ليبيا: توقف إنتاج النفط يهلك اقتصاد الدولة الريعي وسط نزاع على السلطة وانقسام سياسي وجغرافي

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس ـ «القدس العربي»: أزمة اقتصادية جدية تقبل عليها ليبيا، البلد الريعي الذي لا يعتمد في دخله إلا على النفط كمصدر وحيد لتغذية ميزانياته وخزينته العامة، وفي ظل الانقسام والمشاكل السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد ظل النفط رهينة لطرف سياسي محدد، واستخدمه كورقة سياسية للابتزاز وتنفيذ المطالب.

فعلى مدار أيام متوالية أعلنت مؤسسة النفط الليبية عن سلسلة من الإغلاقات التي استهدفت كافة موانئ النفط وتسببت في إيقاف التصدير، فضلا عن إقفالات شملت أهم وأبرز حقول النفط في ليبيا جنوبا وشرقا.

ملامح التصعيد

بدأت ملامح هذا التصعيد بإعلان مجموعة من أهالي الجنوب الليبي إيقاف إنتاج وتصدير النفط من حقل الشرارة النفطي أكبر الحقول النفطية في البلاد، مشترطة خروج حكومة الوحدة الوطنية من المشهد لاستئناف العمل بالحقل وذلك عقب يومين من قيام رئيس المؤسسة الوطنية للنفط بإحالة 8 مليارات دولار أمريكي من الإيرادات النفطية لحسابات الحكومة بمصرف ليبيا المركزي بعد تجميدها منذ مطلع العام.
تلا هذا إعلان آخر من أهالي بلدية الزويتينة-سلطان، شرقي ليبيا إيقاف إنتاج وتصدير النفط بميناء الزويتينة النفطي بدءا من السبت إلى حين تسليم حكومة الوحدة الوطنية زمام السلطة للحكومة الليبية برئاسة فتحي باشاغا متهمين «حكومة عائلة الدبيبة» بتشكيل سلطة مركزية في طرابلس والتحكم في تصدير النفط والغاز.
وعقب ذلك أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، حالة القوة القاهرة في حقل الفيل النفطي بسبب توقف الإنتاج بالكامل الأحد، الأمر الذي جعل من تنفيذ المؤسسة التزاماتها التعاقدية أمرًا مستحيلًا.
وقالت مؤسسة النفط، في بيان، إن الحقل تعرض السبت في الساعة 18:30 إلى محاولات الإغلاق التعسفي، بسبب دخول مجموعة من الأفراد ومنع المستخدمين من الاستمرار في الإنتاج وأشارت المؤسسة إلى أسفها عن الاضطرار لإعلان حالة القوة القاهرة على خام مليتة إلى حين إشعار آخر.
فيما دعت وزارة النفط والغاز إلى عدم الاستجابة لأي طرف سياسي للزج بقطاع النفط في أتون المعركة السياسية لتحقيق مكاسب سياسية على حساب خصومه السياسيين وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان حالة القوة القاهرة في حقل الفيل النفطي بسبب توقف الإنتاج بالكامل.
تلا ذلك إعلان المؤسسة الوطنية للنفط، في بيان، حالة القوة القاهرة في ميناء البريقة النفطي؛ لاستحالة تنفيذ التزاماتها وتعهداتها تجاه السوق النفطية.
وحذر بيان المؤسسة من أن هذه الإقفالات سيكون لها بالغ الضرر على الآبار والمكامن والمعدات السطحية لقطاع النفط إضافة إلى فقدان خزينة الدولة لفرص بيعية محققة بأسعار قد لا تتكرر لعقود مقبلة.
وقال وزير النفط والغاز في حكومة الوحدة الوطنية محمد عون إن إغلاقات المنشآت النفطية تسببت في انخفاض معدل إنتاج النفط في البلاد بنحو 600 ألف برميل خام يوميًا، وباحتساب السعر بمتوسط 100 دولار للبرميل، فإن ليبيا تخسر فرصًا بيعية تقدر بـ60 مليون دولار يوميًا.
وتابع عون في تصريحات إلى قناة فرانس 24 «لا نستطيع المساعدة في أزمة الطاقة الأوروبية بسبب حرب أوكرانيا، فالدولة الليبية ليس في إمكانها الآن المساهمة بإنتاج أي كمية إضافية سواء من النفط الخام أو الغاز، وليس لدينا أي احتياطي لنضخه إلى السوق العالمية، ولن نتمكن من ذلك قبل خمس أو ست سنوات على الأقل».
وفي 19 نيسان/أبريل الماضي، أصدر عون قرارًا بتشكيل لجنة تتولى التواصل مع الجهات المتسببة في الإقفالات بالمواقع النفطية، ومناقشتها ومحاورتها بغية إيجاد حلول سريعة لإعادة فتح النفط من جديد دون أي شروط.
إلا أن عون وفي وقت سابق القى باللوم على خليفة حفتر، بشأن عمليات الإغلاق الأخيرة التي تعرض لها عدد من المنشآت والحقول النفطية في شرق وجنوب ليبيا، ما أدى إلى خفض إنتاج البلاد النفطي إلى النصف تقريبًا.
جاء ذلك في لقاء مع «فاينانشيال تايمز» قالت فيه أن وزير النفط والغاز بحكومة الوحدة الوطنية، محمد عون، «ألقى باللوم على القوات المتحالفة مع رجل قوي مؤثر في موجة إغلاق لحقول نفط ومحطات تصدير أدت إلى خفض إنتاج البلاد النفطي إلى النصف تقريبًا» في إشارة إلى حفتر.
وأشارت الصحيفة إلى أن ليبيا تنتج 1.3 مليون برميل يوميًا، وأدى الإغلاق الأخير إلى توقف أكثر من 550 ألف برميل يوميًا من إنتاجها هذا الأسبوع، أي ما يعادل 0.5 في المئة من إمدادات النفط العالمية.

اتهامات لواشنطن

فيما قال موقع «أفريكا أنتليجنس» إن واشنطن لعبت دورا مركزيا في المأزق الذي أدى إلى إغلاق حقلي الشرارة والفيل في 17 نيسان/أبريل، ما أدى إلى خفض إنتاج ليبيا اليومي من النفط بنحو النصف.
وتابع الموقع الاستخباراتي أن الولايات المتحدة- وبهدف تعزيز إنتاج النفط الليبي كوسيلة للحد من اعتماد أوروبا على الخام الروسي- تعمل من عدة أسابيع بوتيرة سريعة على آلية لعدم تسييس إدارة عائدات النفط الليبية التي تديرها المؤسسة الوطنية للنفط.
وأوضح «أفريكا أنتليجنس» أن الآلية التي كان من المقرر أن تديرها المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي وممثل عن السلطات في شرق ليبيا، تهدف إلى تمكين رئيس المؤسسة مصطفى صنع الله من تمويل صيانة المنشآت النفطية مع منع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة من استغلال عائدات النفط كوسيلة للاحتفاظ بمنصبه.
وتحدث الموقع الفرنسي عن أن الآلية التي عملت عليها الولايات المتحدة كانت ستسمح للدبيبة بتلقي الأموال فقط لدفع رواتب موظفي الدولة وتمويل الإعانات الحكومية للسلع الأساسية وفق قوله، موضحا أن السفير الأمريكي ريتشارد نورلاند الذي أراد التحرك بسرعة لم ينتظر حتى يتم تشغيل الآلية رسميا.
إلا ان الولايات المتحدة الأمريكية استذكرت هذه الأزمة بعد عشرة أيام في بيان عبرت فيه عن قلقها العميق من استمرار إغلاق النفط، داعية القادة الليبيين المسؤولين إلى إنهاء الأمر على الفور، وإدراك أن الإغلاق يضر بالليبيين في جميع أنحاء البلاد وله تداعيات على الاقتصاد العالمي.
وأوضحت واشنطن انه يجب على القادة الليبيين المسؤولين أن يدركوا أنّ الإغلاق يضر بالليبيين في جميع أنحاء البلاد وله تداعيات على الاقتصاد العالمي، ويجب عليهم إنهاء إغلاق النفط على الفور، حسب ما جاء على صفحة السفارة الأمريكية لدى ليبيا.
وتابعت السفارة أن الإغلاق يحرم الليبيين من عائدات كبيرة، ويسهم في زيادة الأسعار، ويمكن أن يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي، ومشكلات في إمدادات المياه، ونقص في الوقود، موضحة أن الأضرار التي يسببها الإغلاق للبنية التحتية النفطية سيكلف ليبيا ملايين إضافية، وينذر بحدوث كارثة بيئية، ويمكن أن يؤثر على قدرة البلاد على الاستفادة من هذه البنية التحتية في المستقبل للوصول إلى كامل إمكاناتها الإنتاجية.
وأشار بيان السفارة إلى قرارات مجلس الأمن المتعددة التي تحمي المؤسسة الوطنية للنفط، مجددة التزامها بالعمل مع القادة الليبيين بشأن آلية من شأنها أن تمنح الشعب الليبي الثقة في أن عائدات البلاد توزع بما يعود عليه بالفائدة.

النزاع على السلطة

وفي الوقت الذي لم تعلق فيه حكومة الوحدة الوطنية على إقفال المنشآت النفطية، قال رئيس الحكومة المكلف من مجلس النواب إن الحكومة سوف تتواصل مع المناطق التي أُغلقت حقول وموانئ النفط بها، لمعرفة الأسباب، متهمًا حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة بدعم مجموعات مسلحة وإرهابيين يرتكبون أعمالًا آخرها في أم الأرانب.
وأضاف أن الحكومة منتهية الولاية تستخدم المال من أجل البقاء في السلطة، و«نأسف لإقفال النفط، لكن الأسباب التي دعت لذلك هي عدم استخدام المال الوارد من النفط في الاهتمام بصحة الليبيين وعلاجهم، وإنما في توزيعه على مجموعات مسلحة وميليشيات وإرهابيين».
ورأى باشاغا أن من أغلقوا النفط يرون أن أموالهم ضيعتها الحكومة، مشددًا على ضرورة توفير الأمن للجنوب الذي يضم خيرات ليبيا بما فيها الطاقة الشمسية، كما أنه قريب من أفريقيا بوجود حدود طويلة تحتاج للاهتمام، فضلًا عن الأمن الغذائي، مع الاهتمام بتجارة الخدمات والعبور.
وعقب ذلك وفي بيان آخر في السياق نفسه طالب رئيس الحكومة المكلف من مجلس النواب فتحي باشاغا المعتصمين بالحقول النفطية بضرورة استئناف التصدير على أن يتم ما يعتبره إدارة الإيرادات وفق آلية نزيهة وشفافة.
وتابع باشاغا خلال لقائه بالمعتصمين داخل جامعة النجم الساطع بالبريقة أن لديهم اتصالات مكثفة مع عدة أطراف محلية ودولية لوضع آلية شفافة لعدم استغلال الإيرادات النفطية والاحتفاظ بها في حسابات الدولة الليبية بعيدا عن الصراعات السياسية على حد وصفه.

أزمات اقتصادية

وحذر البنك الدولي من مواجهة ليبيا لتحديات اقتصادية هائلة، في ظل استمرار تفكك مؤسسات الدولة مع التحديات الاجتماعية، وتوتر الأوضاع السياسية.
وفي تقرير للمرصد الاقتصادي التابع للبنك الدولي، ذكر أن ليبيا بحاجة عاجلة إلى الاستثمار في البنية التحتية، والمساعدة الاجتماعية للفئات الضعيفة، بما في ذلك حملة تطعيم أكثر نظاما وفاعلية ضد وباء كورونا، بحسب ما نشرته وكالة الأنباء الليبية.
وبيّن أنّ النمو في القطاعات غير النفطية ظل ضعيفا، ويعوقه الصراع المستمر، وسوء الخدمات، مؤكدا في الوقت نفسه، التزامه بدعم البلاد من خلال المساعدة الفنية والخدمات التحليلية وتمويل الصناديق الائتمانية والمنح.
من جانبه، قال المدير الإقليمي للبنك الدولي لمنطقة المغرب العربي ومالطا، جيسكو هينتشل إن ليبيا تحتاج بشدة إلى مؤسسات موحدة، وإدارة جيدة، وإرادة سياسية قوية، وإصلاحات طال انتظارها.
وأشار هينتشل إلى أنّ أداء الاقتصاد المحلي في عام 2020 كان الأسوأ في السنوات الأخيرة، في ظل استمرار المشكلات في قطاع النفط، ووباء كورونا.
وكان صندوق النقد الدولي قد توقع استمرار ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم في ليبيا خلال العام 2022 ليصل إلى 3.7 في المئة لكنه أكد إمكانية نزوله لحدود 2.4 في المئة العام المقبل.
فيما قال مؤسس سوق المال الليبي الاقتصادي سليمان الشحومي أن توقف إنتاج وتصدير النفط كارثة بمعنى الكلمة مهما كانت الشعارات والمنطلقات، مضيفا أن الواقع والمنطق ان لا تحجب الايرادات النفطية عن الإيداع بحسابات الحكومة بالمصرف المركزي مهما كانت الدوافع، موضحا أن الاحتفاظ بها خارج قنواتها الطبيعية يؤدي إلى انحسار قدرة المصرف المركزي على تمويل عمليات التجارة الخارجية ويضعف قدرته على تمويل النفقات العامة حتى مع التقيد بالانفاق المرشد.
وأضاف أن من يطلبون ان يتم فرض إدارة أجنبية على الايرادات كلامهم غير واقعي وسيعني ذلك حتما ان تذهب الايرادات إلى حسابات الحكومة لدى المصرف المركزي في نهاية الأمر وفقا لقانون تسيير الانفاق العام، وبالتالي ستزداد حلقة أخرى من الحلقات المفرغة الموجودة وتسلب ما تبقى من السيادة ومقومات الدولة الوطنية.
وأردف ان توقف إنتاج وتصدير النفط يعني تعثرا شاملا وحتما ينعكس في مستويات الأسعار ويجر وراءه التزامات وتعقيدات فنية بقطاع الطاقة والذي هو الأمل الوحيد لإعادة الاستقرار الاقتصادي للبلاد وإعادة مسار التنمية لليبيا.
وتابع ان تجنيب ايرادات النفط وإمساكها لدى مؤسسة النفط ليس حلا على الإطلاق، فذلك يعني ان المؤسسة الوطنية للنفط لن تجد موارد لاستمرار أعمالها ولا يمكن أيضا للمصرف المركزي ان يستمر في تمويل الانفاق العام ولا نعرف مدى قدرة المركزي في استمرار التمويل بدون ايرادات في ظل وجود دين عام سابق لم تتم تسويته.
ورأى الشحومي ان الأنسب أن تقر الموازنة العامة من السلطة التشريعية وان تقيد الانفاق بشرط الرقابة المصاحبة لوزارة المالية من قبل ديوان المحاسبة وان توقف مؤقتا الانفاق على التنمية وعلى الطوارئ في ظل تهتك وضعف مؤسسات الدولة وضعف القدرة على إدارة عمليات التنمية وغرقها في الفساد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية