لندن-“القدس العربي”: مرت سنتان ونصف على الاستفتاء الذي صوت خلاله البريطانيون على طلاق بين بلادهم والاتحاد الأوروبي المعروف بـ”بريكست” لكن لا أحد يعرف حتى الآن ما هو مصير بريكست رغم قرب موعد القرار 29 آذار/مارس المقبل. ولدى لندن أربعة خيارات للتعامل مع مأزق بريكست وكلها تعقد الأمور أكثر مما هو الحال عليه الآن. وهذه الخيارات هي الانسحاب بدون توافق، والانسحاب على أساس توافق تريزا ماي المرفوض من قبل البرلمان البريطاني، والتوصل إلى اتفاق آخر للانسحاب، أو البقاء في الاتحاد الأوروبي. وما يزيد الطين بلة هو أن الخيارات الأربعة المطروحة لا تتمتع بدعم أغلبية أعضاء مجلس العموم البريطاني، وتعمل جميع الأحزاب والتيارات في البرلمان على عرقلة التوصل إلى اتفاق حول صيغة معينة للتعامل مع بريكست أملاً منهم بإرغام الأطراف الأخرى على القبول بخيارهم المفضل.
الانسحاب دون توافق
حسب قوانين الاتحاد الأوروبي وقانون الانسحاب من الاتحاد الذي أقره أيضاً البرلمان البريطاني سابقاً، ستطلق لندن بروكسل الساعة 11 مساء 29 آذار/مارس المقبل بغض النظر عما يحصل بشأن شكل الانسحاب من عدمه. بعبارة أخرى، ستحصل حالة “الانسحاب بدون توافق” بشكل تلقائي، إذا لم تتفق بريطانيا والاتحاد الأوروبي أو إذا لم يتم تأجيل موعده. ويصف البعض هده الحالة “بريكست الحاد” أو “بريكست الخاص” ومنهم نايجل فاراج، الزعيم السابق لحزب استقلال بريطانيا “يوكيب” المناهض للاتحاد الأوروبي والمهاجرين، الذي صرف جلّ حياته السياسية من أجل إخراج بلاده من الاتحاد الأوروبي. سيؤدي بريكست الحاد (المحتمل) إلى إلغاء الاتفاقية بين الجانبين بدون بديل متفق عليه، وسيوجه ذلك ضربة كبيرة للاقتصاد البريطاني على المدى القصير، حيث توقع المصرف المركزي البريطاني أن بريكست بدون توافق سيقلص اقتصاد البلاد بنسبة 8- (ناقص ثمانية) في المئة خلال العام الأول بعد الانسحاب.
وأعلن غالبية أعضاء البرلمان البريطاني معارضتهم للانسحاب غير المنتظم، فضلاً عن أن عددا كبيرا من أعضاء مجلس الوزراء سيعلنون استقالتهم في حال ذهبت تريزا ماي نحو خيار الانسحاب بدون توافق من الاتحاد. على أن بريكست غير المنتظم يستوجب ترسيم الحدود وبناء الجمارك ومخافر لمراقبة الحدود بين شطري إيرلندا ما يعارضه بشدة الحزب الوحدوي في إيرلندا الشمالية حليف تريزا ماي الرئيسي. والأسوأ من ذلك هو أن بريكست الحاد سيشعل من جديد نار الفتنتين الطائفية والقومية بين أتباع مذهبي البروتستانت والكاثوليك في إيرلندا الشمالية.
وعمّت الفوضى وموجة الخلافات الحكومة والبرلمان، حيث هددت رئيسة الوزراء البريطانية بالذهاب نحو خيار الانسحاب دون توافق، بينما كشفت صحيفة “تلغراف” أن 20 وزيراً بريطانياً أجروا اجتماعات سرية مع أعضاء مجلس العموم، بهدف وضع خطط تمنع حدوث بريكست الحاد ومن دون اتفاق، وأنهم ناقشوا أفضل الطرق لتجنّب حدوث ضرر اقتصادي في حال إجراء بريكست من دون اتفاق. ومن بين الوزراء الذين حضروا الاجتماع، وزيرة العمل والمعاشات آمبر رود، ووزير الخزانة فيليب هاموند، ووزير الأعمال والطاقة غريغ كلارك، ووزير العدل ديفيد جوك. ونقلت الصحيفة عن أحد الوزراء قوله إنهم يتوحدون حول معارضة بريكست من دون اتفاق، وإنهم يبذلون كل ما في وسعهم لوقف هذا الأمر.
اتفاق ماي
وتصر الحكومة البريطانية على ما يعرف بـ “اتفاق ماي” للانسحاب من الاتحاد الأوروبي رغم معارضة الغالبية الساحقة في البرلمان لهذا الاتفاق، وجرت على الاتفاق تعديلات طفيفة مجدداً للتصويت عليه يوم الثلاثاء 29 كانون الثاني/يناير الحالي في مجلس العموم، وتأمل حكومة ماي أن يصادق النواب عليه هذه المرة. ويضع “اتفاق ماي” المكون من 585 صفحة، إطاراً واضحاً لالتزامات بريطانيا المالية إزاء الاتحاد الأوروبي، ويحدد الحالة القانونية للمواطنين الأوروبيين في بريطانيا والبريطانيين في باقي الدول الأوروبية، فضلاً على أنه وضع آليات فعلية تنفي ضرورة بناء حواجز حدودية بين شطري إيرلندا. وحسب توافق ماي ستكون سنتين كفترة انتقالية يمكن تمديدها إلى عام آخر، وتبقى بريطانيا خلالها عضواً في الاتحاد الأوروبي دون أن يكون لديها أي مندوب في المؤسسات السيادية للاتحاد. لكن إشكالية “اتفاق ماي” الأساسية هي أنه يمنع بريطانيا من عقد أي اتفاقية تجارية مع دول أخرى كالولايات المتحدة، وأدى ذلك إلى معارضة عدد غير قليل من حلفاء ماي وأعضاء حزب المحافظين لاتفاقها.
اتفاق آخر
وضع حزب العمال يده على إحدى أهم إشكاليات “اتفاق ماي” ألا وهي حالة الغموض وعدم تحديد مستقبل العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. ويعمل حزب العمال على الإطاحة بحكومة تريزا ماي وإجراء انتخابات مبكرة بهدف السيطرة على الحكومة وتدشين مفاوضات جديدة مع الاتحاد للتوصل إلى اتفاق آخر. واقترح حزب العمال أن تنخرط بريطانيا والاتحاد الأوروبي في اتفاقية جمركية مشتركة تستهل التجارة بين الجانبين بعيداً عن الحواجز الجمركية المعتادة. لكن اليمنيين وغالبية أعضاء حزب المحافظين يعارضون بشدة مقترح حزب العمال، ويعتقدون أن قوانين الاتحاد الأوروبي سلبت حرية بلادهم في عقد اتفاقية تجارية مع باقي دول العالم.
وهناك مجموعة أخرى من الأحزاب، تبحث عن صيغة حل لبريكست تعتمد على النموذج النرويجي. وأيسلندا وليختنشتاين والنرويج ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي لكنها جزء من السوق الموحد الأوروبي. ويلزم النموذج النرويجي الدول المعنية بجميع القوانين الأوروبية خاصة قوانين الهجرة، دون أن يكون لديه أي دور في تحديد مضمون هذه القوانين ومن دون العضوية في المؤسسات السيادية للاتحاد. ومن المؤكد أن غالبية النخب الحاكمة في بريطانيا ترفض رفضاً قاطعاً هذا النوع من الالتزام لأنه أقل بكثير مما تطمح إليه لندن من خلال بريكست.
البقاء
أقر الاتحاد الأوروبي بأن بريطانيا يمكنها أن تسحب طلبها بالانسحاب بشكل أحادي الجانب من خلال الآليات الديمقراطية (مثلاً إجراء استفتاء جديد أو تصويت البرلمان البريطاني) لكن من المستبعد أن تذهب لندن بهذا الاتجاه أي إلغاء بريكست، ولا تحظى هذه الفكرة بدعم غالبية أعضاء مجلس العموم البريطاني. ويرى العديد من النخب الحاكمة بأن إلغاء بريكست سيشعل نار الخلافات في البلاد أكثر مما هو الحال عليه الآن. وفي خطوة تحذيرية تصعيدية شهدت لندن مظاهرة لأعضاء حركة السترات الصفراء في 12 كانون الثاني/يناير، ووصفت تلك الخطوة بـ “انتقال عدوة السترات الصفراء إلى بريطانيا”.
وفي المقابل، يأمل داعمو فكرة البقاء في الاتحاد الأوروبي بأن “مأزق بريكست” يؤدي إلى إجراء استفتاء، وبأنهم سيكسبون النتيجة هذه المرة.