طرابلس ـ «القدس العربي»: كعادة ليبيا في كل شتاء، تغلق الشوارع مع أول هطول قوي للأمطار، ويحتج المواطنون غضبا من مشكلة طالت واستمرت لسنوات دون حلول تذكر من قبل الحكومات المتعاقبة. ففي كل شتاء تتوقف كافة أوجه الحياة في العاصمة طرابلس لمرات عديدة ليس لشيء إلا لهطول الأمطار وإغلاقها للطرق الرئيسية.
أمطار وعاصفة قوية شهدتها العاصمة طرابلس على مدار يومين كانت لها تبعات قوية جددت الحاجة الملحة إلى إيجاد حلول لضعف البنية التحتية، وأثارت تساؤلات حول المشاريع التي يعلن عنها الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية بالملايين للطرق والجسور والتي غرقت هي الأخرى عقب العاصفة.
صور نشرها نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي تحمل اسم مشروع عودة الحياة في الطرق الجديدة التي افتتحها الدبيبة بنفسه ساخرين من هذه المشاريع وجودتها ومتهمينه بالفساد، وباضاعة أموال طائلة في مشاريع بلا جدوى.
هيئة السلامة الوطنية حددت 10 شوارع وأماكن أغلقتها تجمعات الأمطار وذلك عقب تداول الناشطون للقطات مصورة لتجمعات الأمطار، موضحة أن الطرق المغلقة بسبب تجمع مياه الأمطار هي طريق جزيرة الغيران المدخل الغربي وطريق مدخل حي دمشق وطريق السريع كوبري 11 يونيو وطريق البيفي المدخل الشرقي وطريق الجلاء فضلا عن عين زارة وتاجوراء وابوسليم والهضبة وهو ما يمثل 90 في المئة من طرق العاصمة طرابلس الرئيسية.
وناشدت الهيئة الجميع عدم الدخول لأماكن تجمعات المياه، وفق صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. فيما نبه جهاز الإسعاف والطوارئ الحكومي المواطنين إلى بدء جريان السيول في بعض الأودية المتاخمة لأحياء غرب العاصمة طرابلس، وطالب القاطنين بالقرب منها «بضرورة أخذ الحيطة والحذر وعدم التحرك في اتجاه السيول التي من المتوقع أن تصل إلى طرابلس» مؤكدا أنه رفع درجة الاستعداد بكل فروعه بجميع بلديات العاصمة.
ولم تكن الطرق فقط ضحية للأمطار بل سقط ضحية الأمطار والبنية التحتية مواطنان في فاجعة أثارت غضب الكثيرين وصاعدت التهم بالاهمال والتسيب.
وحسب مديرية أمن غريان، فإن فرقها استخرجت، الإثنين، مركبة غارقة، وعثرت لاحقا على جثتي مواطنين كانا قد فُقدا الأحد وجرفتهما موجة الأمطار الغزيرة التي تشهدها مناطق غرب البلاد.
وحسب وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية، فقد عثر على جثتي فقيدين تعثر مركبتهما جراء الأمطار في غريان.
وقالت الوزارة، في بيان عبر صفحتها على فيسبوك، إن عمليات البحث والإنقاذ من قبل غرفة عمليات مدينة غريان أسفرت عن العثور على الفقيدين متوفيين نتيجة غرقهما أثناء عبور الوادي بوسط المدنية.
وأوضحت أنه جرى اتخاذ كل الإجراءات القانونية بإشراف النيابة العامة ونقل الجثامين لمستشفى غريان.
وأصدرت وزارة الداخلية تعليماتها لمديري الأمن بالمناطق والأجهزة والإدارات المعنية بتكليف فرق عمل لمواجهة ما قد يسببه المنخفض الجوي من هطول الأمطار بكميات كبيرة يتسبب في جريان الأودية وانجراف التربة وتجمع المياه بالطرقات.
وكلفت دوريات الشرطة للتواجد في مفترقات الطرق الرئيسية والفرعية ومداخل ومخارج المدن لتنظيم حركة السير وتقديم الخدمات للمواطنين، في حين طالبت الوزارة بضرورة أخذ الحيطة والحذر والانتباه والتقييد واتباع إجراءات السلامة المرورية للحفاظ على سلامة الجميع.
وأعلنت مديرية أمن طرابلس توليها سحب السيارات التي تعطلت جراء الأمطار الغزيرة التي غمرت الشوارع.
ونوهت مديرية أمن طرابلس، عن طريق مكتبها الإعلامي المواطنين إلى ضرورة الانتباه وتوخي الحذر أثناء القيادة على الطريق العام وخاصة الطريق السريع والتقيد بالسرعة المحددة إثر نزول الأمطار الغزيرة على العاصمة، متمنيًن السلامة للجميع.
وحذر مكتب شؤون المرور بمديرية أمن طرابلس المواطنين من وجود مستنقعات من مياه الأمطار ودعا إلى ضرورة أخذ الحيطة والحذر مما قد تسببه من أضرار لسياراتهم في عدد من المناطق مثل سوق الجمعة، عين زارة، حي الأندلس، بلدية طرابلس المركز.
وأعلنت بلديات حي الأندلس وأبوسليم وعين زارة تعليق الدراسة، وترك وزير التربية والتعليم في حكومة الوحدة الوطنية موسى المقريف، السبت، لمراقبات التعليم بالبلديات الحق في اتخاذ القرارات المناسبة بشأن تعطيل العمل في المدارس من عدمه؛ بسبب تحذيرات المركز الوطني للأرصاد الجوية من هطول أمطار على معظم أنحاء ليبيا.
وشهدت مناطق غرب البلاد منخفضا جويا، منذ مساء الأحد، مصحوبا بأمطار غزيرة ورعود تسببت في جريان بعض الأودية في عدة مناطق، منها مسلاته وترهونة وغريان والخميس، غرب طرابلس.
ووفقا للمركز الوطني للأرصاد الجوية، فإن المنخفض الجوي المصحوب بالأمطار الرعدية الغزيرة استمر حتى يوم الأربعاء.
ووسط صمت الدبيبة عقب تحذير المركز الوطني للأرصاد، اضطرت لجنة الطوارئ بطرابلس الكبرى إلى دعوة رئيس حكومة الوحدة الوطنية إلى رفع حالة التأهب لمواجهة الآثار المحتملة للتقلبات الجوية، والتي ستؤدّي إلى تجمّع مياه الأمطار وجريان الأودية.
كما أوصت اللجنة بتعليق الدراسة لجميع المراحل التعليمية الأحد والإثنين حفاظا على سلامة الأرواح والممتلكات.
وقال المتحدث باسم الشركة العامة للمياه والصرف الصحي إن الشركة حاولت متابعة شفط وتصريف مياه الأمطار من الطرقات ولكن شبكة الصرف الصحي لا تستوعب هذه الكميات من الأمطار .
وناشد المتحدث الحكومة بالتدخل العاجل لدعم الشركة ومخاطبة جهات الاختصاص لمتابعة العقود المبرمة سابقا بشأن تطوير البنية التحتية في ليبيا، موضحا ان قنوات صرف المياه قديمة المنشأ وتعود لستينات القرن الماضي.
وتداول عدد من النشطاء مجموعة من المواقف الممميزة في ظل انعدام الإمكانيات من الدولة للتصدي لهذه الأزمة أبرزها قيام سائق بحماية الطريق الجبلي في شليوني كاباو عبر كبح سرعة اندفاع سيول الأمطار لكي لا تجرف التربة وتقطع الطريق.
وفي تشرين الأول/اكتوبر الماضي قال مدير عام جهاز تنفيذ مشروعات الإسكان والمرافق محمود عجاج، إن الجهاز استكمل العمل بـ50 مشروعًا من بين 368 مشروعًا ضمن المرحلة الأولى لخطة عودة الحياة التي أطلقتها حكومة الوحدة الوطنية.
وأوضح عجاج أنه جارٍ العمل في 298 مشروعًا من هذه المشروعات التي تشمل الإمداد المائي ومصادر المياه وشبكات الصرف الصحي والطرق والأرصفة، حسبما نشرت صفحة عودة الحياة التابعة لحكومة الوحدة الوطنية على موقع فيسبوك.
وفي 19 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، قالت حكومة الوحدة الوطنية الموقتة إنها تسعى إلى تنفيذ 732 مشروعًا ضمن خطة «عودة الحياة».
ووقتها استعرض اجتماع للحكومة برئاسة عبدالحميد الدبيبة عددًا من المشروعات منها 262 مشروعًا لجهاز الإسكان والمرافق عرضًا فنيًا، و273 مشروعًا لجهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية تضم مرافق صحية ومدارس، و197 مشروعًا للمواصلات.
وأكد الدبيبة أهمية استكمال المشروعات والحفاظ على التنوع الجغرافي، مشددًا على تحديد المخصصات المالية لها وفق القانون المالي للدولة. وفي العام الماضي أنفقت حكومة الوحدة الوطنيّة في ليبيا على «مشروعات عودة الحياة» 7.9 مليارات دينار (نحو 1.76 مليار دولار) أي ما يعادل 52 في المئة من إجماليّ مخصّصات التّنمية في الموازنة المقترحة لعام 2021.
وتشمل مشروعات عودة الحياة الطرق والملاعب الرّياضيّة، بالإضافة إلى مشروعات الطّاقة الكهربائيّة، والمركبات الجامعيّة وإنشاء مصفاة لتكرير النّفط ومصنع لغاز الطّهو في الجنوب الليبي.
ولم تشهد المدن الليبية المتضررة من الحروب منذ 2011 النهضة التنموية الموعودة من طرف الحكومات المتتابعة، ومع ذلك فإن فاتورة استهلاك المشروعات الخدمية والسكن والكهرباء كانت باهظة، لكن ذلك يبدو على الورق فقط، ولا يتجسد في الواقع حسب رأي المواطنين .
وتسعى ليبيا لرفع إنتاجها النفطي إلى مليوني برميل يوميًا، وهو مستوى لم تبلغه منذ العام 2008 علما بأن إيرادات النفط في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 تجاوزت نحو 56.1 مليار دينار، أي ما يعادل 11.54 مليار دولار، ومداخيل بقيمة 1.1 مليار دولار سنويا من إيرادات الغاز الطبيعي .
وينتظر المواطن الليبي انعكاسًا فعليًا لهذه العوائد اليومية على حياته المعيشية، فضلا عن البنية التحتية للدولة التي يعيش على أرضها خاصة في ظل صرف المليارات منها دون نتيجة تقابلها على ارض الواقع.
وكشف تقرير لمجلس المحاسبة خلفيات تعثر مشاريع التنمية في ليبيا، موضحا ان الحكومة وافقت على تعاقدات وتحميل الدولة بالتزامات بقيمة 35 مليار دينار، دون أن تأخذ بعين الاعتبار وجود عقود سابقة مبرمة مع الحكومات المتعاقبة تقدر قيمتها بنحو 160 مليار دينار، في ظل محدودية موارد الدولة ما أدى إلى تأزيم مشكلة العقود المتوقفة، وخلق مشاكل مستقبلية إضافية، لن تستطيع أي حكومة مستقبلية معالجتها خصوصا ما تعلق بدعاوى وتعويضات.
أما أكبر المخالفات في باب التنمية، فهو صرف أكثر من 17 مليار دينار بالمخالفة لقانون التخطيط رقم 13 للعام 2000 والذي يلزم الحكومة بأن تضع خطة تنموية تتضمن مشروعات توضع وفق أولوية ودراسات جدوى، حيث إن أيًا من ذلك لم يقع.