لوعة الحياد في حرب الأضداد

حجم الخط
0

رحلة الأحزاب الفضائية بحثاً عن الموضوعية
هل أتاك حديث ‘الموضوعية’!
قل هي واحدة من الكلمات التي كلما قلّ وجودها زاد الحديث عنها. أو هي كائن من فصيلة نادرة يزداد حضوره بقدر عمق غيابه. الفصيلة التي تجمع الكثير من الكائنات المعروفة،’كان أشهرها ‘الاشتراكية’ التي ملأت الأحداق والأشداق في البلدان التي حملت رايتها في الوقت الذي كانت قد تبخرت من كل وجدان، ولم يتحقق للناس بفضلها من الاشتراك سوى الفقر والقهر. أما إن سألت عن المكان الأكثر إنتاجاً لهذه الكائنات، فستجده حتماً في البلدان العربية. هناك حيث تتسع الهوة بين الأقوال والأفعال حتى تصبح المراسلة بينهما شبه مستحيلة. يكفي أن تبحث عن الازدهار والتقدم والحرية والكرامة، كي تجدها أسماء للعشوائيات والضواحي البائسة حيث لا أثر للازدهار أو التقدم أو الحرية أو الكرامة إلا في أحلام الطيور الصغيرة التي تملأ شقوق الأسقف ليلاً. ولا ضرورة للحديث عن كائن ‘العروبة’ الذي أُمعن في ركوبه حتى لم يبق منه سوى سرج متهرئ.
على هذه الحال تبدو ‘الموضوعية’ في الإعلام كنموذج معقد من الكائنات يحار العلماء في أصله، فمنهم من قال إن أصله فضائي، ومنهم من اعتبره نتاج طفرة تزاحمت فيها جينات الوهم بالحقيقة، والصدق بالتزوير، وهناك من ينكر وجوده ويعتبره واحداً من أساطير الأولين. فهل هي موجودة حقاً أم أنها بقية من ذاكرة جمعية وتخاريف تراثية؟

أنا وابن عمي على الغريب

لنعترف بداية أن البحث عن حقيقة هذا الكائن لا يقتصر على الفضائيات الإخبارية العربية، فالسؤال يبقى جديراً في أوساط الإعلام الغربي، ذلك أن الإعلام الأكثر تحرراً واستقلالاً في العالم ابتلاه التاريخ بخطوط حمراء، وحين توجد الخطوط الحمراء يقال إن الموضوعية تذوب كفص ملح من تلقاء نفسها.
الغرب بقوته وطول تاريخ سيطرته وقدرته على التحكم، يضع عناوينه باعتبارها تمثل العالم أجمع، ويرتاح لأحكامه وتقييماته وكأنها الطاهرة المنزلة من السماء، وهو إذ يوسع صدره في رصد ظواهره الداخلية حتى أدق التفاصيل، ولا يتردد في نقل الأحداث والآراء والتعليقات حتى لو طالت رأس الدولة، يضيق صدره حين ينظر إلى الخارج فيتناوله عبوراً، ويسارع إلى رسم العالم بلونين ساطعين: من معنا ومن ضدنا، لتكون ‘معنا’ مرادفة للحق والحرية والعدالة، و’ضدنا’ مرادفة للشر والقمع والظلم. لذلك لا يكترث، ولم يكترث يوماً، بنقل وجهة النظر الأخرى حين تلامس ‘الخطوط الحمراء’، ولم يفتح فضائياته لرأي مخالف في الحروب التي تخوضها بلاده ضد البلاد الأخرى، لتتبدل صورة الاحتلال لديه مثلاً، فتجد الذاكرة الاستعمارية نفسها أكثر تأثراً بالرحيل الحزين لعائلة مستوطن من القهر المتراكم لدى مقاوم يريد اقتلاع الاحتلال، وسواء كانت المشاكل بعد ذلك مع العرب أم تركيا أم روسيا أم الصين أم إيران، وقبل ذلك المعسكر الاشتراكي، لا يغادر الرأي الآخر النمطية. بل إن هذا الإعلام المهووس بعدالة فرص الحوار حتى أنه يوازن بالثانية مداخلات سياسييه، يفضل أن يكون الرأي الخارجي المختلف منقولاً لا مباشراً، ذلك أن صوت البطل، على حد تعبير السرديين، يجب أن يبقى ملكاً له، ملكاً للأنا ولأخيه وربما ابن عمه لكن حتماً ليس للغريب. ولك أن تتخيل كم تملك عائلة الأخوة وأبناء الأعمام في الغرب من سطوة تخولها تهميش الغريب وكتم أنفاسه.

معلبات الرأي .. ومفرقعات اللارأي

من فضل التاريخ علينا ألا شيء من هذا التحيز موجود في العالم العربي، بل نحن على ثقة بموضوعيتنا إلى درجة أننا لا نكتفي بنقل الرأي والرأي الآخر بل نصنعهما بأنفسنا ليكونا عبرة لمن يعتبر. فالإعلام الذي مازال يدور في فلك إعلام السلطان، قريباً أو بعيداً عن شمسه، ليس لديه ما يقوله داخلياً، فالجعجعة ليست من أصوات القول، لذلك وجه عمله إلى الخارج، وإلى الأمة مترامية الأطراف، متنطحاً لأداء رسالته الإنسانية. بيد أنه، وككل أصحاب الرسائل، قادته الهموم الثقيلة، والأهداف النبيلة، إلى أن يصبح حزباً سياسياً بعقيدة صلبة وحقيقة واحدة وموقف جاهز. الموقف الذي عادة ما يبدأ بالقضايا المتفق عليها لدى جمهوره العريض، وهل أجمل من فلسطين وأحوال بلاد المسلمين لتأدية هذه المهمة، ثم سرعان ما يمتد حتى لا يترك شاردة أو واردة إلا ويحدد موقفه منها وموقفه من كل من لديه موقف مخالف منها. كل ذلك في سبيل تصنيع الحدث وتعليبه وتغليفه لتكون البضاعة جاهزة للاستخدام من قبل المشاهد فلا يرهق نفسه بعناء التفكير لا قدّر الله.
ليس لأحد أن ينكر التطور الملحوظ في تقنيات التصنيع تلك، ولا أبهة الصورة الخلابة والديكورات الجذابة والوجوه ‘الحبابة’، لكن ذلك لا يغير من أن هوية هذه المحطة أو تلك باتت واضحة بموقفها وعقيدتها لا في أدائها وحرفيتها أو، اللهم سامحنا على الشطط، في امتلاكها للكائن الأسطوري الخالد: ‘الموضوعية’. وما زاد الطين بلة أن الحراك الجماهيري العملاق الذي هزّ أنحاء العالم العربي في السنوات الأخيرة فرض حالة فرز وتشدد انهارت معها كل المظاهر التجميلية الحدثوية التي كانت تدوّر زوايا المواقف الجاهزة للفضائيات. الفرز بدأ في وصف الحراك ما بين ربيع أو خريف، ليتنوع بعد ذلك بأن تقرر محطة ما، وفق معطيات الطقس والجيولوجيا، أن الحراك ربيع في دولة، وخريف في أخرى، وتتفاقم الحكاية بأن يسعى هذا المنبر أو ذاك إلى تشكيل الربيع وفق هواه، بينما تتمنى منابر أخرى أن تقلب الطاولة بما عليها. وهكذا كان للثورات أن تنجح في إنتاج مئات الأحزاب على الأرض، ومثلها في الفضاء. وبات المشاهد بعد كل ذلك يبحث عن الفضائية التي تحكي ما يريد سماعه، فطالما أن المحطات تختار مما يحدث ما يناسبها، وتصوّره كما يحلو لها، لم يعد بإمكان المشاهد أن يعرف ما يحدث واقعياً، ولن ينفع معه بعد ذلك، وهو الخبير المتابع رغم أنف النخبة، أن يُقسم أهل الفضائية صباح مساء أنهم خير من استقبل طائر الموضوعية النادر، لتقتل في النهاية الحقيقة بنيران صديقة.
أما الفضائيات غير المتحزبة، التي رزقها الله بدعم أقل اشتراطاً، وسياق أكثر انفتاحاً، فراحت تتلون بتلون طواقمها، فهي مرة مع الثورات ومرة ضدها، ومرة تغطي على جرائم طاغية، ومرة تغطي على جرائم معارضة، وإمعاناً في الإخلاص للموضوعية يصبح الإعلام بلا مبدأ، ويصبح بإمكانك أن تتخيل أن هذه الفضائيات لو كانت زمن هتلر لجمعت في استوديوهاتها زعيم الغوستابو إلى مقاوم للاحتلال النازي في شرق أو غرب أوروبا، ولدخلنا معهما في تفاصيل قوة النقاش، وخباثة العبارة لهذا الطرف أو ذاك، بينما تقتلع القنابل الأجساد من بيوتها، والأرواح من أجسادها، فالموضوعية بشكلها العجائبي هذا لا تجد مانعاً من جلوس سفاح تتقطر دماء ضحاياه من يديه وسط الاستوديو ليشرح لنا كيف نحمي أعياد الطفولة من المفرقعات! كما أنها لا تقبل، وهي الموصوفة بالاستقلال، أن تسمي من يحكم شعبه بقوة السلاح والأمن لعدة عقود دون إجراء أي انتخابات رئاسية في جمهوريته بـ ‘الطاغية’، ففي ذلك خدش لحياء الأسطورة، وقد تهتز مشاعر كائن الموضوعية وتسقط من عينه الجريئة دمعة!

متخصص في جميع الاختصاصات

مع ذلك علينا الاعتراف بأن الفضائيات الإخبارية العربية، على تحزبها وتلونها باتت لكثرتها وتنافرها واختلاف مواقفها، أقل نمطية وأكثر تنوعاً بما لا يقاس من الإعلام الغربي في متابعته للقضايا الخارجية، غير أن لبلدان المؤسسات قدرتها على صنع الفارق، فحين تريد أن تعرف أكثر يجدر بك أن تتابع الإعلام الغربي، ذاك أن محلليه ومفكريه من ضيوف الفضائيات مازالوا يتمتعون بقدر غير قليل من العلمية والمنهجية، ومازالوا قادرين على منح المتلقي معلومات وتفاصيل وتواريخ تساعده على اتخاذ موقف مبني على معرفة وعلم، فأحدهم لا يصبح ضيف نقاش في فضائية ما لم يكن قد أصدر كتباً وأعد بحوثاً وخط مقالات تخص شأناً محدداً في تخصصات تزداد دقة يوماً بعد يوم. بينما يصعب التفريق لدى ضيوف الفضائيات العربية بين مفكر ومحلل وعالم، وبين السياسي والمتحزب بل والأفّاق، والأفّاق هنا هو من لم يُعرف عنه قبل أن تنهال عليه أضواء الإعلام ما يمنحه صفة المحلل، حتى بات ‘التحليل السياسي’ صنعة من لا صنعة له، أما الاختصاص فدعك منه فهو مجرد فذلكة غربية، ثم هل لفضائية أن تحلم بأفضل من محلل مختص في جميع الاختصاصات!
في عرس الضيوف ذاك لم يعد ينتظر المتلقي معلومة ليبني عليها، وفكرة ليناقشها، بل فقط مواقف تناطح مواقف، ولا بأس في سبيل الموقف الوطني المؤمن الشريف، أن يمرر هذا الضيف كذبة هنا، ويخترع حكاية هناك، فالهم في النهاية ليس الحقيقة الصغيرة، بل الحقيقة الكبيرة متمثلة بكسر رأس الآخر، وعلى الملأ.. لكن دائماً.. بموضوعية!!
‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية