ليبيا: حوار بالهجمات الانتحارية والبلطجة الجوّية

حجم الخط
7

يحاول المجتمع الدولي والجامعة العربية إيجاد حلّ لفوضى المشهد الليبي الذي يشهد، على الأرض، انقساماً سياسياً وعسكرياً بين شرق ليبيا، بدءاً من الحدود مع مصر وصولاً إلى بنغازي، وغربها الذي تتوسطه العاصمة طرابلس وصولاً إلى الحدود التونسية، على شكل خندق عريض متعرّج تتحشّد إلى الشرق فيه قوات اللواء خليفة حفتر (الذي لم يعد متقاعداً بعد «ضمه» من قبل الجيش والاركان الليبيين التابعين لحكومة عبد الله الثني وبرلمان طبرق) وإلى الغرب ميليشيات «فجر ليبيا» التي هي القوة الضاربة التي ترتكز إليها حكومة عمر الحاسي وبرلمان طرابلس.
ورغم القبول الدولي الذي تتمتع به حكومة الثني وبرلمان طبرق المنتخب فإن ذلك لا يغيّر في ميزان القوى الأرضيّ شيئاً، ولذلك فإن الليبيين لا يعلقون كثير أمل على المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة حالياً في جنيف، فالطرفان القويّان على الأرض يرسلان الرسائل بأن هذا الحوار وممثليه غير قادرين على إنجاز اتفاق يمكن إلزام القوى المتنازعة به.
الموفد الإعلامي عن مجلس نواب طبرق، عبد المنعم الجراي، أعلن في بداية الجلسة الأولى للحوار بين من سمّاها «الأطراف الليبية» أن حالة من التفاؤل تسود اللقاء الذي «لم يتغيّب عنه أي طرف وصل إلى جنيف»، والواقع أن كل الأخبار الواردة تكذّب هذا القول فالمؤتمر الوطني العام في طرابلس، الطرف الثاني المفترض في الحوار، لم يحدد موقفه من قضية المشاركة في المفاوضات، وبالتالي فلا معنى حقيقي لجملة الجراي، وبعد إعلان «فجر ليبيا» رفضها أول أمس الأول الأربعاء، لحوار جنيف، فمن غير الواقعيّ توقع مشاركة فعلية للمؤتمر الوطني العام.
إضافة إلى ذلك تبيّن تصريحات لشخصيات فاعلة في جبهتي طبرق وطرابلس، مثل النائب الثاني لرئيس مؤتمر طبرق صالح المخزوم، ووزير الحكم المحلي في حكومة عمر الحاسي، أن الأمم المتحدة ومبعوثها قاما بعمليات انتقائية لممثلين افتراضيين عن الطرفين، حيث دعت بعض أعضاء مجالس البلديات لتمثيل حكومة طرابلس، مما يجعل الاجتماع يبدو مرتّبا لتسجيل نقاط تكتيكية لصالح الأمم المتحدة أكثر مما هو للوصول إلى حلول حقيقية على الأرض.
تمتاز حكومة عبد الله الثني سياسياً بحصولها على اعتراف دولي وعربيّ عام بها، يشرعن وجودها، كما أنها تمتلك عسكرياً ميّزة سلاح الجوّ، غير أن نقطتي التفوّق هاتين هما نقطتا ضعف أيضاً، فالانتخابات التي أدت إلى مجلس نواب جديد جرت خارج العاصمة طرابلس وهو ما عرّضها لشبهة التبعية الإقليمية لمصر، والتي تعاني بدورها أزمة شرعيّة منذ إسقاط محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب لمصر، بالقوة في 3 تموز/يوليو 2013، غير أن نقطة الضعف الأكبر تتمثّل في ارتباطات خليفة حفتر وما يقوم به.
فاذا كانت نتائج انتخابات المؤتمر الوطني الليبي الثاني يمكن ربطها بفشل الأغلبية ذات الطابع الإسلامي في المؤتمر الوطني الليبي الأول في تقديم إدارة وقيادة فاعلة لليبيا تخرط الميليشيات الثورية في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وتقدم برامج تنمية حقيقية للشعب الليبي، وتواجه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي قامت بها بعض الميليشيات المحسوبة عليها، فإن احتماء حكومة الثني ومؤتمر طبرق بخليفة حفتر، وتسليم القرار السياسي الليبي لمصر، وارتكاب قوات حفتر جرائم ضد المدنيين الليبيين، وضد القانون الدولي أيضا (كقصف باخرة النقل اليونانية في الخامس من الشهر الجاري)، وارتباطها المعلن بأجندة مصر وأطراف إقليمية عربية، يحوّل الصراع من طبيعته السياسية المفترضة، إلى نزاع محموم على السلطة، يخفي وراءه ميلا دكتاتورياً طاغياً، ومشروعاً إقليمياً – دولياً لمحاربة مجمل تعبيرات الإسلام السياسي وليس الطبعات المتطرّفة الانتحارية فحسب.
تبدو جلسات حوار برناردينو ليون، المبعوث الأممي، في جنيف، على خلفية الإنشقاق الليبي العريض، نوعاً من عطلة سياحية شتوية للمشاركين فيها، بينما تغرق ليبيا في الفوضى والدم بين طرفين متطرّفين، واحد يستخدم الهجمات الانتحارية والثاني يستخدم البلطجة الجوية، وهي الوصفة التي ما زال العالم يعتمدها لنشر التطرّف واليأس والطغيان باسم «مكافحة الإرهاب».

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية