التأكد من انضمام إيران لهذه الحرب. وأظهرت سوريا في السابق لامبالاة ودرجة كبيرة من الحيادية إزاء المواجهة مع حماس، ويواصل الحوثيون هجماتهم في البحر الأحمر ولكنهم لا يقدرون على إحداث الحسم. بالأساس، السنوار مثل إسرائيل، لا يعرف إلى متى سيكون حزب الله مستعداً لمواصلة حرب الاستنزاف مع إسرائيل إذا تبين أن هذه الحرب تعرض للخطر الذخر الاستراتيجي الأهم بالنسبة لإيران في الشرق الأوسط.
السنوار يمكنه، وربما يجب عليه، الافتراض بأن “عملية أجهزة الاتصال” نوع من إجراء “انقر على السطح”، وهو تحذير أخير ما قبل الحرب الشاملة في لبنان. يبدو أن هذا التطور مناسب لرؤيته الاستراتيجية، لكن ذلك قد يدفعه إلى هامش الساحة ونزع قوته السياسية الآن أمام إسرائيل، وليس فقط إملاء شروط صفقة التبادل، بل إملاء خطة سيطرته في غزة المرتبطة بوقف الحرب في القطاع.
الحرب في لبنان ربما ستضخم شعور “وحدة الساحات”، لكنها ستفصل غزة عن لبنان. ستنشئ ساحة مستقلة بين إسرائيل ولبنان بدون أن ارتباط بما سيعرضه السنوار. من هنا فإن حرب استنزاف، ليس حرباً شاملة، قد تخدم السنوار بشكل جيد، وحسن نصر الله أيضاً. الاستنتاج هو أنه إذا كانت إسرائيل، التي نسب لها هجوم أجهزة الاتصال، تقدر بأن هذه الرسالة تكفي لإحداث انفصال بين الساحات، أو على الأقل إقناع السنوار بأن هذا الانفصال على الباب، فإن هذا الهجوم لا يقف على أرجل ثابتة. هجوم أجهزة الاتصال ربما هو استعراض مدهش للقدرة الاستخبارية والتكنولوجية، ولكنه لا يغير تركيبة سيناريوهات إسرائيل الاستراتيجية، التي هي محبوسة بين خيارين: الأول الحرب الشاملة التي أبعادها ومدتها وتكلفتها بالأرواح والأموال غير معروفة، ومثلها أيضاً قدرتها على تحقيق الأهداف المخطط لها، من بينها إعادة سكان الجليل بأمان إلى بيوتهم. والثاني هو صفقة مع السنوار تتضمن وقف الحرب في غزة وإطلاق سراح المخطوفين ووقف النار في الشمال. هذه ليست صفقة أحلام، لكنها تحيد معظم بنود عدم اليقين الكامنة في خيار الحرب الشاملة، وستسدد ديناً أخلاقياً كبيراً تدين به الحكومة لمواطنيها.
تسفي برئيل
هآرتس 18/9/2024