يهود متديونون في "مئة شعاريم" يحتفلون بعيد الغفران رغم تفشي جائحة كورونا - أرشيف
باريس- “القدس العربي”:
قالت صحيفة لوفيغارو الفرنسية إنه في الوقت الذي منعت السلطات الإسرائيلية الخروج والتجمعات من أجل الحد من تفشي العدوى بفيروس كورونا، فإن الاحتفالات لم تتوقف قط في الأحياء التي يقطنها اليهود الأرثوذكس المتشددون، ضاربين عرض الحائط إجراءات الحجر الصحي المفروض في البلاد، ومجبرين الشرطة التي واجهت المتمردين في البداية على غض بصرها عن تجاوزاتهم هذه في نهاية المطاف.
وأوضحت الصحيفة أنه مع إقرار الحكومة الإسرائيلية مزيدا من القيود على حركة التنقل ومنع التجمعات من أجل كبح تفشي فيروس كورونا، يواصل العديد من المواطنين الأرثوذكس المتطرفين “الحريديم” حياتهم بطريقة عادية، ويحيون احتفالاتهم في حي “ميئا شعاريم” رافضين الامتثال للقيود التي فرضتها الحكومة للحد من تفشي كورونا، وذلك بالرغم من أن هذه الفئة من المواطنين الإسرائيليين تعد الأكثر تضرراً من جراء وباء كورونا، ضمن المجتمع الإسرائيلي. لكن ذلك لم يمنعهم من عيش حياتهم الخاصة ومواصلة احتفالاتهم الليلية.
تفشي الفيروس بينهم لم يمنعهم من عيش حياتهم الخاصة ومواصلة احتفالاتهم الليلية
وتصف لوفيغارو المشهد في حي “ميئا شعاريم” كالتالي: حافلة بمكبرات صوتية تبث موسيقى صاخبة من أوروبا الشرقية طوال الليل، يتراقص على أنغامها شباب ومراهقون ذكوراً وإناثاً مرتدين أزياء تنكرية احتفالية.. يضحكون ويتصبب العرق منهم، في مشهد يوحي بأن الحي الذين يوجد به يخضع لقانون خاص باليهود الأرثودوكس فقط، لأن باقي الأحياء في بقية الأراضي الإسرائيلية تخضع لحجر صحي صارم منذ يوم التاسع عشر من أيلول/سبتمبر الماضي.
وتتابع لوفيغارو وصف المشهد قائلة إنه في مدينة القدس الصامتة، يحتفل اليهود بمناسبة “عيد العرش اليهودي”، وهو عيد يتم فيه بناء عريشة وتزيينها واستقبال الناس والجلوس فيها على مدار سبعة أيّام. ويعد ذلك تقليدا يهدف من خلاله اليهود إلى تذكر أن أسلافهم ناموا أربعين عاما في الصحراء، وهي فرصة أيضا للتعايش وجمع الشمل العائلي والالتقاء بالأصدقاء والجيران، ما يحول هذه الاحتفالات إلى بؤرة حقيقية لانتشار عدوى فيروس كورونا.

وإذا نظرنا إلى معدلات الإصابة بفيروس كورونا في إسرائيل نجد أن عدد المصابين في أحياء اليهود الأرثوذكس يفوق خمسة أضعاف عدد الإصابات في الأماكن الأخرى من إسرائيل، علما أن إسرائيل تعتبر من بين الدول الأكثر تأثرا بالوباء الشهر الماضي مقارنة بعدد سكانها.
أمام هذا الوضع الكارثي أوصت لجنة متابعة ملف مكافحة وباء كورونا في إسرائيل بفرض حجر صحي على المناطق الأكثر تضررًا فقط، لكن رفض الأحزاب الدينية لهذا القرار دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إصدار أوامر بفرض حجر عام في البلاد، غير أن المجتمع الأرثوذكسي المتشدد، والذي يمثل 12% من سكان إسرائيل، ضرب عرض الحائط القرار الحكومي الذي يخص أكثر الأماكن رمزية في الأحياء الدينية في القدس.
وفقا للتقليد اليهودي تم تنفيذ معظم الوصايا في إطار المجتمع، حتى إن تعلم التوراة لا يتم سوى في جماعة. الأمر نفسه ينطبق على أهم الاحتفاليات اليهودية من بينها: روش هاشاناه، ويوم كيبور، وعيد المظلة (سوكوت)، وكلها تستدعي التجمع والالتقاء مع العائلة والأصدقاء. في هذا الإطار يعترف الحاخامات بأن فيروس كورونا خطير على حياة المؤمنين، لكن الأهم هو إنقاذ أرواحهم، علاوة على ذلك فإن المؤمنين لا يهتمون بتصرفات وتعامل بقية المجتمع الإسرائيلي مع هذا الوباء حسب تعبير شوكي فريدمان، مدير مركز الدين والأمة والدولة في مركز أبحاث معهد إسرائيل للديمقراطية.
من جهة أخرى –توضح لوفيغارو- أثار انتهاك قواعد الإغلاق من قبل هؤلاء الأتباع المتشددين دينيا، حفيظة جمهور إسرائيلي أوسع، ممن امتثلوا للقيود التي فرضتها الحكومة لوقف تفشي فيروس كورونا.
حي ميئا شعاريم الذي يسكنه خمسون ألف نسمة يحتل مكانة خاصة ضمن مجتمع اليهود الأورثوذكس وعددهم مليون إسرائيلي متشدد، هؤلاء يرون أن الكيان الإسرائيلي قام بخلاف إرادة الله، وأن تجميع اليهود وإقامة دولة لهم هو تعجيل لنهايتهم، لذا يرفضون المساعدات التي تقدمها الحكومة الإسرائيلية، بل يدعمون إقامة دولة فلسطينية ويرفعون علمها في قلب حي “ميئا شعاريم”.

لذا بمجرد أن تحاول السلطات الإسرائيلية فرض تطبيق إجراءات الحجر الصحي، تندلع مواجهات عنيفة بين الشرطة الإسرائيلية والحريديم الشباب الذين يرفضون الانصياع لتعليمات الحكومة الرامية إلى لجم انتشار فيروس كورونا، شباب يرتدون عادة أزياء يهود شرق أوروبا وهي معطف أسود طويل وقبعة سوداء وبالإضافة إلى “الطاليت” وهو شال خاص بصلاة اليهود.
هؤلاء الشباب يسعون إلى الدخول في مواجهات مع الشرطة التي تتهمهم تارة وتغض الطرف عن تصرفاتهم تارة أخرى، ما يعكس تردد الحكومة الإسرائيلية في التعامل مع اليهود المتشددين، علما أن رئيس الوزراء بينيامين ناتانياهو يحتاج إلى ثقلهم السياسي إذ يرى مراقبون أن التحالف التاريخي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة (الحريديم)، تجاوز عدة عقبات حدثت خلال أزمة فيروس كورونا، بل يتعزز الآن بعدما بدأ تحالفهما القوي ينهار في الصيف، تقول لوفيغارو.
على الميدان تسعى الشرطة الإسرائيلية إلى التأقلم مع الحياة الخاصة لليهود الأرثوذكس، من خلال تنظيم دوريات خاصة تتفادى إثارة حفيظة هذه الطائفة، وتسمح لها بالتجمعات في الأكواخ والمعابد اليهودية والمدارس الدينية شرط أن تكون التجمعات سرية، طبقا لاتفاق غير رسمي بين المحافظات الأمنية المحلية والممثلين الدينيين لحي “ميئا شعاريم”، كما كشفت عن ذلك صحيفة هآرتس الإسرائيلية. منذ ذلك الحين، انخفض عدد الاعتقالات خلال الاحتجاجات في القدس، وفقا لتصريحات المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية، تختتم الصحيفة الفرنسية.