لو كنت إلكترونا ماذا سأفعل؟

ساد في اعتقادنا وما زال يسود أن العلم يكون بالحِسِّيّات ويكون بالعقليّات، وأنّ العلم بالحسّيّات مُضَلِّل والعلم بالعقليّات علم صحيح متين، لأنّه يوصل إلى الحقائق الثابتة. ومن هنا سمّيت علوم عقليّة كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الطبيعة بالعلوم الصحيحة. وفي الثقافة الإسلامية القديمة اشتهرت قولة الغزالي: «نور قذفه الله في صدري» قالها حين أدرك معاني المتصوّفة بما هي معان نابعة من علم يقيني، علم أنّه ليقينيّته، كان كالنّور الذي قذفه الله في صدره. كان الغزالي لا يثق بالعلوم الحسّية ولا بالعلوم العقليّة لاعتقاد منه بأنّ الحسّ يكذّب العقل، والعقل يكذّب الحسّ حتى وجد طريق النور والعرفان الصوفيّين.
مثل هذه الأفكار التي تربط صدق العلم بتكذيب الحسّ، ما تزال تعرض علينا وكأنّها شيء ثابت مسلّم به، وهي تحتاج مراجعة لا في نفسها، بل في المفاهيم التي حملتها؛ وهذه المراجعة لا نجريها لضيق المجال هنا، وعدم الاختصاص إلاّ بتقديم الأدلّة النصّيّة، على أن الحالات الحسّية المرافقة للحالات العقليّة مهمّة في مرحلة إنتاج العلوم العقليّة الصحيحة. هذه الشهادات قدّمها علماء مبرّزون في اختصاصهم.
دعونا قبل أن نعرض أفكارهم نقدّم فكرتين من أفكار علمائنا القدامى:
الفكرة الأولى، أن الفصل بين الحسّي والعقليّ هو فصل لا يقود إلى تناقض بينهما، لأنّ الحسّي مدرك بالعقل، والعقلي معقول بالحسّ، وهذا ما يصرّح به كثير من علماء المسلمين على اختلاف مشاربهم، وليس هذا مجال الخوض في هذه الأدلّة.
والفكرة الثانية، وهي مستندة إلى الأولى، أن طريق الحسّ ليس مختلفا عن طريق العقل وأنّه لا يمكن أن يقودك الحسّ حيث لا يكون هناك عقل، ولا يمكن أن يمنعك أيّ عقل عن أيّ حسّ. دليلنا الأوّل الذي نقدّمه دون تفصيل، هو أن القدامى كانوا يسمّون العقل – وهو الذي يعتقد أنّه مصدر التجريد والتعقّل والثبات – قلبا ولن نقدم لذلك إلاّ مثالا بسيطا يعرفه الكلّ هو تسمية النحاة العرب أفعالا عقليّة من نوع (ظنّ وخال وحسب) أفعال قلوب.
سوف نقدّم في ما يلي تراجم لنصوص جمّعها في غير هذا السياق الذي نتكلم فيه أستاذ الفيسيولوجيا في جامعة ميشغان روبرت برنشاتين.
أوّل هذه النصوص التي نختارها لكم هي نصّ لكلود برنار الطبيب والفيسيولوجي والأبستيمولوجي الفرنسي (1813-1878) إذ كتب في أشهر مؤلفاته «مقدّمة في دراسة الطبّ التجريبي» (عام 1865): « يُصدر الشعور- تماما كما هو الحال في الأنشطة البشرية الأخرى – فعلاً، من خلال طرح فكرة تكون للعمل حافزا، ففي الطريقة التجريبية يأخذ الشعور المبادرة عبر الفكرة. إن الشعور وحده يوجه العقل ويشكّل التحركات البدائيّة للعلم». فكرته الواضحة التي لا تقبل التأويل، تتمثّل في أن وراء المنهج التجريبي الذي هو رائده، شعورا يوجّه العمل التجريبي برمّته ولاسيّما في مرحلة ما قبل بناء النتيجة يوجّهه بشكل حدسي في مرحلة ما قبل الصياغة الصريحة والتعبير اللغوي عنه بلغة علميّة صريحة، بل إن في قوله المبني على حالة شعوريّة مجرّبة، ضربا من التجريبية الواثقة من نتائجها بأنّ الشعور هو الذي يوجّه العقل العالم أو التجريبي.
والقول الثاني للرياضي الفيزيائي وولفجانج بولي، إذ يعتقد أن التفكير العلمي يبدأ ضمن «منطقة اللاواعي في الروح البشريّة» حيث يوجد مكان واضح تلتقط فيه المفاهيم بواسطة الصور ذات المحتوى العاطفي القوي، التي ترى بشكل تصويريّ وكأنّ للعقل عينا يرى بها الأفكار ويصوّرها ويوضّحها . فلكأنّ الأفكار هي بهذا شواهد من علماء في اختصاصهم، على وجود لمع روحيّة توجد في شكل صور مفاهيمية ذهنية، هي التي تبني بوضوح مفاهيمهم العلميّة التجريبية والمجرّدة.

يقول الرياضي والفيزيائي وفيلسوف العلوم هنري بوانكاراي (1854-1912) «لا يدرس العالم الطبيعة لأنّ فعل دراستها مفيد. إنّه يدرسها لأنّه يسعد بها. وهو يسعد بها لأنّها جميلة.

الأمر نفسه صرّحت به عالمة النبات ومؤرّخة العلوم البريطانية أنياس آربر (1879-1940) حين قالت: «تتبادر إلى الذهن فرضيّات جديدة بحُريّة أكبر عندما يرتفع التفكير المنطقي بجهد مكثف، إلى مستوى يجد فيه نفسه وقد اتّحد بشكل لا ينفصم مع الشعور والعاطفة. عندما يصل العقل والحدس إلى هذا التعاون، فإنّ الوحدة التي يندمجان فيها سيبدو وكأنها تمتلك قوّة إبداعية كانت مرفوضة حين كان كل واحد منها منفردا». إن التفكير بلا شعور ضعيف الحيلة، ولا يوجد تفكير عقلي نافذ إلاّ إذا اندمج مع شعوره المولّد له. إنّه يا سادة شعور العلماء وليس شعور أصحاب الأهواء. وعلى هذه الخطى يسير عالم الكيمياء الأمريكي وليام نان لينسكومب (1919 – 2011) صاحب جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1976، حين يقول «شعرت بتبئير الفكر والعواطف التي كانت بالتأكيد استجابة جمالية. كان منبع ذلك فيضا من التوقعات التي أتت من ذهني، كما لو كنت متفرجاً أشاهد ما يحدث. فقط في وقت لاحق تمكنت من البدء في صياغة نظرية منهجية للبنية والترابط والتفاعلات لهذه الجزيئات غير العادية.. هل كان ذلك علماً؟ لقد أظهرت اختباراتنا اللاحقة أنه كان كذلك، لكنّ العمليات التي استخدمتها والاستجابات التي شعرت بها كانت أشبه بردود الفنّان».
أن تأخذ مساحة صمت وأنت تشاهد ما يعتمل في ذهنك من أفكار علمية جديدة، وأن تشعر بالتفاعل الذي يشبه التفاعل الجمالي عندما تشاهد مسرحيّة، هو ذلك الشعور الدافع إلى تنظيم الأفكار غير المألوفة في الذهن، التي يمكن أن تصنع إبداعا وفتحا علميّين. سؤاله عن تلك المشاعر أتكون علما؟ كان بالإثبات: أجل إنّها علم لكنّها كانت في كنف شيء عاطفي لا يشعر به إلاّ الفنّانون. حين تكون عالما ليس عليك أن تكون خشبه بادّعاء صرامة العلم؛ فأوّل شروط العَالِميّة (أي شروط أن تتصف بالعالم وتنتسب إلى رتبته) أن تكون فنّانا في معنى الشاعر بعاطفة تجاه ما تفكّر فيه، عاطفة تنسّق لك فكرك مثل مهذب شَعْر أو ذواقة في الإكْساء.
في هذا السياق يقول الرياضي والفيزيائي وفيلسوف العلوم هنري بوانكاراي (1854-1912) «لا يدرس العالم الطبيعة لأنّ فعل دراستها مفيد. إنّه يدرسها لأنّه يسعد بها. وهو يسعد بها لأنّها جميلة. إذا لم تكن الطبيعة جميلة، فلن تستحقّ المعرفة ولن تستحق الحياة أن نعيشها». معنى هذا أنّه لا يوجد عالم خلّاق يُقبل على علمه، دون أن يشعر بأنّه يُحبّ أن يقبل عليه؛ ودون أن يكون هناك شيء من كيمياء السعادة الدافعة إلى الإبداع. من هنا كانت الطبيعة خلاّقة ومُسعدة ومحتاجة لأن تعاش كالحياة بامتلاء ونشوة، نشوة العلم.
نشوة العلم أحيانا وسعادته لا تعني أن تعيش في طبيعة خلابة مثلا عيشا سكونيّا، بل عيش عالم يتأمّل ويرى ويستنتج، لكن أيضا يشعر بما يستنتجه، بل إن نشوة العلم يمكن أن تعني عند علماء الفيروسات، أو علماء الذرة، حلما بأن يكون العالم فيروسا ليعيش مع الفيروسات، وذرة تسبح مع الذرات، لا ليعرف كيف تسلك هذه الكيانات، فذلك من الممكن أن توفره المخابر والعدسات المكبرة؛ بل كي يشعر العالم الحالم بذلك بما «تشعر» به وهي في ملكوتها الذي هي فيه. لقد كان الفيزيائي الأمريكي ريتشارد فاينمان (1918-1988) وأبرز المؤثرين في مجاله في القرن الماضي يطرح سؤالا لو سأله أحدنا الآن وهنا، في هذا المجتمع المتعالم، لأصيب بالصَّغار، ولحُمل على الجنون؛ لقد كان يسأل: «لو كنت إلكترونا ماذا كنت سأفعل؟»
السؤال العظيم في ثقافتنا هو السؤال الذي صاغ جزءه نزار قباني على لسان متمنّ للسلطة: لو أُعْطى السلطة في وطني. جزؤه الثاني جواب شاكّ أو هازئ افتراضي: ماذا كنت ستفعل؟
لكل حضارة أسئلتها ولكلّ عالم مخياله والمهمّ أن كلاّ يصرّف اللغة نفسها كيفما شاء.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية