ما زالت الانقسامات تنهش أجساد المؤسسات الليبية على اختلاف مستوياتها، وما زال صراع المؤسسات قائماً حتى الآن، فلم تسلم مؤسسة أو أي جسم من صراع داخلي للاستحواذ حتى السيادية منها.
طرابلس ـ «القدس العربي»: هدوء واستقرار نسبي في الأوضاع شهدته ليبيا في عام 2024 والذي اختتم ببادرة سياسية جديدة تضاف لرف سابقاتها من البادرات التي لم تر النور بعد، أو تنتظر تنفيذاً عملياً على أرض الواقع. عامٌ حمل في طياته تقدماً في سياقات محددة وجموداً في أخرى وفتح بنهايته تساؤلات حول الحل وزمانه ومكانه وأوانه.
على الصعيد السياسي ما زالت الانقسامات تنهش أجساد المؤسسات الليبية على اختلاف مستوياتها، وما زال صراع المؤسسات قائماً حتى الآن، فلم تسلم مؤسسة أو جسم من صراع داخلي للاستحواذ، حتى السيادية منها حيث دخل المصرف المركزي في أزمة وكذلك المجلس الأعلى للدولة، وتضاف لهذه الانقسامات المناوشات الدائمة بين الحكومات والسلطات في الشرق والغرب.
محاولات للحل
وفي ذات السياق فقد عاشت ليبيا أزمة على الصعيد السياسي بدأت بالخلاف حول المبادرة التي أعلنها المبعوث الأممي السابق عبد الله باتيلي، وانتهت في نيسان/أبريل بتقديم المبعوث نفسه استقالته، معتبرا بأن المنظمة الدولية «لا يمكن أن تتحرك بنجاح» دعما لعملية سياسية، في مواجهة قادة يضعون «مصالحهم الشخصية فوق حاجات البلاد».
حيث كان باتيلي قد أعلن قبلها عن مبادرة جامعة تضم أطراف الصراع الليبيين على طاولة واحدة للحوار، إلا أنها لاقت رفضاً واسعاً من سلطات الشرق الليبي خاصة الذين رفضوا الجلوس على طاولة واحدة مع نظرائهم في الغرب.
ودخلت البلاد في موجة من الجمود السياسي بسبب عدم تعيين البعثة الأممية لمبعوث جديد يتولى زمام الأمور رغم المطالبات الواسعة المحلية والدولية، وفي انتظار خليفة له عيّنت البعثة الأمريكية ستيفاني خوري في آذار/مارس الماضي نائبة لباتيلي للشؤون السياسية، لتتولى مهامه مؤقتا إلا أن البعثة لم تحسم الأمر وبقيت خوري على رأس عملها حتى اليوم.
وبدأت خوري مهامها بعقد مشاورات واسعة مع مختلف القادة الليبيين امتدّت لأشهر وانتهت بإعلانها في منتصف كانون الأول/ديسمبر خطة لكسر حالة الجمود السياسي الراهن في ليبيا، تشمل تشكيل لجنة فنية مكونة من خبراء ليبيين لوضع خيارات تفضي إلى معالجة القضايا الخلافية في القوانين الانتخابية، وخيارات لكيفية الوصول إلى الانتخابات في أقصر وقت ممكن، بما في ذلك ما يجرى اقتراحه من ضمانات وتطمينات وإطار زمني، وفق مقطع فيديو على حساب البعثة على موقع فيسبوك. الخطة التي قوبلت هي الأخرى بردود فعل متباينة بين رفض وقبول وترحيب، حيث رفضها بعض قادة مجلس النواب ولاقت ترحيباً من الأعلى للدولة على المستوى المحلي ومن القادة السياسيين والسفارات على الصعيد الدولي.
انقسامات مستمرة
وخلال العام، لو تتوقف الانقسامات عن نخر جسد معظم المؤسسات الليبية حيث طال الانقسام المجلس الأعلى للدولة الذي اندلع خلاف وجدال حاد فيه عن هوية رئيسه الجديد بسبب ورقة اعتبرت غير صالحة خلال التصويت، فبدأ الجدال بين المرشحين خالد المشري ومحمد آمالك للظفر بالمنصب، حيث دعا تكالة لإعادة الانتخاب وأصر على ذلك فيما تمسك المشري الذي أعلن المجلس عن فوزه بنتيجة الانتخاب ورفض قبول إعادة الانتخاب.
وعلى صعيد المؤسسات السيادية فقد تسبب قرار أصدره المجلس الرئاسي الليبي والذي يقضي بتغيير محافظ مصرف ليبيا المركزي في جدل واسع، حيث أثار موجة خلاف وتصادمات وصلت حد إيقاف إنتاج وتصدير النفط في الموانئ والحقول النفطية الليبية، وانتهى الجدل بتدخل أممي أسفر على تعيين محافظ جديد متفق عليه بعد أزمة استمرّت قرابة شهرين.
وفي ذات السياق استمرّت جدالات القرارات في الخروج إلى السطح بين الأجسام في شرق ليبيا وغربها، حيث أثارت قرارات وأحاديث مختلفة أبرزها عن الاستفتاء على الدستور وإنشاء مفوضية أو صندوق للاستفتاء فضلاً عن تغيير مجلس إدارة جمعية الدعوة الإسلامية وغيرها من الخلافات التي تطورت لتصل حد التلاسن بالبيانات المكتوبة.
وضع أمني هش
شهد عام 2024 صراعات مسلحة طفيفة، حيث استمرّت الهدنة السارية بين سلطات الشرق والغرب الليبي عسكرياً، إلا أن الوضع الأمني مع انتشار السلاح وسطوته وكذلك المجموعات المسلحة ظل هشاً خاصة في عدد من مدن الغرب والشرق كبنغازي الخاضعة تحت سيطرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر والزاوية في غرب البلاد.
وشهدت مدينة الزاوية الواقعة غرب العاصمة الليبية طرابلس، توترات أمنية متعددة أودت بحياة عدد كبير من الضحايا كان آخرها في منتصف كانون الأول/ديسمبر والتي تسببت في احتراق خزان نفط يتبع لمصفاة الزاوية وحينها أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا حالة القوة القاهرة على المصفاة.
وفي سياق الوضع الأمني في الشرق الليبي فقد انتقد عديدون تصاعد وتيرة الاعتقالات والاختفاء القسري خارج الأطر الرسمية في مدينة بنغازي تحديدا، حيث وفي كانون الأول/ديسمبر الجاري عبر المجلس الأعلى للتصوف الإسلامي عن قلقه البالغ إزاء استمرار حملة الاعتقالات التي تستهدف أتباع الطريقة الصوفية في مدينة بنغازي.
وأفاد المجلس بأن الاعتقالات لا تزال مستمرة، وأن الوحدة الأمنية التابعة لمن يُعرفون بـ «المداخلة» قد استأنفت أعمالها، بعد فترة توقف قصيرة.
وأكد أن المعتقلين يتعرضون للتعذيب لإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها، مطالبًا السلطات في بنغازي بالتدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات التي تقع ضمن نطاق مسؤوليتها.
وعبرت منظمات حقوقية ليبية في بيانات حديثة، عن قلقها إزاء استمرار عمليات الإخلاء القسري والانتهاكات الخطيرة للحق الأساسي في السكن بمدينة بنغازي.
وقالت المنظمات في بيانات متعددة لها، إن مجموعات مسلحة تابعة لما أسمته سلطات الأمر الواقع في بنغازي، أقدمت على هدم منازل السكان في منطقة جليانة بشكل تعسفي ومن دون أي التزام بالإجراءات القانونية.
وتابعت أن السلطات في بنغازي مارست ضغوطا على الأهالي لإجبارهم على قبول تعويضات مالية زهيدة لا تساوي شيئا يُذكر من قيمة العقار ولا تكفي لتغطية إيجار بدل سكن فضلا عن شرائه، وفق قولها.
أزمة المرتزقة
خلال العام الحالي عانت ليبيا من توسع هائل في النفوذ الروسي فيها، حيث تطمح روسيا لإنشاء وتكوين الفيلق الأفريقي والذي ينطلق من ليبيا كنقطة تواجد رئيسية لبقية دول القارة التي تمكنت روسيا من الوصول إليها بشكل أو بآخر.
ورصد صحافيون وتقارير غربية وصول سفن شحن عسكرية عدة في منتصف العام لميناء طبرق المدينة الواقعة تحت سيطرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، حيث تحمل هذه السفن قطعا عسكرية قادمة من سوريا لتوزع على قاعدة الجفرة وبراك الشاطئ ومن ثم لدول أفريقيا.
وفي كانون الأول/ديسمبر تسبب سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في زيادة النفوذ الروسي في ليبيا، حيث عملت روسيا على نقل قطع عسكرية وعتاد من قواعدها السورية إلى ليبيا وفق تقارير دولية عدة.
وتتحدث تقارير إعلامية غربية عن جهود روسية لبناء جسر جوي لتسيير طائرات شحن عسكرية إلى المنطقة الشرقية في ليبيا لنقل أصول دفاعية، وذلك في مسعى من جانب موسكو لتعزيز وجودها العسكري في ليبيا في أعقاب انهيار نظام بشار الأسد في سوريا.
وبحسب موقع «كل العيون على فاغنر» تعد قاعدة الخادم الجوية في شرق ليبيا نقطة نقل رئيسية بالنسبة إلى روسيا، تستخدم لنقل معدات وجنود إلى مواقع تابعة للفيلق الأفريقي في ليبيا ومنها إلى جمهورية أفريقيا الوسطى.
وأفادت جريدة «ذا تلغراف» البريطانية بأن بيانات تتبع الرحلات الجوية أظهرت أن ثلاث طائرات شحن عسكرية على الأقل انطلقت من بيلاروسيا إلى ليبيا منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر، اليوم الذي سيطرت فيه فصائل المعارضة على العاصمة دمشق.
وتجد ليبيا والسلطات فيها أنفسهم أمام تحد كبير في العام القادم يتمثل في تثبيت الاستقرار النسبي في الأوضاع الأمنية فضلاً عن تحقيق تقدم في العملية السياسية التي تسيرها الأمم المتحدة، وهذا يتطلب توافقاً بين أطراف الصراع في الشرق والغرب الأمر الذي يثير تساؤلات حول القدرة على تنفيذ ذلك.