لماذا يُمنع عرض فيلم “بابيشة” في الجزائر؟ معاناة النساء الحوامل والأطفال في دول المغرب العربي

قدم ديوان “رياض الفتح” اعتذارا لمحبيه عن عدم عرض فيلم “بابيشة” للمخرجة منية مدور، دون إبدا أي سبب. لكن وسائل الإعلام وتصريحات المشاركين في الفيلم، وبالرغم من عدم معرفتهم بسبب عدم عرض الفيلم، كما كان متوقعا في الجزائر، ابتداء من قاعة “بن زيدون” في “رياض الفتح”، توحي بأن هناك شيئا غير صحي في المنع.
الفيلم – الذي عرف العديد من التتويجات العالمية انطلاقا من مهرجان “كان” إلى آخرها في مهرجان الجونة السينمائي في مصر – لا يعرض في الجزائر فهل التتويج من خارج الجزائر تهمة؟ أو مشكوك به، كما صرح بذلك منتج الفيلم بلقاسم حجاج؟
تُلخّص أحداث الفيلم معاناة فتاة جزائرية من المتطرّفين الإسلاميين في العشرية السوداء، حيث تطمح “نجمة”، الطالبة الجامعية التي تقيم بالحيّ الجامعي، أن تُصبّح مصمّمة أزياء، فتعترض أحلامها جماعات متشدّدة دينيًا.
في تطوّر لأحداث تكسر “نجمة” وصديقاتها قواعد العشرية السوداء، وتتحدّى معهنّ الجماعات المتطرّفة، ولكنّ التهديد يتحوّل إلى استهداف مباشر من طرف الجماعات المسلّحة.
هاهو ينقضي سبتمبر/ أيلول الساخن ولم يعرض، كما كان مبرمجا وبعد إلغاء عرضه في “رياض الفتح”، تم إلغاء عرضه من طرف المركز الثقافي الفرنسي. الأمر هكذا لا يبدو مجرد تأجيل، بل تشوبه الشبهات وستفصح الأيام ماهيتها. أو ربما تبدو أنها قضية كبيرة. لكن قد يتمخض الجبل فيلد فأرا صغيرا ميتا. وتتوه القضية وتتميع، ولا يعرف صاحب قرار التأجيل أو المنع أو الحظر. وتصنف القضية ضد مجهول، أو مجاهيل!
منع المصنفات الفنية والأدبية في الجزائر غالبا ما يخضع لأمزجة الأشخاص ومصالحهم الشخصية، والتي تغلف بقضايا الوطن، والوطن بريء منهم براءة الذئب من دم يوسف.
في هذه الحالة لمن يلجأ المتضرر والمسؤولية لا تلقى على أحد وقد يتحملها الكل. وتتفتت الوقائع. ما يخشاه صانعو فيلم “بابيشة” هو عدم الاشتراك في سباق الأوسكار، إذ من شروطه أن يعرض الفيلم في بلده الأصلي قبل نهاية الشهر. والفيلم لم تكتحل عيون رواد قاعة “بن زيدون” به بعد، ولا مشاهدون غيرهم.
من يريد مشاهدة وقائع يريد الجزائري أن ينساها ويتفادى الخوض فيها، والجراح لم تندمل ولم تظهر سيناريوهات المجازر، التي ارتكبت في حق الآلاف دون ذنب ارتكبوه؟ وها هي ذكرى مجازر “بن طلحة” ما زالت عالقة بصورها المريعة وبما تركته من آثار. يعرض الفيلم تزامنا مع فجيعة كبرى عاشتها الجزائر.
هل تقتصر الحرية على رفض بطلة الفيلم التحجب ونسيان حلمها في أن تصبح مصممة أزياء. وإن كان التصميم على الحياة في تلك الفترة في الجزائر يأخذ أشكالا مغايرة لمجرد هوامات فنية؟
مقاومة النساء في فترة السواد والدم، تلك كانت مقاومة كبيرة، قد تكتشفها السينما بعمق وتكتب عن عشرية قتلت المحجبات والفلاحات والأطفل، في كل الأماكن والظروف. كان الإرهاب موجعا مؤلما وموجها جدا جدا. ولم يكن أعمى كما كنا نسمع!

ليبيا: إرادة الحياة ستنتصر

مؤلم جدا المشهد العام في ليبيا، ورائحة دخان الطائرات الحربية وصفيرها المشؤوم يخنق السماء ويدمر الأرض ويقتل البشر بلا تمييز، ويشرد ويروع الآمنين.
أخبار ليبيا فب الفضائيات والصحف كلها عن حالة الحرب والميليشيات والتقتيل والتهجير والعنف القبلي. لكن لا يمكن إبادة الشعوب الحي، هكذا علمنا التاريخ. ولا يمكن تغيير مسارات المجتمعات، كما تريد قوى الدمار أن تفعل، محولة بذلك كل شيء نحو مصلحتها، ثم بعد ذلك الطوفان.
في هذه الأثناء وفي بحث متأن تظهر حركية المجتمع الليبي ورفضه للدمار والإبادة وإفساد كل جميل من حوله، فتقام الفعاليات الثقافية وتكريمات الشخصيات التاريخية، مثل شخصية عمر المختار، الذي أقيمت له احتفالية للبحث في مسارات الرجل من وجهات نظر وتخصصات مختلفة جمعت بين آثار التربية الدينية في شخصيته، وحركته بين العسر واليسر الاقتصادي، وكذلك موقفه حول الانتماء والهوية.
الالتفاف حول شخصية فذة بحجم عمر المختار في ظل الراهن الليبي إشارة الى الحاجة لرد الاعتبار للرجل، الذي ليست لليبيين والعرب صورة عنه خارج صورة أنتوني كوين الذي تقمص تلك الشخصية. لذلك يسعى الباحثون في ليبيا لإضاءة حياة عمر المختار وتبيان الحقيقي والخيالي منها وفك لبس المغالطات التاريخية حولها. هكذا تواصل الجمعية الليبية لأصدقاء اللغة العربية مهامها الجميلة، في هذا الواقع المر، بتكريمها لشاعر الحب والأرض رجب الماجري، بل هو تكريم لعائلته بعد رحيل الشاعر في ديسمبر/كانون الأول 2012
احتفالية أقيمت في مركز المتفوقين في بنغازي بعرض شريط وثائقي عن حياة الشاعر، وكلمات عن سيرته. كما تخللت الفعالية فقرات غنائية لفرقة الزمن الجميل. لا شيء يعيد الأمل في ليبيا سوى التزود بكل ما هو جميل في زمن البشاعة الذي يغمر عالمنا الآن.

محرقة مستشفى وادي سوف
وحادثة حوامل العرائش

حادثة “أطفال الكرتونة” أسالت الدموع والحبر الكثير في تونس بعد عرضها على التلفزيون. وهاهي الحوادث تخرج من عيادات ومستشفيات التوليد كالصواعق. رضع “وادي سوف” يحرقون والفاعل شرارة كهربائية من آلة قتل الباعوض. المتهم هو البعوض أم إهمال الطاقم الطبي المناوب ومن هم المناوبون؟ لا يوجد إهمال ولم يكن الطاقم المناوب يغط في النوم، وإلا لما استطاعوا انقاذ بعض الرضع. هكذا دافعت الممرضة التي أدلت بتصريحاتها على “اليوتوب” وانتشرت بسرعة منذ أيام قليلة فقط.
آخر الاكتشافات حول الموضوع ، إضافة إلى تصريحات ممرضة، وما تناقلته مواقع الكترونية أخرى. تخرج لنا فرضية الطاقم الطبي الكوبي من أطباء وممرضين. الكل كان يعتقد أن الكوبيين موجودون فقط في مصلحة طب العيون في “الجلفة”. لكنهم كانوا موجودين في القاعة التي أحرقت عن آخرها. كما كتب عمال المستشفى لافتات كثيرة للتضامن مع وملائهم ولتعزية أهالي الضحايا. من بين اللافتات والتي كتبت باللون الأحمر: أخطاء الكوبيين لا يتحملها العمال الجزائريون. رفضوا تحمل أخطاء ارتكبها الغير، كذلك أعلنوا عن تضامنهم مع زملائهم الموقوفين بإعلانهم عن استقالة جماعية.
الحدث جلل كان بإمكانه الإطاحة بمن هم في أعلى هرم المؤسسة الاستشفائية، وزير الصحة مثلا. هكذا يحدث في كل البلدان، التي يحترم فيها الإنسان. والاستقالة قوة وليست ضعفا في مثل هذه الحالات.
كم نتشابه في المشاكل الحادة وفي منغصات العيش. في هذا الزمن الصعب تقلصت المسافات بين المغارب ليس للتوحيد والتكتل الإيجابي، لكن في الكوارث الصحية التي تعصف بالنساء الحوامل في هذا القرن، الذي ينتظر منه الآخر نقلة جنونية تتعلق باستمرارية حياة المخلوقات.
حادثة الحوامل في مستشفى “للا مريم” في العرائش في المغرب، توحي بالكثير. عنونت “تيل كيل” مقالها في هذا الشأن: وفيات النساء الحوامل في المغرب… وقائع صادمة”!
تصاعد نسبة الوفيات بين الأمهات في مراكز التوليد مؤشر لتراجع سياسات الدول المغاربية الصحية في رهانها على التطور، الذي عرفته في مجال رعاية الأمومة والطفولة. والأسباب متعددة، فقد تعود لتراجع الوعي بأهمية المتابعة الدورية للحوامل في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية المزرية، والبعد عن المراكز الصحية المجهزة بالعتاد والكوادر الطبية المؤهلة، وخاصة تلك التي تحركها الدوافع الإنسانية أكثر من أي شيء. في ظل تلك الظروف تفضل النساء اللجوء للطرق التقليدية في الولادة إلا إذا تعسر الأمر على القابلات التقليديات، فتصبح المراكز الصحية الملاذ الأخير. لكن ربما بعد فوات الأوان.
كذلك النقص في المراكز الصحية والمستشفيات المجهزة لا سيما في العمالات والأقاليم ونقص الأطباء المختصين، والعتاد وسيارات الإسعاف. كلها عوامل تزيد من صعوبة الحمل واعتباره عبئا!
ينتظر من سياسات هذه الدول أن تولي هذا المجال الاهتمام الكافي بمشاريع قطاع الصحة، الذي أصبح مثله مثل حوادث الطرقات يفتك بالآلاف… والفاعل غائب.

كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية