ليبيا: مسلسل معاناة جديد يفرض على المواطنين وسط مخاوف من أزمة غذاء حادة محتملة

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس ـ «القدس العربي»: أزمات عدة تمر بها ليبيا بين اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية، ضربت وبشكل مباشر المواطن البسيط الذي عجز حتى عن توفير قوت يومه ومستلزماته الحياتية في ظل ضعف السلطات المحلية وانهيار الاقتصاد تدريجيا وتضاعف الدين العام للدولة.

ولم تكن ليبيا بمعزل عن بقية دول العالم التي تأثرت وبشكل مباشر من الأزمة الأوكرانية، إلا أن الشعب الليبي تعرض أيضا للاستغلال من قبل تجار الأزمات وسط عجز من قبل الدولة في وضع قوانين قابلة للتطبيق وفي الرقابة على المنتجات المعروضة في السوق الليبي.
وقد اتضحت ملامح هذه التأثيرات في زيادة أسعار المواد الأساسية مثل الغذاء والخضراوات والمواد المنزلية ومختلف اللوازم اليومية وخاصة القمح وزيت الطهي، ما جعل المواطنين بمختلف شرائحهم يطالبون بالحلول ويعبرون وبشكل يومي عن معاناتهم من هذه الزيادة التي بدأت ترهق كاهل أصحاب المعاشات والإعانات الحكومية، وكل أصحاب الدخل المحدود .
وقفزت تكلفة الخبز والدقيق بنسبة 40 في المئة، وزيت عباد الشمس بنسبة 25 في المئة على خلفية الأحداث الأوكرانية.
ووسط تذمر المواطنين واحتجاجهم حول الزيادة غير المبررة للأسعار، انطلقت تحذيرات حقيقية من منظمات دولية حول العالم من أزمة غذاء قد تهدد ليبيا، حال عدم وضعها لخطة أخرى.
حيث وفي تصريح سابق حذرت ممثلة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا غرينفيلد من ارتفاع أسعار المواد الغذائية في بعض الدول من بينها ليبيا وذلك بسبب الوضع في أوكرانيا.
وتابعت إنه ونظرا لأن أوكرانيا تعد واحدة من أكبر موردي القمح في العالم خاصة بالنسبة للدول النامية، فقد تتسبب تصرفات روسيا في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتؤدي إلى الجوع في دول مثل ليبيا واليمن ولبنان.
فيما نشر موقع «فورين بوليسي» الأمريكي مقالا لأليكس سميث محلل الأغذية والزراعة بمعهد بريكثرو بولاية كاليفورنيا، يحذر فيه من تداعيات اقتصادية وسياسية للحرب الروسية الأوكرانية المحتملة على أفريقيا وآسيا.
وأضاف سميث إن قائمة عملاء الصادرات الأوكرانية، خاصة القمح، تشمل الصين والاتحاد الأوروبي، لكن العالم النامي هو المكان الذي أصبح فيه القمح الأوكراني من أهم الواردات.
وذكر أن ليبيا تستورد ما نسبته 43 في المئة من قمح أوكرانيا، مؤكدا أن انعدام الأمن الغذائي سوف يتفاقم في العديد من البلدان النامية التي تعتمد عليها في قوتها، وفي البلدان غير المستقرة سياسيا من بينها ليبيا؛ حيث يمكن أن تؤدي صدمات أسعار الغذاء الإضافية بسهولة إلى تدهور الوضع السيئ بالفعل. وقد ضاعف هذه المخاوف الإجراءات التي أعلنتها دول الجوار مثل مصر وتونس، من منع خروج بضائعها ومنتجاتها كالقمح والدقيق خارج حدودها، الأمر الذي ضاعف خوف وقلق الليبيين وجعلهم يقبلون مرغمون بالزيادة في الأسعار.
ولم تكن مصر وتونس الدولتان الوحيدتان اللتان أقرتا إيقاف تصدير المواد الغذائية للأشهر المقبلة، فالجارة الجزائر أيضا اتخذت مثل هذا القرار، وأوقفت التصدير عن طريق قرار من رئيس الجمهورية، الجزائر أيضا دولة حدودية، وسوف تؤثر على الوضع الاقتصادي في ليبيا، بالرغم من ارتفاع أسعار النفط في العالم ولكن الأزمات الاقتصادية تطال ليبيا.
ومنذ عقود ماضية وحتى الآن ما زالت ليبيا تتكأ وبشكل شبه كلي على القمح الأوكراني، وتصنف ضمن البلدان العشرة الأولى المستوردة للقمح الأوكراني في العام 2020 بقيمة 265 مليون دولار.
الحكومة الليبية أعلنت أنها تبحث عن بدائل لتوريد القمح تعويضا عن أوكرانيا التي تستورد منها نصف الكميات وبما يعادل نحو 600 ألف طن.
وقالت وكالة «سبوتنيك» عن وزير الاقتصاد في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، محمد الحويج، أن ليبيا تبحث عن بدائل لتوريد القمح من ألمانيا وإيطاليا واليونان للتعويض عن أوكرانيا.
وتابع الوزير الليبي أنه «تم عقد اجتماعات مع سفراء هذه الدول وذلك لإيجاد آليات سريعة لتوريد الاحتياجات كما هو يجري الآن في توريد كميات من مادة الدقيق».
وحول أزمة الخبز قال وزير الاقتصاد الليبي إن «إدارة التجارة الداخلية بالوزارة تقوم بدراسة تكلفة أسعار رغيف الخبز وفق الأسعار الحالية لمادة الدقيق وإصدار قرار بالخصوص وفقا للتكلفة الفعلية بعد استقرار أسعار الدقيق وهذا السعر سيحدد لفترة ثلاث أشهر قابلة للمراجعة والتعديل».
وقد شهدت أسعار الدقيق ارتفاعا بشكل كبير مما تسبب في إغلاق عدد من المخابز ورفض مخابز أخرى شراء الدقيق بأسعار مرتفعة يعتبرها كثيرون «مبالغا فيها».
كما أن توقف دخول الشاحنات المحملة بالدقيق إلى بعض المناطق والمدن حيث تعاني مناطق نائية من انعدام مادة الدقيق مما يعرض حياة المواطنين فيها للخطر، وسط تحذيرات من منظمات حقوقية من أزمة انعدام الأمن الغذائي وأن ليبيا رفعت الدعم عن الخبز والسلع الغذائية الأساسية منذ سنوات.
وأوصى وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية محمد الحويج بتخصيص 60 دينارًا دعمًا نقديًا للفرد وفقًا للرقم الوطني في كل أسرة لمواجهة غلاء المعيشة، وذلك في تسجيل مصور بثته منصة حكومتنا التابعة للحكومة.
ووجه الحويج أصحاب المطاحن وشركات صناعة واستيراد السلع الغذائية بتوفير مخزون استراتيجي من السلع الأساسية لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، منوهًا بأن الوزارة ستباشر ضبط المخالفين والمضاربين في إطار تنظيم السوق المحلية، وتحقيق الاستقرار والأمن الغذائي للمواطن.
وقررت الوزارة فرض إجراءات لمنع أزمة شاملة تضمنت إجراءات عقابية مثل تجميد التسجيل التجاري لشركات الدقيق والمطاحن غير الملتزمة بآلية التوزيع المعتمدة من الوزارة، التي تفرض سعرا موحدا للدقيق.
وشملت القرارات الأخرى زيادة المخزون الاستراتيجي للقمح لتمكين مطاحن الدقيق من العمل بكامل طاقتها الإنتاجية لثلاثة أشهر على الأقل، وتقييد توزيع الدقيق على المخابز من خلال «النقابة العامة للمخابز» وتحديد سعر 110 دنانير ليبية (نحو 22 دولارا) كحد أقصى لـ50 كيلوغراما من الدقيق. كما وعدت الحكومة بمعالجة المخاوف المالية والجمركية للشركات المتضررة من هذه الإجراءات.
ورصدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الارتفاع الذي شهدته أسعار السلع الغذائية في ليبيا، جراء الغزو الروسي لأوكرانيا.
جاء ذلك في تقرير حول تأثر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالحرب في أوكرانيا، حيث أشارت المنظمة إلى أنه خلال الأسبوع الأول من الغزو، حلقت أسعار القمح والدقيق، وارتفع القلق من انقطاع المخزون، وزادت الأسعار بنسبة تصل إلى 30 في المئة.
ولفت التقرير إلى أن معظم الشعب الليبي بات بحاجة إلى الدعم وعرضة لانعدام الأمن الغذائي وفقًا لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، مضيفًا قبل أزمة أسواق الغذاء الدولية جراء الحرب في أوكرانيا، كان 12 في المئة من الليبيين – أو 511 ألف شخص، يحتاجون إلى المساعدة، كما يعاني ربع المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا نقصًا في الأمن الغذائي .
وفي تصريحات لجمال الشيباني، مدير صندوق موازنة الأسعار، قال إن الزيادات التي شهدتها السلع الأساسية خلال الفترة الماضية مفتعلة من قبل التجار، لا سيما أن كافة السلع متواجدة في ليبيا قبل الأحداث العالمية الأخيرة، لكن الاستغلال وتحقيق الأرباح على حساب المواطن وراء ارتفاع الأسعار .
وأضاف الشيباني أن لوبي القطاع الخاص يقف وراء هذه الزيادات، التي وصلت في سلعة الزيت- على سبيل المثال- إلى 12 دينارًا للعلبة الواحدة، متوقعًا زيادات أخرى مع قدوم شهر رمضان في ظل عدم قدرة الدولة على السيطرة على الأسواق، ما يشجع التجار على احتكار السلع.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الأربعاء، إن الغزو الروسي لأوكرانيا قد يؤدي إلى أزمة غذائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تواجه الدول التي تعتمد على واردات القمح الأوكرانية والروسية نقصًا.
وقال خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي «أسعار الغذاء والوقود والأسمدة آخذة في الارتفاع وسلاسل التوريد تتعطل. كل هذا يصيب الأشد فقرًا ويزرع بذور عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات في جميع أنحاء العالم».
وأشار غوتيريش إلى مصر ولبنان وليبيا والصومال والسودان واليمن تستورد ما لا يقل عن نصف قمحها من أوكرانيا أو روسيا.
وأصدر وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية، محمد الحويج، قرارًا بشأن تحديد الحد الأقصى لأسعار السلع الغذائية، وأوصى كافة المحال التجارية بوضع التسعيرة في مكان بارز، على أن يتولى مأمورو الضبط القضائي قفل أي محال مخالفة.
ورغم محاولة السلطات الليبية اتخاد إجراءات وقرارات للتخفيف من عمق الأزمة إلا أن غياب تواجد قانون رادع ومنظم للاقتصاد الليبي وللتجارة ولحركة السلع بين الدول وغياب التخطيط الحقيقي والخبرة في مواجهة الأزمات جعلت ليبيا مهددة وبشكل فعلي بأزمة غذائية حادة .

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية