باريس-“القدس العربي”:
في تقرير بعددها ليوم الثلاثاء الـ 16 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، حذّرت صحيفة “لوفيغارو’’ الفرنسية من مغبة أن المعارضين السعوديين في الخارج، و الذين سبق أن تمّ اختطاف بعضهم، باتوا اليوم يخشون – أكثر من أي وقت مضى -من الانتقام، بعد حادثة اختطاف الصحافي السعودي البارز جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.
“لوفيغارو’’، توقفت في بداية التقرير عند حالة وائل الخلف، الشاب السعودي المُعارض والنشط على منصات التواصل الاجتماعي والذي يقيم في فرنسا منذ عام 2003، ولكنه قرر الرحيل عنها قبل أيام قليلة من اختفاء جمال خاشقجي، بعد تلقيه تهديدات -عبر الهاتف و” سناب شات “و “تويتر”- من قبيل: “ستموت.. سوف نُعيدك إلى السعودية .. انتظرنا ’’. الأمر الذي دفعه إلى التوجه إلى أحد مخافر الشرطة الفرنسية للإبلاغ عن هذه التهديدات، لكن الشرطة ردت بأنه ، في غياب التهديدات الواضحة التي تتسم بخطورة كبيرة، فإنها لاتستطع حمايته. وهو مبرر تفهمه وائل، معتبراً أن “فرنسا لا تستطيع أن تضع شرطيين أمام منزله’’. ليجد نفسه مضطراً إلى مغادرة البلاد خشية من الاختطاف.
وائل، الذي سبق له أن سجن لمدة أربعة أعوام في السعودية، أكد أن “ما حدث للصحافي البارز جمال خاشقجي لم يفاجأه، لأنّ النّظام السعودي الحالي هو نظام مجرمٌ وخطيرٌ بالنسبة للسعودية أولاً، ولكن أيضاً بالنسبة للولايات المتحدة وفرنسا. وبالتالي فإنه كان من المتوقع أن يفعل محمد بن سلمان كل شيء لتصفية جمال خاشقجي، الذي أصبح مزعجاً له، بحكم قربه من دوائر المخابرات السعودية ومعرفته لأمور كثيرة“.
وتابعت الصحيفة الفرنسية القول إنه على غرار العديد من المعارضين السعوديين الذين لجأوا إلى الخارج، يفسر وائل الخلف ما حصل مع جمال خاشقجي بأنه “رسالة إلى جميع المعارضين الذين يتحدثون ضد النظام السعودي المستبد، مفادُها أنه يمكن الوصول إليهم أينما كانوا’’، تماماً كما حصل مع ثلاثة أمراء سعوديين، كانوا في المنفى في أوروبا، والذين أعيدوا قسراً إلى بلدهم بين سبتمبر / أيلول 2015 وفبراير / شباط 2016. ومنذ ذلك الحين يعاودوا الظهور. وهم: سلطان بن تركي بن عبد العزيز ، الذي وجد نفسه في السعودية بعد إقلاعه من باريس متوجهاً إلى القاهرة. ثمّ سعود بن سيف النصر، صاحب التغريدات المنتقدة للنظام الملكي، والذي، بدلاً من الهبوط في العاصمة الإيطالية روما، تمت إعادته إلى الرياض. وأخيرا الأمير تركي بن بندر الذي اعتقل في المغرب من قبل السلطات المحلية قبل ترحيله إلى السعودية.
واليوم أيضا أكثر من أي وقت مضى، فإن الخوف أصبح يُسيطر على عدد من المعارضين السعوديين، من لندن إلى سيدني مروراً بأوتاوا وبرلين. ففي لندن تؤكد صحيفة “لوفيغارو’’ أن المعارض السعودي غانم الدوسري، النّشط جداً على منصات التواصل الاجتماعي، لم يرد على رسالتها عبر البريد الالكتروني. وعلى الجانب الآخر من الراين، أكدت الصحيفة الفرنسية أن الأمير السعودي المعارض خالد بن فرحان آل سعود، الذي لازالت عائلته في السعودية، لم يرد هو الآخر على الهاتف. نفس الشيء بالنسبة للمعارض الشاب المقيم في كندا عمر عبد العزيز، والذي واجه شقيقان له مؤخراً مشاكل مع الأمن في الممكلة.
ومن سيدني، تواصل الناشطة منال الشريف تغريداتها على”تويتر”، حيث كتبت في تغريدة لها بالانكليزية قبل يومين: “للمرة الأولى في حياتي، تتبخر أحلامي برؤية السعودية في حال أفضل. لقد ضيعت مسيرتي من أجل قيادة السيارة. و فقدت أطفالي بسبب نظام قضائي يعود إلى ما قبل التاريخ. و فقدت وطنى للحفاظ على حريتى فى التعبير’’.
وتُعد منال الشريف صديقة للجين الهذلول، الناشطة الأخرى في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، والتي اختُطفت في مارس / آذار الماضي في الإمارات العربية المتحدة وتمت إعادتها قسراً إلى السعودية عبر طائرة خاصة، حيث قضت بضعة أيام في السجن. وقد حصل الشيء نفسه مع زوجها الكوميدي فهد البطيري الذي تمت إعادته قسراً من الأردن . وبعد الاختطاف القسري في الإمارات، بقيت لجين الهذلول متحفظة وحذرة، لكن ذلك لم يمنع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من الزج بها في السجن في شهر مايو / أيار الماضي، في سياق موجة اعتقالات لـ 13 من النّاشطات في مجال حقوق المرأة ، بحجة تهديد الأمن القومي. ولاتزال 9 منهن رهن الاعتقال وسط ظروف غاضمة.
وخلصت “لوفيغارو’’ إلى التوضيح أن المُعارضة السعودية في الخارج، تتكون من أفراد معزولين لا ينتمون إلى أي منظمة ولاتجمعهم إيديولوجية معينة. ولكن في لندن، تريدُ الباحثة السعودية البارزة مضاوي بنت طلال بن محمد الرشيد، أن تصدق أن قضية جمال خاشقجي ستفتح أخيراً عيون الغربيين. حيث أكدت هذه الأخيرة للصحيفة الفرنسية عبر الهاتف أن : “معنويات المعارضين السعوديين في الخارج ليست بالضرورة منخفضة كما يقول البعض. ليس هناك الخوف فقط، بل هناك أيضا بعض التفاؤل ، لأن أساليب النظام السعودي انكشفت أمام العالم بأسره’’.
وأضافت هذه الأخيرة القول إن: “ماحصل مع جمال محزن ومؤسف. ولكن بعد هذه القضية لا يمكن أن تكون هناك شكوك أخرى حول وحشية النظام السعودي. و أنه: “حتى وإن كان قادة فرنسا وبريطانيا و ألمانيا ليسوا على استعدادٍ لعزل السعودية بسبب المصالح الاقتصادية و الدبلوماسية المشتركة، إلا أن هؤلاء القادة سيكون عليهم تبرير مواقفهم أمام الرأي العام في بلدانهم، خاصة أنه قد يحدث لهم نفس الشيء على أراضيهم. ’’