ليبيا في ظل التأخر في اعتماد الميزانية: انتقادات لآلية الصرف المتبعة من الحكومة وجدل حول أساسها القانوني

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس ـ «القدس العربي»: اتهامات متتالية باتت توجه لحكومة الوحدة الوطنية مع التأخر في اعتماد الميزانية العامة للدولة، بسبب قيامها بصرف مبالغ ضخمة جدا، بدون أن تنشر أو توضح أوجه صرفها، ومصدره؛ والسند القانوني والنص الذي تستند عليه، في إطار هذه المصروفات.
مصادر حكومية أوضحت لـ«القدس العربي» أن حكومة الوحدة الوطنية تقوم بصرف من 1 إلى 12 من الميزانية المقترحة، في إطار النصوص القانونية المحددة للحكومة في حال تأخر البرلمان في اعتماد ميزانيتها، إلا أن هذه النسبة من المصروفات وفي نص القانون بها جدل كبير، وقد اتهم البعض الحكومة بالفساد واستغلال ثغرات القانون والتضارب في بعض المواد لصرف الأموال بلا رقابة تذكر.

نص القانون

ففي إطار مقترحات لجنة شباط/فبراير التي ضمنت في الإعلان الدستوري، يجوز للحكومة أن تصرف من 1 إلى 12 من الميزانية المقترحة للعام الحالي، حال تأخر البرلمان في اعتماد ميزانيتها وتعطل تسيير أعمالها، وهذا ما ربطه بعض المتتبعين بقيام الحكومة بتضخيم الميزانية في مقترحات متتالية.
إلا أن هذه المادة التي استندت عليها الحكومة في صرف هذه المبالغ الطائلة تعتبر ملغاة وباطلة بموجب القانون استندا إلى حكم الدائرة الدستورية العليا الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2014 والقاضي بإلغاء الفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري المؤقت والتي تم من خلالها تضمين مقترحات لجنة شباط/فبراير.
وبخلاف مقترحات لجنة فبراير التي خلطت الأوراق، فالقانون ينص على وجوب أن تصرف الحكومة كاعتماد مؤقت من 1 إلى 12 من ميزانية السنة الماضية على اعتبارها ميزانية معتمدة خاضعة لرقابة السلطة التشريعية للدولة، وبهذا النص يستطيع البرلمان على الأقل أن يعلم ما الذي صرفته الحكومة من أموال لعلمه بميزانية السنوات الماضية التي اعتمدها بيده.
ورغم عدم توضيح حكومة الوحدة الوطنية وبشكل رسمي أي قانون قد استندت عليه إلا أن الواقع يوضح استنادها على مقترحات لجنة فبراير والتي رأى القانونيون أنها ومن خلال هذه المادة تفتح باب فساد للحكومة خارج أعين السلطات الرقابية والتشريعية.
كما أن قيام الحكومة برفع المقترح من الميزانية عقب كل فترة، كان حسب متتبعين دليلا قاطعا على استنادها في الصرف على مقترحات لجنة فبراير ولهذا لجأت لرفع الميزانية ليرفع المتاح للصرف تدريجيا.

مقترحات جديدة

فقبل أيام أحالت حكومة الوحدة الوطنية مقترحا للميزانية العامة للدولة للعام 2021 عقب تعديله لمجلس النواب الليبي، لغرض النظر فيه واعتماده عقب التصويت عليه من قبل أعضاء المجلس.
وقد حصلت صحيفة «القدس العربي» على نسخة من مشروع الميزانية المحال حديثا والذي تخطت فيه القيمة الإجمالية للميزانية المعدلة 111 مليار دينار، مسجلة 111 مليارًا و273 مليونًا و260 ألفًا و670 دينارًا.
وتضمن المقترح رفع بند المرتبات إلى 43.9 مليار دينار، أما التسييرية فأدرج له مبلغ 18.7 مليار دينار ليبي، بينما خصص لبند التنمية عشرون مليار والدعم 22 مليار، ورفعت الحكومة مخصصات باب الطوارئ إلى ستة مليار.
وعقب هذا المقترح أحالت الحكومة مقترحا آخر إلا أنه لم ينشر ولم يسرب على وسائل الإعلام تضمن تعديلا طفيفا بذات المبلغ التقريبي 111 مليار دينار ليبي.

آراء وتوجهات

الخبير الاقتصادي نور الدين حبارات قال تعليقا على هذه القضية أن قرار الحكومة بشأن الصرف بموجب 1/12 من مشروع الميزانية المقترحة يأتي وفقاً لأحكام المادة (24) من مقترحات لجنة فبراير التي ضمنت للإعلان الدستوري المؤقت بموجب التعديل السابع خلال العام 2014.
وأضاف حبارات أن هذا القرار يعني ويفهم ضمنياً عدم حاجة الحكومة لإنتظار اعتماد أو مصادقة مجلس النواب على مشروع الميزانية في ظل استمرار التأخر أو التأجيل في اعتمادها لإن ذلك يخدمها أي الحكومة ولا يعطلها.
وتابع «لذلك فإن الحكومة مصرة على رفض إجراء أي تخفيض في مشروع الميزانيةً بل إجرت زيادة لها من 93 إلى 111 مليار دينار رغم مطالب المجلس المستمرة بتخفيضها على مدار الأشهر الماضية وتحذيره للحكومة من تداعيات ميزانية بهذا الحجم على معدلات التضخم والقدرة الشرائية للدينار ومرتبات المواطنين وعلى الاقتصاد بشكل عام».
وفي حديثه عن مجلس النواب قال حبارات «قد يرى الكثيرون إن بإمكان مجلس النواب وضع حد لهذه المعضلة عبر إجراء تعديل دستوري يلغي بموجبه المادة المذكورة أعلاه باعتبارها تحد من صلاحياته وتغل يده في مراقبة الميزانية وفي التصدي لتصرفات الحكومة التي لم تعد مبالية بما يتخذه من إجراءات، ورغم إن هذه المادة قانوناً ملغاة استناداً إلى حكم الدائرة الدستورية العليا الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2014 بشأن إلغاء الفقرة (11) من المادة 30 من الإعلان الدستوري المؤقت التي تم بموجبها تضمين مقترحات لجنة فبراير رزمة واحدة، لكن عملياً الموضوع مختلف وليس بالأمر الهين بل معقد جداً، فمجلس النواب لا يستطيع الطعن في قانونية تلك المادة (المادة 24 ) أو التمسك بحكم أو قرار المحكمة العليا القاضي بإلغائها لإن طعنه فيها يعني طعنه في نفسه وإلغاء وجوده. فهذا المجلس أتى أيضاً بموجب مقترحات لجنة فبراير الملغاة، واستمرار وجوده في المشهد إلى اليوم كان استناداً إلى اتفاق الصخيرات بشأن تقاسم السلطة وليس بموجب الانتخابات المنبثقة عن مقترحات لجنة فبراير الملغاة والأمر نفسه فيما يتعلق بمجلس الدولة .
وختم حبارات حديثه قائلا أن هذه الحقيقة يدركها أعضاء مجلس النواب جيداً والتي قد لا يعلمها الكثيرون، وعليه فإن التأخر في اعتماد الميزانية وحالة الشد والجذب بينهما أعتقد ستتواصل، فمجلس النًواب مصمم على اعتماد مبلغ مخفض من خلال لجنته المالية والحكومة متمسكة بمشروعها دون تعديل.

مطالبات النواب

وخلال الجلسة الأخيرة للمجلس كان هناك موقف للجنة المتخصصة في مراجعة بنود الميزانية بمجلس النواب والمسماة بلجنة المالية حيث اعترض رئيسها قائلا إن اللجنة المالية عكفت في المدة الماضية على تقديم اقتراح بشأن الميزانية ولم يتم عرضه على مجلس النواب، موضحا إن الحكومة جلبت ميزانية أخرى وأن من حق لجنة المالية والنواب التعديل في الميزانية وإقرارها.
حيث وفي وقت سابق قدمت لجنة المالية بمجلس النواب الليبي مقترحا بديلا حصلت «القدس العربي» على صورة منه الا أنه لم يناقش بشكل جدي من قبل مجلس النواب.
وتضمنت الوثيقة المعدة كمقترح تعديل الميزانية بشكل عام وتقليصها إلى مبلغ 75.7 مليار دينار عقب أن قدمت من الحكومة معدلة بمبلغ 93.8 مليار دينار، واعترض عليها مجلس النواب.
وقلص الباب المرتبات إلى 33.8 مليار دينار، أما الباب التسييري فقد قلص إلى 9.2 مليار دينار، وقلصت ميزانية التنمية إلى 12 مليار دينار، أما باب الدعم فقد ظل بمبلغ 20 مليار دينار.
وقد بات معظم الاقتصاديين يضعون سيناريو يتمثل في عدم اعتماد الميزانية وبقاء الوضع كما هو عليه، حيث قال الخبير الاقتصادي مختار الجديد «فيما يتعلق بامكانية اعتماد الميزانية بحسب المتوقع فهناك سيناريوهات مرتبة بحسب احتماليتها العالية. السيناريو الأول هو عدم اعتماد الميزانية حتى نهاية السنة وهو أقوى السيناريوهات المتوقعة واستمرار الصرف بواقع 1.12».
وأضاف الجديد «أن السيناريو الثاني يتمثل في اعتماد ميزانية برقم في حدود الثمانية وسبعين مليار دينار، أما السيناريو الثالث وهو اعتماد ميزانية بمبلغ مئة واحدى عشر مليار دينار وهو سيناريو مستبعد جدا» خاتما حديثه «عن نفسي أتمنى ان يتحقق السيناريو الثاني».
وعلى إثر قيام الحكومة في قرارات سابقة بتخصيص أموال خارج بنود الميزانية المقترحة ومن رسوم النقد الأجنبي كان هناك ردود فعل أيضا على هذا التصرف وأولها من عضو مجلس النواب الليبي عبد السلام نصية الذي قال أنه لا يجوز ان تُخصص الحكومة أموالا من خارج الميزانية، معتبرا هذه جريمة بحق حسابات الدولة (حساب الاحتياطي العام) موضحا أن الحكومة يحق لها التصرف في أموال الميزانية فقط، مضيفا ننتظر في رد المحافظ كما عودنا في السابق عندما يتجاوز السراج ويخصص أموالا خارج الترتيبات المالية.
وتعليقا على حجم الميزانية المقدمة قال نصية أن طلب الحكومة باستعادة مشروع الميزانية بعد هذه الفترة من الاصرار والتمسك بعدم تعديل الملاحظات الفنية، واعادتها اليوم بقيمة أكبر من السابقة وبأخطاء مالية متعمدة، الغرض منه فقط الاستمرار في الانفاق 1/12 وزيادته بقيمة الميزانية المقترحة الجديدة، في أكبر عملية تظليل مالي تشهده البلاد.
عضو مجلس النواب الليبي أبوبكر سعيد قال أن المقترح المُعدل يزيد بقيمة حوالي (17 مليار دينار ليبي) عن مشروع القانون السابق، مضيفا أن الزيادة كانت في باب المرتبات وباب المصروفات التسييرية والتشغيلية وباب الطوارئ الذي رفض من النواب كليا وتم الاتفاق على ضرورة الغاءه.
وأضاف سعيد أن️ أعضاء مجلس النواب بمن فيهم لجنة التخطيط والمالية لا علم لهم بهذا المقترح إلا بعد تسليمه رسميًا للمجلس، علماً إنه تم الانتهاء من مراجعة مشروع القانون السابق والتوافق مع الحكومة وتسوية أغلب الملاحظات، وكان قاب قوسين وأدنى من المصادقة عليه في الجلسة الماضية بملاحظات.
وتابع سعيد أن تقديم مقترح جديد للميزانية يتطلب وفق اللائحة إحالته إلى لجنة التخطيط والمالية لدراسته ومراجعته من جديد قبل عرضه على المجلس للنقاش والتصويت، أي بمعنى أنه لا صحة إطلاقًا لما يُشاع إنه تم اعتماد مشروع الميزانية الجديد، مضيفا أنه وفي كل الأحوال فالمصادقة على مشروع قانون الميزانية يتطلب أغلبية موصوفة (120 عضوًا بالموافقة لتمرير القانون) وفق ما نصت عليه المادة (30) فقرة (6) الواردة بالتعديل السابع للإعلان الدستوري المؤقت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية