لوحة «الأقطاب الزرقاء»: الواقع الأمريكي والجذور الأوروبية

حجم الخط
0

لئن كان الأمريكي جاكسون بولوك يقترب كثيرا في طبيعة شخصيته العدمية المتمردة، من رائد النهضة الفلورنسية وفارس الجداريات والمنحوتات الإيطالي مايكل أنجلو (القرن 15)، فإن الاختلاف في طبيعة أعمالهما مؤكدٌ، نظرا للمنحى الرمزي الذي اتبعه الفن التعبيري المعاصر. يظهر ذلك بوضوح في عمل «الأقطاب الزرقاء، المعروف بـ»رقم 11»، للفنان الأمريكي العالمي جاكسون بولوك، الذي تم إنجازه في 1952. وهو إنتاجٌ لوني عملاق بمقياس (4.88×2.12 متر). تعدى مفهوم اللوحة التقليدية وما تتضمنه من متطلبات (المحمل، الخامة، الوسط، الأبعاد، الشخصيات، الأفق..)، وفتحَ المجال لقراءات جديدة للعمل، قلبت الواقع الفني رأسا على عقب، وشدت الكثير من الاهتمام العالمي، وغيّرت المفاهيم التقنية التشكيلية، بتعزيز التحول الجغرافي من فرنسا وإنكلترا (أوروبا) إلى العالم الجديد ( الولايات المتحدة الأمريكية) بتحول تقني مفاهيمي محوري، تزامن مع فترة انتقالية زاخرة بالمعطيات والتحولات، فجاء فجر التأسيس متلائما مع الطبيعة المتجددة.

التحولات التشكيلية في عمل «رقم 11» وملامح ظهور حركة تعبيرية جديدة

إن وقع صدى تأسيس مدرسة نيويورك (1950) كردة فعل على مدرسة باريس التي كانت تضم خيرة التجريبيين والطلائعيين مثل، شاقال وبيكاسو وسوتين وموندريان وغيرهم، والمرور إلى اعتماد الخامة الصناعية (الألمنيوم، صباغة السيارات، مسحوق الزجاج émail) لاسيما في إنتاج عمل «الأقطاب الزرقاء» الذي جعل من بولوك يحمل مشعل الفن العالمي، لا يكفي وحده لتمييز هذا المسار الثوري الذي أطاح بالتقنيات الكلاسيكية المستلهمة من الطفرة الرياضية والهندسية والميكانيكية والفلسفية بعيد العصر الوسيط، إنما مجمل النشاطات والممارسات التقنية والفنية لفترة ما بعد الحرب الكبرى، هي التي هيأت لتحول نوعي من التعبيرية الألمانية والفرنسية (اللون) إلى التعبيرية التجريدية النيويوركية (الجسد، الحركة، الفكرة)، من ذلك ما ظهر في العمل «رقم 11»، الذي ألغى فكرة الجوهر والأطراف باعتماد تقنية (أول أوفر all over) أو ما يعني كل الأنحاء. لتتحول بذلك الأطراف إلى جزء من المركز، ما جعل العمق يتراجع والبعد يذوب ويتماهى مع مختلف التقسيمات والخطوط العمودية والمواد المتلائمة رغم طبيعتها الصناعية، إضافة إلى التقنية المختلفة تماما، التي تعتمد على أداء الفنان وتفاعله مع الموضوع المراد تقديمه عبر تقنية التقطير (dripping) وتعديل مفهوم حدود ومقياس العمل، نظرا لانفتاحه على تلبية ضرورات محيطه، وسكب الخامات عبر التراكب ( superposition).

جاكسون بولوك

فكان اتجاه رؤية اللوحة غير محدد، مع غياب معطييْ الطول والعرض، وتعدد زاويا النظر. فأصبحت مساحتها بمثابة حلبة عرض (arène) لأداء الفنان ولنقل حركة جسده وتصوير نشاطه، ومرآة عاكسة لنغمية ليرية (شعر، موسيقى) متواصلة مع المحيط الثقافي والمرجع العقائدي، كالإشارات البدائية في اللوحة، التي تحيلنا إلى طريقة الهنود الحمر في توزيع الرمال على مساحات أفقية أرضية منبسطة لأغراض علاجية وتعويذية طوطمية ( totem) لاسيما وأن الفنان نشأ في الغرب الأمريكي. غير أن نسقية التناول الوفية للنظرية الجمالية ربطت العمل بالحتميات التقنية اللازمة للحفاظ على مضمون جمالي فكري بأبعاد علمية وإنسانية، وهو عنصر حاضر في هذه اللوحة.

ماهية المرجع النظري الأوروبي بين التعليق والتطبيق

تنعكس حركات بولوك المُتأزمة تارة، والمتمردة طورا مباشرة على اللوحة لتنتج مجموعة من الخطوط المنفعلة المتعامدة والمتعارضة أفقيا وعموديا. فكان استعمال حقيبة لونية تقابلية متعاكسة تجمع الأبيض والأسود، بمثابة توليفة تذكرنا وإن بشكل مختلف بالضوء والظلام عند رمبراندت، كما أن التقاء الأزرق بالبرتقالي والأصفر بالبني حافظ على القاعدة اللونية الكلاسيكية التي تفصل اللون الحار (البرتقالي) عن اللون البارد (الأزرق)، في إشارة إلى الدائرة اللونية (cercle chromatique) وكلها معطيات تؤكد حرفية الفنان وعمق جانبه الأكاديمي النظري الكلاسيكي. فكان الحنين الأوروبي عاملا من عوامل نجاحه، وهي أكثر من مجرد إشارات عابرة تُبين ثقل حضور هذه المدرسة، عبر عنصرين اثنين: الأول تقني ويعود بنا من جديد إلى الجذور الأوروبية، سواء في الفترة الكلاسيكية، أو مع بداية الفن الحديث (توزيع العناصر اللونية، التكعيب المتأخر عبر إدماج مواد مختلفة، التلصيق، التغرية marouflage). والثاني فردي شعوري، عبر السرعة والإطناب في الحركة الماراثونية بطريقة لاإرادية وقبل استدعاء الوعي لنفسه في المشهد. وهي إشارة سريالية تعود بنا إلى التجريبية (avant garde) التي كانت بمثابة ورشة انتقال للفن المعاصر، وكلا العنصرين حامل لمراجع تنظيرية فنية أوروبية.

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية