درنة المدينة الساحلية التي تبعد عن بنغازي عاصمة المنطقة الشرقية من ليبيا حوالي 350 كيلومترا تأسرك وتسحرك فور دخولك إليها بجمال طبيعتها الخلاب. فعند كل الليبيين تمثل هذه المدينة ذكرى جميلة، فمن لم يتمتع بشلالاتها وينابيعها الرائعة المتدفقة من جبالها وعبر وديانها ناهيك عن إنتاجها الوفير من الفواكه.
ما يشدك في درنة هو ديموغرافيتها وتعدد انتماءات سكانها المنحدرين من كافة القبائل الليبية والمعروف عنهم حبهم للثقافة ما جعلها قبلة للعلم والثقافة والفنون ومركزاً حضارياً على طول الزمان وعرضه.
أفاق الليبيون على كارثة فاقت التقديرات وحدود التصور ولم يرسم ما حل بها أكثر المتشائمين من توجه الإعصار «دانيال» من اليونان إلى شواطئ ليبيا وتحديداً المنطقة الشرقية بعد الإعلان عن تراجع قوته وتحوله من إعصار إلى عاصفة، حينها كان التعامل الحكومي والشعبي مع الحدث الطبيعي متساهلاً واقتصر على التحذيرات المناخية من قبل مركز الأرصاد الجوية من احتمالية سقوط كميات قد تصل 200 مليلتر خلال 24 ساعة.
القدر كان يحمل للمدينة أكثر من التوقعات، فمعدل هطول الأمطار كان غير مسبوق حيث مناطق الساحل الشرقية شهدت هطولا كبيرا للأمطار تجاوزت في بعض مناطق الجبل الأخضر 400 مليلتر خلال 24 ساعة، وهي كميات تساوت مع المسجلة خلال العام الواحد في العادة وسرعان ما انغمر وادي درنة بالمياه الذي تبلغ مساحته 75 كيلومترا مساحة حوض التجميع فيه حوالي 575 كيلومترا مربعاً.
السدود المميتة
كان يحمي درنة سدان، فطبيعة المدينة التي تتكون على الجبل والوديان وتعطي وجهها للبحر ويقسمها الوادي إلى نصفين تستلزم ذلك بالنظر لعدد الكوارث الطبيعية التي شهدتها المنطقة على مدار القرن الماضي وأقدم. ومع فجر يوم الأحد 11 من أيلول/سبتمبر زاد الحمل على السدود ولم تستطع تحمل الضغط المتزايد عليها فانفجرت بداية بسد منصور الكبير الذي يبعد عن المدينة 10 كيلومترات ويسع 22.5 مليون متر مكعب من المياه، ثم سقط السد الثاني المسمى درنة وسعته 1.5 مليون متر مكعب ليفتح المجال وفق التقديرات الأولية أمام أكثر من 115 مليون متر مكعب من المياه المدمرة المحملة بالطمي والحجارة وبقايا السيارات والمنازل والأشجار التي دمرت أكثر من 40 في المئة من مدينة درنة بشكل كارثي وغير مسبوق.
تَكشفُ الكارثة
كأثر فوري دمرت البنية التحتية في المدينة بالكامل ومعها انقطعت الاتصالات والطرق وتحولت المدينة إلى مدينة أشباح مليئة بالجثث. لم يكن الليبيون يعرفون ما حدث في المدينة حتى البيانات الحكومية الأولية التي تحدثت عن مرور العاصفة والسيطرة على الوضع بمناطق الشرق الليبي، ومع توالي الساعات بدأت مقاطع الفيديو والشهادات حول وقوع كارثة كبيرة في مدن درنة وسوسة وتاكنس والبيضاء وغيرها إلا أن الساعات التي تليها بينت الحجم الحقيقي للكارثة فقد أعلنت وزارة الصحة التابعة لحكومة البرلمان أن الوضع متأزم مطالبة سرعة التدخل وتؤكد مقتل 5200 شخص وفقدان نحو 20 آلاف شخص كتقديرات أولية.
وتشير تقارير الهلال الأحمر الليبي التي لم تدعم بتصريحات حكومية مؤكدة أن حصيلة القتلى من جراء الفيضانات في مدينة ارتفعت إلى 11300 قتيل، فيما رجح مسؤول محلي ارتفاع العدد لأكثر من ذلك بكثير.
تصاعد أعداد الضحايا
توقع رئيس بلدية درنة عبد المنعم الغيثي وصول الوفيات إلى 20 ألف قتل وفق الأضرار المرصودة وأعداد المفقودين مطالباً بسرعة توفير حاجة فرق انتشال الجثث الدولية.
وعلى وقع مصيبة العاصفة دانيال وانهيار السدود شكل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة فريق عمل حكومي للأزمة وأصدر عديد القرارات تخص المناطق المتضررة وأهلها، فأصدر تعليماته إلى المجالس البلدية بالمناطق المنكوبة لحصر الأسر المتضررة وصرف بدل إيجار شهري لهم وتخصيص مبلغ مالي قدره 500 مليون دينار لصالح وزارة الحكم المحلي بهدف تغطية الأضرار وتخصيص مبلغ مالي آخر قدره 2 مليار دينار لصالح صندوق إعمار مدينتي بنغازي ودرنة، بهدف إعمار البلديات المنكوبة وتأهيل المناطق التي دمرتها السيول والأمطار. في حين سير مصرف ليبيا المركزي في طرابلس رحلات جوية مع المنطقة الشرقية لنقل أكثر من 5.7 مليار دينار كسيولة نقدية لدعم المصارف التجارية وبالتالي المواطنين المتضررين.
فيما أعلن مجلس النواب الليبي عن رصد وتخصيص ميزانية بقيمة 10 مليارات دينار لمعالجة آثار الفيضان وتشكيل لجنة برئاسة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح وعضوية محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير بالإضافة لفتح حساب في مصرف ليبيا المركزي تودع فيه المخصصات أو المعونات المحلية والدولية والإشراف على صرفها للأغراض المخصصة لها.
حملة دعم شعبية
على طول البلاد وعرضها بدأت الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في إنشاء محطات تبرع لإغاثة المتضررين حيث استطاعت الحملات جمع مليون دينار نقدي كدفعة أولى خلال يوم واحد ومعها تم تجميع المياه والملابس والمواد الغذائية وحليب الأطفال لتنطلق بها مئات الشاحنات في رحلة إلى دعم المتضررين، وكان مشهد ازدحام الطرقات الطويلة إلى المنطقة الشرقية انطلاقا من مناطق الغرب والجنوب الليبي، والمشهد دل على القوة والرابط الاجتماعي الذي لم تغيره سنوات الانقسام السياسي في البلاد.
توافُد الدعم الدولي
سارعت عدة دول إلى إرسال فرق إنقاذ وإغاثة والأطنان من المعدات والمواد الطبية، فسيرت مصر جسرا جويا وبريا وبحريا إلى حدودها الغربية باتجاه مدينة درنة حيث وقف على تجهيزها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وخلال ساعات كانت تلك المساعدات في المناطق المتضررة؛ كذلك فعلت تركيا التي بعثت بفريق طبي وإغاثي للإنقاذ بمعدات وتجهيزات متطورة ساهمت بشكل كبير في إنقاذ العشرات من المصابين والعالقين تحت المنازل المدمرة؛ فيما وصلت فرق أخرى من تونس، والجزائر، وقطر، الإمارات، السعودية، والأردن، والكويت، وإيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا فيما خصصت الولايات المتحدة والأمم المتحدة مبالغ مالية لصالح عمليات الإنقاذ والإغاثة والدعم اللوجستي أما المفوضية الأوروبية فأعلنت من جانبها إرسال مساعدة من مستشفيات ميدانية ومولدات كهربائية ومواد غذائية وخزانات مياه.
وضع إنساني مترد
تشير التقديرات الأولية الصادرة من الأمم المتحدة أن أكثر من 250 ألف شخص قد تضرروا من الكارثة حيث أطلقت نداء عاجلاً لجمع 71.4 مليون دولار أمريكي وقد أعلن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن نحو 884 ألف شخص يعيشون في المناطق المتأثرة بالفيضانات، وأعلن القائمون على برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عزمهم تقديم مساعدة شهرية لنحو 100 ألف شخص تضرروا شرق البلاد مؤكدة أن هذا الإجراء المخطط سيكون استثنائيا ولمدة 3 أشهر فيما أعلنت منظمة الصحة العالمية تخصيص مليوني دولار من صندوق الطوارئ لتقديم المساعدة في ليبيا.
محاذير من كارثة بيئية
على الرغم من دفن مئات الجثامين من ضحايا الفيضانات في مقابر جماعية بمدينة درنة إلا أن استمرار فقدان عشرات الآلاف من السكان ودمار البنية التحتية فتح الأبواب من مخاطر صحية فادحة نتيجة الجثث غير المنتشلة وغير المدفونة بسبب عدم التعرف على أصحابها وانتظار التراخيص المطلوبة وأخذ العينات الجينية للتعرف على أصحابها، حيث يلعب ضعف الإمكانيات في المرافق الصحية الليبية بالمنطقة الشرقية دورا كبيرا، كذلك تم رصد العشرات من الجثث التي أخذتها الفيضانات والسيول إلى البحر على بعد عشرات الكيلومترات في شواطئ الساحل الليبي كثير منها ما زال يُنتشل حتى الآن وتشير بعد التحذيرات إلى انتشار كثير من الأسلحة المخزنة على رقعة واسعة من المناطق بعد انجرافها مع السيول وهو ما يشكل تحديات جديدة أمام المواطنين وفرق الإنقاذ والإغاثة المحلية والدولية.
وفي مدينة البيضاء طالب مدير مركزها الطبي عبد الرحيم مازق بضرورة البدء في حملة تطعيمات عاجلة لكل من فرق وأطقم الإنقاذ والسكان بالمنطقة المنكوبة شرق ليبيا محذراً من كارثة بيئية نتيجة انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة تحلل الجثث في المياه بالشوارع والمناطق المغلقة.
مطالب بالتحقيق
بعد أيام من الكارثة بدأت دعوات مدنية وسياسية تتصاعد بالتحقيق العاجل في أسباب انهيار السدود في مدينة درنة وهي ما وجدت صداها سريعا لدى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الذي دعا النائب العام الصديق الصور إلى التحقيق في كل من تثبت مسؤوليته عن الكارثة فيما ذهب ناشطون للمطالبة بغطاء شرعي من المجتمع الدولي لإتمام التحقيق.
وفي مسعى لتسهيل إجراءات التحقيق اتفق المنفي مع رئيس «ديوان المحاسبة» وهي الجهة المعنية بمراقبة ورصد ومراجعة التعاقدات والمشاريع الحكومية على ضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية لتجهيز كل المستندات الداعمة لتحقيقات النائب العام حول انهيار سدي مدينة درنة وتعطيل جهود الاستغاثة الدولية.
الدبيبة بدوره اجتمع بشكل عاجل مع وزارة الموارد المائية في طرابلس واستعرض معهم أسباب انهيار السدود حيث أكدوا عجزهم عن صيانة السدود قبل انهيارها بسبب توقف المشاريع وانسحاب الشركات مؤكدين أن الوضع الكارثي قد جرى التحذير منه أكثر من مرة دون تحرك السلطات في هذا الصدد فيما أكد الدبيبة أنه لم يصله منذ تسلمه منصبه قبل عامين أي تقرير حول السدود لكنه اتجه في الاجتماع إلى الإعلان عن تشكيل هيئة خاصة بالسدود في ليبيا ذات ذمة مالية مستقلة عن وزارة الموارد المائية لوضع الحل لإعادة بناء سدود درنة والبدء في دراسة وضع السدود الأخرى في ليبيا والبالغ عددها 18 سداً صممت جلها كسدود تجميعية وعلى غرار وطراز سدود درنة المميتة.
وكشفت وزارة التخطيط الليبية عن ملابسات أخرى تتعلق بالسدين المنهارين في درنة مؤكدة أنها عندما راجعت الأوراق الخاصة بعقود الصيانة وجدت أن العقود لم تستكمل على الرغم من تخصيص عشرات الملايين بالعملة المحلية والصعبة.
وتشير التقارير غير الرسمية عن شروع النائب العام في تحقيقاته حول الكارثة حيث استدعى وزارة التخطيط والموارد المائية والمسؤولين عن السدود المنهارة في مساع لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد.
ليست الحادثة الأولى
سلسلة من الفيضانات أصابت مدينة درنة، فقد شهدت سنوات 1941-1959-1968 فيضانات عدة أعنفها عام 1959 كان الأشد وقعاً على المدينة وقد خلصت التقارير في بداية الستينات إلى ضرورة بناء السدود لحماية المدينة من الفيضانات ومطلع السبعينات بدأت شركة يوغسلافية في بناء السدّين وصولا لعام 1977 حين استكمل بناء السدين بقلب من الطين المضغوط مع درع محيط من الحجر والصخور وكان ارتفاع السدّين يبلغ حوالي 40 متراً.
عندما تم الانتهاء من بناء السدين تصور أهل درنة أن كابوس الفيضانات والسيول قد انتهى إلا أن الإهمال الحكومي واستشراء الفساد في أهم القطاعات الخدمية أعاد إليهم أسوأ كوابيسهم هذه المرة دون رحمة ولا شفقة!