جنود فرنسيون يستجوبون أسيرا جزائريا يدعى عمر مروان عام 1957
باريس- “القدس العربي”:
قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية، إنه بعد نحو ستة عقود من نهايتها، ما زال موضوع الاستعمار والحرب الجزائرية يسمم علاقات باريس مع مستعمرتها السابقة؛ مشددة على أن الخروج من صراع الذاكرة هذا أضحى أكثر من أي وقت مضى ضرورة دبلوماسية، كونه “يطمس رسالة فرنسا إلى منطقة المغرب العربي” وسياسية لأنه “يضر بالتماسك الوطني، ولا سيما اندماج أبناء المهاجرين والحركيين”.
وأوضحت الصحيفة أن الرئيسين الفرنسيين السابقين الراحل جاك شيراك ثم نيكولا ساركوزي، وقناعةً منهما بأهمية الرهان، كانا قد شرعا بالفعل في العمل على ملف الذاكرة الاستعمارية وحرب الجزائر الحساس. لكن استغلالهما، في كل مرة، لهذا الملف لأغراض انتخابية، إضافة إلى اضطرابات الوضع في الجزائر، أدى إلى إفساد محاولاتهما.
وأضافت “لوموند” أن إيمانويل ماكرون -أول رئيس فرنسي يولد بعد استقلال الجزائر- أظهر رغبة كبيرة في تحريك الأمور، من خلال تكليفه المؤرخ الفرنسي المعروف بنجامين ستورا بإعداد تقرير حول “قضايا الذاكرة المتعلقة بالاستعمار وحرب الجزائر”، التي مازالت حلقة مؤلمة في ذاكرة ملايين العائلات في كل من الجزائر وفرنسا.
ووصفت “لوموند” بنجامين ستورا بأنه “حذر وطموح” في الوقت نفسه. وأوضحت: “حذرٌ، لأنه يتجاهل قضية التّوبة والاعتذار التي ما زالت تسمم النقاش، من أجل التركيز على الاعتراف بأحداث معينة. وطموحٌ، لأنه يقترح إعادة بعض الأرشيفات إلى الجزائر، لتسليط الضوء على اغتيالات الأوروبيين في وهران في تموز/ يوليو عام 1962، والتعرف بشكل منهجي على أولئك الذين اختفوا من الجانبين خلال الحرب، والعمل مع الجزائريين بشأن موضوع التلوث الذي أعقب التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء حتى عام 1966”.
ويعد الاقتراح المركزي الذي قدمه ستورا إلى ماكرون هو تشكيل لجنة “الذاكرة والحقيقة” التي تضم مسؤولين وأعضاء من المجتمع المدني من كلا البلدين، والتي من شأنها أن تحفز مبادرات تذكارية مشتركة، بحسب المؤرخ الفرنسي.
واعتبرت “لوموند” أنه على الرئيس الفرنسي أن يبذل قصارى جهده لنقل الزخم الذي أعطته مقترحات ستورا وتنفيذها. فغياب ضغط إيمانويل ماكرون على جيش بلاده لفتح الأرشيف، قد يجعل من من تقرير المؤرخ مجرد بالون اختبار، وفق الصحيفة الفرنسية، التي اعتبرت، أنه من المسلّم به أن المهمة تبدو صعبة بشكل منفرد على المستوى الدبلوماسي؛ إذ أن موضوع الذنب الاستعماري والصراعات التذكارية، يغذي دخلاً مفيداً دائماً ويعد أحد أدوات التأثير القليلة المتاحة للنظام الجزائري التي ما يزال يهيمن عليها الجيش في علاقاته مع باريس.
لكن يبقى الرهان الفرنسي- الفرنسي أيضاً، توضح ”لوموند”، قائلة إنه في وقت تتزايد فيه التصدعات الاجتماعية، يمكن لخطاب وتوجيه رئاسي واضحيْن أن يساعدا في بناء الجسور بين الذكريات المجروحة والمتضاربة للتغلب على الإنكار والأكاذيب، والاعتراف بتعقيد الحرب الجزائرية، والسماح للمجتمع الفرنسي بالتعرف على الإرث لماضٍ تم تجاوزه أخيرا.