نحن هنا ازاء تجربة فنية ثرّة وواعية تعبث وتهدم الأركان الأساسية لتقليدية الفن البصري، هذا الاسلوب لم نعتده في سياق وسفر الأثر الفني التقليدي، ان تصوير حدث ما والذي يرتقي الى معنى الفاجعة والكارثة الانسانية لابد أن يجسم ويعبر عنه بطرق غير تقليدية، فثقافة الفنان ووعيه وخبراته هي الحافز له لتوظيف أدوات التعبير عن أية ثيمة يشرع في تصويرها باسلوب مغاير لم تعهده الذائقة والعين ومستفز للفكر والوجدان بآن واحد، وهذا ما اعتمده الفنان محسن رشيد الشمري من اسلوب في معرضه الأخير الذي حمل عنوان (أحاسيس).
لكل جيل فني أدواته وعناصره التعبيرية وهذا بطبيعة الحال ينسجم مع حركة التاريخ العالمية، فالمتاح للفنان هنا قد لم يكن متاحا ل جواد سليم عندما جسد لوحة الشجرة القتيلة وصورها على انها فاجعة انسانية ومحاولة تدمير الجمال والخضرة والخصب وربما الحياة، فصور المشهد باسلوب تعبيري دون لبس أو غموض وبأدوات بسيطة وقد تصل الى المباشرة، وهذا يأتي ضمن مفاهيم تلك المرحلة الزمنية لكن بكل الاحوال قد أوصل فكرته وغايته وسلط الضوء على قسوة الانسان وهو يحاول تدمير الطبيعة بوحشية الذكورة وحدَّة فأسه وافتتال عضلاته التي يتباهى بها من قمع واجتثاث للجمال.
ثمة عمل مازال عالقا بالذاكرة وهو عمل بيكاسو عندما جسد العنف والتوحش الذي مارسته الطائرات الالمانية وهي تقصف مدينة غرنيكا الاسبانية التي أصبحت أيقونة عالمية وثقافة سائدة في تلك المرحلة التاريخية لتعبر عن وحشية الحرب وما تخلفه من مآس وكوارث وتدمير للإنسان والقيم الانسانية، لكن هنا قد جسد الحادثة (بيكاسو) باسلوب فني فقد مزج فيه بين الاسلوب التكعيبي والسريالي والرمزي لتصوير هول المشهد.
محسن الشمري لم يكن بيكاسويا ولا جواد سليم في اسلوبه البغدادي واسلوبه التعبيري الذي ظهر جليا في معرضه (أحاسيس) رغم وعيه وثقافته وسعة آفاقه الاكاديمية للاساليب الفنية الشائعة، فخط له اسلوبا مغايرا يمثله هو ويعبر عنه ليتناسب وينسجم مع موضوعاته والتي تبدو واقعية في زمنيتها وهي بمثابة توثيق لما حدث ويحدث ضمن حدود الجغرافيا ليصور ذات المشهد الوحشي واللانساني الذي تعرض له شعب بأجمعه من كوارث الحروب المتعاقبة وما ألم به من محن وماس يندى لها الجبين، لذا لم يجد الاساليب التي وظفها كل من بيكاسو وجواد سليم قادرة على تصوير حجم الفاجعة، ويرى أنها ادوات قاصرة بالتعبير والفهم والتجسيد وبث الخطاب التدميري لشعب وحضارة ووجود ومكان.
لقد جسد لوحاته الثلاث وعشرين في معرضه هذا لتشكل مسلسلا متصلا في أحداثه وسياقه ونسقه الفني والثقافي وبناه الاسلوبية شكلا ومضمونا، فقد وظف اللامعقول في تجسيد المآسي من خطوط عريضة غير متصلة وكتل مركبة بحجوم ومساحات غير منتظمة والألوان الحارة لتعبر عن انفعالات الوجع وفظاعة الحدث لذا غدت لوحاته لوحات فواجع.
يلحظ أن الهرمونية المفقودة بين الألوان والأشكال تعبر عن حالة فوضى، فهي جداريات ملطخة بأفعال خارج سياق المعقول لجسامة الفعل، ويتضح ان خامة اللوحة ومساحتها لا تستوعب حجم الفكرة واتساعها وهولها عليه، فلا توازن في شيء من حيث الفضاءات فهي ثلاثيات وتركيبات غير متسقة ومتنافرة المساحات على السطح ولا سيادة لها لتؤكد على نصية اللامعقول.
فتتناثر الأشكال والمجسمات على شكل أشلاء مبعثرة وطائرة وساقطة وجاثمة وهي شارات وعلامات تعبيرية عن حالات رعب وهول المشهد.

لقد جسد الفنان في أغلب لوحاته الوجوه بلا ملامح لكنها توحي من خلال دلالاتها كضحايا في بعضها والبعض الآخر ترمز وتوحي الى وجوه ملثمة وتحمل أدوات قتل وتظهر بعض النقاط الحمر كدلالة على الدم المسال، وتشهد في بعض زوايا لوحاته أياد وأيقونات وحروف باللغة الانكليزية وعلامات مختلفة ومنها حرف N وتعني شمال الكرة الأرضية وهي شارة إلى دولة بعينها ترمز توحي الى الظلامية وكأنها دخلت فضاء المسرح لتعبث بكل أشيائه وتقصيها وتحيلها الى ركام وحطام وجثث، فيظهر المشهد والسطح التصويري عبارة عن سيمفونية دم وقتل وابادة من قبل هذه الرموز والأيقونات التي تعبر عن فاعل أجنبي ويحتل اللون الاحمر اغلب فضاء اللوحة، وما يتركه الفنان من بقع ضوء بين الاشلاء والتكوينات على فضاء اللوحة فهي بمثابة دلالة على القتل بأريحية وبوضوح الشمس.
لوحات الشمري تشي أن تكون طفوفا دامية وغورنيكا يومية، انها ليست عذابات الحلاج أو المسيح وليست بجحيم دانتي ولا اسطورة سيزيف أو تراجيديا شكسبير، أنها يوميات عراقي يقبع تحت سياط وأدوات قتل المحتل.
وفي مشهدية أخرى يصور الفنان الكنيسة والجامع قائمان متجاوران لكن ملامحهما مشوهة ضبابية وعليها اثار الحروب كأنهما بعيدان وغير منسجمين وهنا التضادية الثقافية التي غدت طافية على سطح المشهد كجزء وصفحة من حالات التدمير لكل وشائج المجتمع وبنيته.
تشي لوحات محسن الشمري بعدم انتظام حجومها ومساحاتها، فلا اطارات واضحة المعالم للوحات وكأنها جداريات مفتوحة لكل تأويل ولكل قراءة.
يمكن القول ليس هناك تناسق في كل شيء ولا مكان جامع للجسوم البصرية التصويرية، فهي لوحات داخل لوحات خلقت كمركبات داخل النص الواحد وهي علامة وتقنية يوظفها الشمري في مشغولاته ضمن مساحة واحدة ولكل جسم إضاءة مختلفة، واعتمد الفنان على الية المونتاج البصري بالتقطيع للمشاهد واللصق وقد كتب سيناريو لكل مشهد مختلف عن المشهد الآخر رغم وجوده في ذات الحيز المكاني من فضاء اللوحة، فهو يقرّب هذه الحركة وهذا الفعل لتحتل الأبعاد المنظورية بطريقة اخراجية سينمائية كأداة للتعبير عن الفكرة والانفعالات الوجدانية ولتسليط الحزم الضوئية على هذا المشهد دون سواه وبالعكس، فهنا يؤدي محسن الشمري دور المخرج وكاتب السيناريو والحكاية في ذات الوقت.
لقد تقصد الفنان على اقصاء وتغييب البعد المنظوري وزوايا الرؤية في أغلب لوحاته. وأحال مكوناته الشيئية كظلال واشباح على خلفية المسرح اي خلفية اللوحة كاجناس وكائنات غير مرئية وباللون الداكن المعتم للدلالة على الغموض في تنفيذ الفعل الجرمي وكذلك يوحي إلى السوداوية التي يعيش في ظلها الإنسان.
لقد صور وجسد الفنان لوحاته بمخيال واسلوب العبث واللامعقول، فرؤاه ليست أحلام يقظة بل أنها لحظة اليقظة التي تحولت إلى مشهد اسطوري بفعل فاعل، وكان شاهدا وحاضرا ورآى كل شيء، فجاءت رؤاه من ثيّم ودلالات وصور كما نقلها لنا جليّة المعنى واضحة الرسائل.
يبدو أن كل ما وظفه من خامات وألوان وعناصر وتقطيع ولصق وإضاءة وظلال ومن مختلف الزوايا تم ذلك بقصدية شديدة وواعية لتخدم ثيمة النص البصري.
يشي المشهد هنا عشوائيا وعبثيا من خلال النظرة السطحية لمشغولات محسن الشمري، لكنه في حقيقته منظم محسوب في غاية التقنين والدقة والاحترافية ضمنا وعمقا ليصل الى ترف الجمال التشكيلي ونشوة النص المنشأ.
لقد أرسى في اسلوبه فكرة الهدم والتفكيك ومن ثم التركيب وتجريد للمكان دون تحديده للحظة الزمنية وهذا يدل على احتمالية المجهول وغياب الحدس لنهاية المشهد الفوضي.
والسؤال: من هو البطل على المسرح التصويري ومن هو الشبح والظل والبوصلة التائهة،وذلك لان ما يحدث على مسرح الجغرافيا هو خارج سياق العقل والتاريخ ؟
لابد من التأكيد على أن الفواجع أكبر مما يعبر عنها الفنان بعناصر فنية وتعبيرية وحتى بأسلوب سريالي أو عبثي لهذا أطلق الفنان فرشاته دون قيد وشرط لحدود أكاديمية التشكيل وقوننته وكسر كل قواعد التقنيات الفنية السائدة، لكنها تقترب من مفهوم المدرسة السريالية والدادائية (والدادائية كانت مظهرا للفوضى الضاربة في تلك اللحظات الحرجة فـي تأريخ العالم، وشكلاً من أشكال الاستخفاف والازدراء بالمبادئ التقليدية وبالثقافة النمطية، وكانت بمثابة رد فعل لمذهب التجريد الصارم، تبنت هذه الحركة جماعة من الأدباء وفناني أوروبا الذين تلبسهم العبث واللامبالاة وتدفعهم روح العدمية والرغبة في سد الفراغ، إذ رسموا الأشكال التي لا تعني شيئا).
لوحات الشمري تشي أن تكون طفوفا دامية وغورنيكا يومية، انها ليست عذابات الحلاج أو المسيح وليست بجحيم دانتي ولا اسطورة سيزيف أو تراجيديا شكسبير، أنها يوميات عراقي يقبع تحت سياط وأدوات قتل المحتل.
كاتب عراقي