ليبيا: إنتاج النفط يصل لمليون و404 ألف برميل يومياً وسط مخاوف من احتجاجات وإغلاقات محتملة

نسرين سليمان
حجم الخط
1

طرابلس ـ «القدس العربي»: مع اعتماد ليبيا على النفط كمصدر أول ووحيد لتغذية الخزانة العامة للدولة، يترقب الشارع الليبي خلال هذه الفترة النتائج المرجوة من رفع إنتاج ليبيا من النفط الذي تخطى فعليا المستهدف خلال العام الحالي، حيث ينتظر الليبيون انفراجة في الأوضاع المعيشية والاقتصادية مع ارتفاع معدلات الإنتاج.
وفي أحدث تقارير لها أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، أن معدلات إنتاج ليبيا من النفط الخام بلغت 1.404.781 برميل يومياً، ومن المكثفات 50.779 برميل، فيما سجلت مؤشرات إنتاج الغاز ما قيمته 202.155 برميل مكافئ، ليكون إجمالي الإنتاج قد بلغ 1.657.715 برميل يومياً. وفي وقت سابق توقع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، تحقيق نمو اقتصادي في ليبيا يتراوح بين 11 و12 في المئة خلال العام الحالي، لافتا إلى أن إنتاج النفط قد يتجاوز مليوني برميل يوميًا في وقت قريب بشرط استمرار مشاريع التطوير بدون عقبات.
وقال الدبيبة، في مقابلة صحافية على هامش منتدى دافوس الاقتصادي، إنه يدعو الدول العربية النفطية إلى الاستثمار في قطاع الطاقة الليبي بجانب الشركات الأجنبية الكبرى.
وشدد على ضرورة توفير الاستقرار على المستويين الأمني والاقتصادي، لتحقيق معدل النمو المرتفع عما يتوقعه البنك الدولي، الذي رجح أن يقفز النمو الليبي إلى 9.6 في المئة خلال العام الحالي.
لكن الخبراء، وعلى رأسهم سلامة الغويل، وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق، يحذرون من أن هذه الزيادة قد لا تعني بالضرورة تحسناً في حياة المواطنين. فبحسب الغويل، «معظم عوائد النفط تُهدر في نفقات استهلاكية، بينما يتم توجيه الجزء المتبقي لخدمة أجندات سياسية للمتنافسين على السلطة».
واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه الاقتصاد الليبي هي عمليات تهريب الوقود، التي تُعد مصدراً رئيسياً لتمويل العصابات المسلحة. الغويل يرى في تصريحات صحافية أن «الدعم الحكومي للوقود وبيعه بأسعار مخفضة يغذي عمليات التهريب، حيث تحقق هذه العمليات أرباحاً خيالية تجذب الجميع، بدءاً من الأفراد وحتى المجموعات المسلحة».
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن تهريب الديزل في ليبيا يتم على نطاق واسع، ما يؤدي إلى خسائر هائلة في الموارد الوطنية. هذه الخسائر لا تؤثر فقط على الاقتصاد الكلي، بل تزيد من معاناة المواطنين الذين يعانون أصلاً من ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات.
وكشف تقرير أممي أن الجماعات المسلحة تسيطر على مؤسسات الدولة الليبية، مشيرا إلى أن تهريب الوقود يضاعف أرباحها.

الجماعات المسلحة

وأفاد تقرير صادر عن فريق الخبراء المعني بليبيا التابع للأمم المتحدة، بأن الجماعات المسلحة في البلاد وصلت إلى مستوى غير مسبوق من النفوذ داخل مؤسسات الدولة، خاصة في المنطقة الغربية، حيث أصبحت تعرقل قدرة المؤسسات على أداء مهامها باستقلالية.
وأوضح التقرير، أن «القوات في المنطقة الشرقية تستخدم حكومة الاستقرار الوطني كغطاء لفرض سيطرتها الكاملة على مهام الحكم، مع إحكام صدام حفتر قبضته على القوات البرية واستراتيجياتها الخارجية ومصالحها الاقتصادية»، وفق وصفه.
وأشار التقرير إلى أن «تهريب الديزل بات يشكل مصدر دخل رئيسيا للجماعات المسلحة، حيث تستغل الشركة العامة للكهرباء في طرابلس ومرافق الميناء القديم في بنغازي لتحويل وجهة كميات كبيرة من الوقود، ما يؤثر سلبا على المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط».
وتحدث فريق الخبراء المعني بليبيا التابع للأمم المتحدة عن «قيام أول شركة نفط ليبية خاصة، بموجب اتفاق مع حكومة الوحدة الوطنية، بتصدير نفط خام بقيمة 460 مليون دولار منذ أيار/مايو 2024».
وفي حوار حصري لوكالة أنباء، رسم القائم بأعمال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، أهم ملامح الفترة المقبلة للشركة الليبية الحكومية، مؤكدا أن المؤسسة الوطنية للنفط ستركز على زيادة إنتاجها والشفافية، في الوقت الذي تتطلع فيه ليبيا، ثاني أكبر منتج للنفط في أفريقيا، إلى التعافي من سنوات من عدم الاستقرار، حسب رويترز.
وقال سليمان ردا على أسئلة عبر البريد الإلكتروني أن المؤسسة الوطنية للنفط لديها خطة استراتيجية لزيادة الإنتاج وسنواصل تنفيذها، وإجراء أي تعديلات عليها كلما لزم الأمر، وأوضح أيضا أنه سيركز على تعزيز شفافية المؤسسة الوطنية للنفط، وهو ما قد يشمل تبسيط بعض العمليات، بما في ذلك احتمال إغلاق بعض المكاتب.
وتمتلك المؤسسة الوطنية للنفط 15 شركة تابعة بالكامل، حسب موقعها الإلكتروني، بالإضافة إلى حصص في مشاريع مشتركة، وشركات أخرى تشرف عليها.
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط تنتج نحو 1.4 مليون برميل من النفط يوميا في نهاية العام 2024، وفقا للشركة، بينما الهدف طويل المدى للدولة العضو في أوبك هو مليونا برميل يوميا. وشدد سليمان على أن الشركة ستركز الفترة المقبلة على تعزيز الشفافية داخل المؤسسة الوطنية للنفط، حتى يكون لدى أي مستثمر، سواء الدولة الليبية أو شركائنا الأجانب، مستوى عال من الثقة في أن أي أموال يجرى ضخها في المؤسسة الوطنية للنفط سيجرى استخدامها بأفضل طريقة ممكنة.
وقبل ثلاثة أسابيع، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وافق على استقالة رئيس مجلس إدارة المؤسسة فرحات بن قدارة نتيجة لظروف صحية طارئة حالت دون تمكنه من أداء مهامه ومسؤولياته بالشكل الأمثل.
وأضافت في بيان أن الدبيبة كلف مسعود سليمان موسى، عضو مجلس إدارة المؤسسة، بتولي مهام رئيس مجلس الإدارة مؤقتا.
وأكد البيان التزام المؤسسة الكامل بمواصلة العمل لضمان استقرار قطاع النفط وتعزيز دوره كركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.

المستثمرون الأجانب

ويشعر المستثمرون الأجانب، حسب «رويترز» بالقلق من ضخ أموال في ليبيا، التي انقسمت منذ فترة طويلة بين فصائل متنافسة في الشرق والغرب مدعومة من تركيا وروسيا.
وتتصاعد المخاوف من مسلسل الاحتجاجات التي تؤثر بين الحين والآخر على إنتاج النفط الخام في ليبيا وتصديره حيث وفي أواخر كانون الثاني/يناير الماضي أفادت وكالة «بلومبرغ» بتوقف عمليات تحميل النفط من اثنين من الموانئ النفطية الرئيسية بسبب الاحتجاجات التي أعاقت نحو ثلث صادرات ليبيا، مضيفة أن ذلك يذكر بمخاطر الإمدادات العالمية بسبب التوترات المستمرة في البلاد.
ونشرت الوكالة تصريحات عن شخصين مطلعين على الوضع، بأن عمليات الإغلاق بدأت في رأس لانوف والسدرة اللتين تستوعبان معا أكثر من 400 ألف برميل يوميا بناء على أوامر من ما يسمى بحركة منطقة الهلال النفطي.
وقالت الوكالة، إن أحد الشخصين قد أكد أن إحدى ناقلات النفط في السدرة توقفت بالفعل عن التحميل، وفق قولها.
وشهد العام الماضي انخفاضات متكررة في الإنتاج نتيجة خلافات بين الفصائل المتنافسة، التي تصارعت على قضايا من بينها قيادة المصرف المركزي الليبي، والذي يسيطر على عائدات النفط الليبية.
وفي الخامس من كانون الثاني/يناير، قالت حركة منطقة الهلال النفطي إنها ستتحرك لمنع الإنتاج والصادرات إذا لم تنقل شركة النفط الوطنية التي تديرها الدولة مقار خمس شركات طاقة من الغرب إلى الشرق، حيث تدير الشركات عملياتها ومحطاتها.
وفي 27 كانون الثاني/يناير، قدرت مؤسسة النفط الليبية إجمالي إنتاج البلاد اليومي من النفط الخام بنحو 1.41 مليون برميل. وأظهرت بيانات تتبع الناقلات التي جمعتها «بلومبرغ» أن الصادرات في كانون الأول/ديسمبر بلغت نحو 1.2 مليون برميل يوميا.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت، بعد أن سجلت تغيرات طفيفة في وقت سابق، وارتفعت العقود الآجلة بنحو 81 سنتا إلى 77.89 دولار للبرميل، وبلغت 77.54 دولار في الساعة 8:21 صباحا في لندن.
وتستقبل السدرة عادة ما بين 300 ألف و320 ألف برميل يوميا من حقول البلاد، في حين تستقبل رأس لانوف ما بين 130 ألف و140 ألف برميل يوميا، ويبلغ إجمالي إنتاج شرق البلاد 900 ألف برميل يوميا، وهو ما يسلط الضوء على مخاطر الإمدادات الأوسع نطاقا في حال انتشار الاضطرابات.
وقبلها نقلت وكالة «رويترز» عن مهندسين بميناء السدرة أن محتجين منعوا ناقلة من تحميل النفط الثلاثاء في الميناء.
وأضافت أن المحتجين طالبوا في بيان موجه إلى المؤسسة الوطنية للنفط الأسبوع الماضي بنقل العديد من مقار شركات النفط إلى منطقة الهلال النفطي. وحسب الوكالة فإن المحتجين أكدوا أن مطالبهم هي دعوة للتنمية العادلة لمنطقتهم لتحسين ظروف المعيشة.
وقال رئيس نقابة عمال النفط، سالم الرميح إن القوات العسكرية في شرق ليبيا في إشارة إلى حفتر، هي التي تريد إغلاق النفط، وهي التي أمرت حراك الهلال النفطي، بتنظيم احتجاجات.
وأضاف الرميح في تصريحات لصحيفة «صدى» أن قوات شرق ليبيا تريد السيطرة على كافة منابع النفط، وكل الشركات النفطية، كما حدث في شركة الخليج.
واتهم هذه القوات بسرقة أكثر من 30‎ في المئة‎ من إنتاج النفط لصالحها، مشيرًا أنها تستخدم الشركات التي يريدون نقلها كورقة ضغط للاستفادة من التهريب والسرقة.
وفي المقابل أكدت المؤسسة الوطنية للنفط، أن عملياتها النفطية متواصلة ومستمرة بشكل طبيعي في الحقول والموانئ النفطية كافة وذلك بعد التواصل مع المحتجين الذين نظموا وقفة احتجاجية، صباح الثلاثاء، في ميناءي السدرة ورأس لانوف.
وطمأنت المؤسسة، في بيان، كل الليبيين وشركاءها المحليين والدوليين بأن عمليات الإنتاج ما زالت تسير وفق الخطة الاستراتيجية، شأنها شأن عمليات التصدير من خلال الموانئ النفطية كافة وبدون استثناء.
وفي 26 اب/أغسطس الماضي، أعلن رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان أسامة حماد حالة القوة القاهرة على جميع الحقول والموانئ والمؤسسات النفطية وإيقاف إنتاج وتصدير النفط على خلفية أحداث المركزي.
وجاء قرار إغلاق النفط ردا على تسمية محافظ ومجلس إدارة جديدين للمصرف المركزي بقرار من المجلس الرئاسي والذي أعطى صلاحية استئناف العمل للنائب عبدالفتاح عبدالغفار إلى حين استلام محمد الشكري لمهامه بشكل رسمي.
ويرتبط رفع إنتاج النفط بجملة من العوامل الرئيسية المرتبطة باستقرار ليبيا والتي يأتي على رأسها توفير الميزانيات اللازمة لذلك، حيث جددت بعثة الأمم المتحدة دعواتها لجميع السلطات المعنية في ليبيا إلى العمل نحو التوصل إلى اتفاق بشأن ميزانية موحدة بدون تأخير.
وقالت البعثة في بيان لها تعليقا على بيان الاجتماع الأول للمصرف المركزي إن الميزانية الموحدة ستعزز قدرة المصرف المركزي على تنفيذ سياسات نقدية فعالة واستقرار سعر الصرف إلى جانب إدارة الإنفاق العام.
وأضافت البعثة في بيان أن الميزانية الشفافة أمر مهم لتعزيز المسؤولية المالية، وتحسين تخصيص الموارد وضمان الاستقرار الاقتصادي في ليبيا.
وكان بيان المصرف عقب الاجتماع الأول قد خلص إلى ضرورة الإسراع بإقرار ميزانية موحدة متوازنة لعام 2025 وكذلك توريد الإيرادات النفطية بشكل دوري إلى المصرف.
كما حث بيان لجنة السياسة النقدية على ضرورة التنسيق بين السياسيات الاقتصادية المالية منها والتجارية والبدء في تفعيل الأدوات التي تمكنه من تحقيق أهدافه، وتعزيز مبادئ الشفافية والإفصاح وعلى استقلالية المصرف المركزي.
ودعا المركزي إلى أهمية مهنية قراراته في كل ما يتعلق بمسار سياسة سعر الصرف والسياسة النقدية لضمان تحقيق الاستقرار النقدي والاستدامة المالية للدولة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية