لنواصل اكتشاف انسي الحاج

حجم الخط
0

حقيقة لا اعرف ماذا أقول كلما سمعت برحيل شاعر كبير انتابتني حالة من الهيستيريا والصمت المفاجئ وغصة في الروح وفي الأصابع، أتحجر كدمعة ولا استطيع الحراك وكما ان حركة الكون توقفت، وأفتقد الإحساس بي، ينعدم كل شيء من حولي وكأني شبح في صورة فوتوغرافية على جدار آيل للسقوط.
حدث لي هذا مع خبر محمود درويش ومع خبر المسعدي والان مع خبر رحيل انسي الحاج ، بل إن وفاة الكبار والعظماء من رجال السياسة لا تعني لي شيئا على الإطلاق، سأقول أيضا إن الأمر نفسه لا يصيبني حتى عند فقدان احد أقاربي، رحيل شاعر يعني موت شيء في داخلي، في كل مرة يموت فيها شاعر يموت شيء مني، لست حزينا ولكنني مهزوز ولكنني مطعون، لست مهزوما ايضا ولكنني أريد إن أعرف أي قبر بإمكانه ان يكون له مقاس كل هذا الحب قال عنه أدونيس هو الأنقى فينا جميعا وقال عن نفسه :
‘أشعر أحياناً أنّي أكتب من وراء الكتابة كصوت من ينطق من وراء الموت’هو عراب الشعر العربي الحديث ترك كل الأبواب مفتوحة وطار إلى القصيدة التي لطالما طاردها من زمن، هو وريث جبران خليل جبران وحفيده الأوفى والأوحد ؛نبي الكلمات اللقيطة الشاعر المتوهج في الصمت المحارب في ساحات الحب من اجل الحياة الذي رسم بحزنه آلاف البسمات على جدران الأرواح المتصدعة وأعاد ترميمها بخواتمه المضيئة، حامل المشاعل في نفق العتمة الطويل، أنسي الحاج أول الشعراء نافخ الماء في زرقة السماء المعطلة، داهم الماء الآسن الذي كان يغرق فيه الشعر العربي، ودشن لغة جديدة في الكتابة الشعرية، بل هو أول من دشن الشعرية المغايرة، وقد كان الشعراء يعملون في فضاء الشاعرية، دخل للشعر من بابه الأوسع والأصعب وهو أن يحيا الشعر أولا وقبل أن يكتبه وعليه أن يمتلئ به من الشعراء العرب القدامى ومن الشعر الغربي، وهو أول من تصدى لترجمة الشعر الفرنسي الحديث في زمن تألقه رامبو وبودلير ولوتريامون، لوتريامون هذا الذي فتح زمنا مختلفا في الشعر وبقي مغمورا لزمن طويل.
كما يُحسب له انه أول من ترجم عمل سوزان برنار، هذا الأثر الذي أثار الكثير من الجدل وقد فتح عصرا جديدا في الكتابة العربية ؛ ساهم مع يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة شعر سنة 1957وأصدر سنة 1960مجموعته الشعرية الأولى ‘لن’ في منشوراتها وهي اول مجموعة قصائد تصدر تحت اسم قصيدة النثر، ثم تلتها مجموعة ‘الرأس المقطوع’ 1963 بعدها سنة 1965 أصدر ‘ماضي الأيام الآتية’ في سنة 1975 أصدر ‘ماذا صنعت بالذهب ماذا صنعت بالوردة’ لتجيء سنة 1975 مجموعة’ الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع ‘هذي المجموعة المثيرة للجدل شأنها شأن كتابات انسي دائما.
ثم اصدر ‘الوليمة’ سنة 1994 لكنه لم ينخرط في اللُغط الضاج الذي تورط فيه الكثير من الشعراء والنقاد حول قصيدة النثر وظل يكتفي بالكتابة الإبداعية إيمانا منه ان الشعرية الجديدة لا تحتاج الى تنظير ولا تحتاج إلى نظريات ومفاهيم بقدر ما تحتاج إلى مراكمة إبداعية. لم يكتب الشعر فقط بل كان متعدد الاهتمامات في الترجمة والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية.
هكذا هو الشاعر الحقيقي الذي لا يسجن نفسه في بيت أو أبيات ويتوقف عنده الإبداع هناك، بل كانت له الكثير من الآراء في الحياة الاجتماعية والسياسية وكذا كان رأيه فيما يحدث بتونس :
والآن تونس. ما أشبه التونسيّين بوجه صحّارة اللبنانيّين. إخوتنا من أيّام قرطاجة وأطيب منّا. لا يطالعك في وجوههم غير التمدُّن والنور. الآن ينعرونهم في اغتيال شكري بلعيد، شهيد اليسار العربي.
هكذا يرى أنسي الشاعرَ فاعلا ومتفاعلا دونما انفعال أو حياد دونما تخلٍ عن دوره الريادي وهو الطلائعي في مقدمة الريح من اجل الإعلان عن المطر في زمن القتل وزمن الجدب الإنساني لم يترك صاحب ‘لن’ فرصة تفوت عليه ليضم صوته لما هو إنساني بشري وليحول تراحيديته الكونية إلى فرح عنيف بالحياة ضد القتل الهمجي وضد كل ممارسات الإفناء كتب ضد كل ما هو طغيان، وانحاز الى صف الحب والجمال ‘لم يدفئني نور العالم بل قول أحدهم لي أني، ذات يوم، أضأت نورا في قلبه’ هكذا كان دائما يقول وسيظل كذلك فلم يكن متصوفا في صومعته كما نعته الكثيرون بل كان دائما مقاتلا شرسا بالكلمة في جميع الميادين، غير ان عمره انتهى وهو الذي قال ايضا : ‘كانت لي أيام ولم يكن لي عمر’.
لا يزال في انسي ما يجب اكتشافه لقد كان موسوعة فنية وطاقة ابداعية خلاقة فلا اعتقد انه مضى بل فتح لنا الباب مجددا لنحييه فينا إلى الابد.

‘ شاعر تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية