ليبيا: مقر حكومة البرلمان البديل هل يضاعف مخاوف العودة إلى المربع الأول؟

نسرين سليمان
حجم الخط
0

الوضع الأمني الذي فرضه حفتر، منع حكومة الوحدة الوطنية من العمل في مناطق نفوذه، وحال دون عقدها الاجتماعات في بنغازي ومناطق في الجنوب رغم حصولها على الثقة من البرلمان.

طرابلس ـ «القدس العربي»: تدريجيا تعود ليبيا لمربع الانقسام السياسي الذي عانت منه لسنوات طويلة، مع وجود حكومتين على رأس المشهد المحلي، في ظل عجز المجتمع الدولي والأطراف المحلية المشاركة عن طرح حلول منطقية وواقعية قابلة للتطبيق وسط أزمات سياسية وانتشار كثيف للمجموعات المسلحة على الأرض والتي انقسمت بدورها بين مؤيد لحكومة ومعارض لأخرى.

الانقسام في ليبيا تعدى كونه سياسيا فقط فمنذ سنوات تنقسم ليبيا جغرافيا في إطار نفوذ حفتر ونفوذ حكام المنطقة الغربية مع تعاقبهم، ولم يتغير هذا الوضع حتى مع تعيين رئيس حكومة جديد من قبل ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس، ولم يتغير مع تعيين البرلمان لرئيس آخر حيث لم يستطع العمل إلا في إطار مناطق نفوذ البرلمان وقيادته العامة.
فتحي باشاغا رئيس الحكومة الذي عين من قبل البرلمان منذ أشهر ورغم تأكيده على عزمه العمل من العاصمة طرابلس وعدم رغبته في اختيار غيرها مقرا لحكومته في وقت سابق إلا أنه اعتمادا على ميزان القوى استسلم للأمر الواقع وأعلن رغبته العمل من سرت والتي تقع وسط ليبيا وتعتبر من آخر مناطق نفوذ حفتر هناك والتي توقفت فيها المعركة قبل عامين في الوقت الذي كان حفتر يحاول السيطرة على طرابلس.
تصريح باشاغا بعزمه العمل من سرت لم يكن واضحا بشكل كامل إلا أن البرلمان الذي عينه قد أكد ذلك، فقد تضمنت رأيا دون إعلان بشكل رسمي حيث قال في تصريحات له تزامنت مع زيارته لمدينة سرت إن حكومته يهمها ممارسة مهام عملها من العاصمة طرابلس بدون سقوط قطرة دم واحدة، وأنه يرى أن تمارس حكومته مهام عملها من مدينة سرت.
حديث باشاغا جاء في الوقت الذي تشهد فيه كافة المناطق الخاضعة تحت سيطرة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وضعا أمنيا هشا، وسط عجز الأطراف السياسية عن خلق آلية لتوحيد المؤسسة العسكرية وضعف الجهات التشريعية، ووسط انقسام الحكومتين وعدم تمكن المعينة من البرلمان من العمل بشكل فعلي، وإغلاق النفط الذي سيضع الأخرى في موقف حرج بعد توسعها في الصرف لأكثر من سنة.
حيث أن الوضع الأمني الذي فرضه سيطرة حفتر، منع حكومة الوحدة الوطنية من العمل في وقت سابق في مناطق نفوذه المتمثلة في المنطقة الشرقية والجنوبية، وحال دون هبوطها لعقد الاجتماعات في مدن مثل بنغازي ومناطق متعددة في الجنوب رغم حصولها على الثقة من البرلمان، ومع تعيين البرلمان لحكومة جديدة وعدم تمكنها من العمل في العاصمة طرابلس، يفرض التساؤل حول قدرتها على العمل وسط نفوذ حفتر نفسه، خاصة مع السوابق العائدة إليه والمثملة في اعترافه بالحكومات وشن هجوم عليها بعد المباركة.
وخلال معايدة تحت شعار «ليبيا تجمع الجميع» بمجمع قاعات واقادوقوا بمدينة سرت، أوضح باشاغا أن ممارسة مهام الحكومة من سرت لما عانته المدينة من حروب وويلات خلال السنوات الماضية وكونها تقع وسط ليبيا وتربط شرق البلاد بغربها وجنوبها وليس لها عداوة أو خلافات أو حساسيات مع مختلف المدن الليبية. وأضاف رئيس الحكومة المكلفة من قبل مجلس النواب إن الخلاف في ليبيا ليس ليبيًا – ليبيًا، بل هو نتيجة لتدخل بعض الأطراف والدول للحصول على مكاسب دولية، وأردف قائلا «خلافنا لا يتعدى 20 في المئة مما يحصل فى ليبيا، ونحن قادرون على تجاوزه» مضيفا «أطلقنا مبادرة من أجل الحوار هدفها نبد الخلافات ولم شمل الليبيين وإنهاء الصراع بين الليبيين والتداول السلمي للسلطة وتصليح النسيج الاجتماعي».
ويرجع محللون ومتتبعون للمشهد قرارات باشاغا وتصريحاته المتضاربة إلى عجزه عن العمل من العاصمة طرابلس وما يشكله هذا من ضغوطات عليه وعلى حكومته خاصة مع تواجد كل المنشآت الحيوية بما فيها مصرف ليبيا المركزي في طرابلس.
حيث أن تصريحاته بالعمل من سرت جاءت بعد يومين فقط من إعلانه عن إطلاق حوار وطني للتواصل المباشر مع كافة الأطراف والوصول إلى توافق وطني حقيقي يرسخ مبدأ المشاركة الوطنية الواسعة.
وعقب إعلان باشاغا عن عزمه العمل في سرت بأيام عقد مجلس النواب جلسة أعلن في ختامها المتحدث باسم البرلمان الليبي إن المجلس وافق في تصويت على أن تبدأ الحكومة التي عينها هذا العام برئاسة فتحي باشاغا، العمل من مدينة سرت وسط شمال البلاد.
وقال الناطق باسم مجلس النواب في تصريح آخر إن عمل الحكومة المكلفة برئاسة فتحي باشاغا من سرت، سيكون له آثار إيجابية منها حقن دماء الليبيين، مشيرا إلى أن المجلس اختار عقد جلسة في المدينة خلال الأيام المقبلة دعما لانطلاق عمل الحكومة من داخلها.
وأضاف بليحق أن رئيس المجلس المستشار عقيلة صالح تناول تلك المسألة خلال لقائه الأخير مع سفير أمريكا، وأكد أيضا أن وجود الحكومة في سرت سيحول دون إدخال البلاد في حرب جديدة.
وأشار إلى أن الأمر أيضا يتوافق مع مبادرة عقيلة، التي جاء على إثرها حوار جنيف، الذي أفضى إلى اختيار المجلس الرئاسي والحكومة السابقة، حيث دعا حينها إلى أن يكون مقر المجلس والحكومة في سرت لكي لا تقع رهينة الميليشيات المسلحة الموجودة في العاصمة طرابلس.
وفي إطار إعلان الحكومة عزمها عن العمل في سرت قدمت ميزانية مضخمة إلى البرلمان تزامنا مع وجود حكومة أخرى توسعت في الصرف، وقد اعتبرت هذه الخطوات بمثابة تمهيد صريح لعودة صراع وانقسام أسرع مما سبقه وأشارت الخطوات إلى احتمالية كبيرة إلى إعادة تفعيل عمل البنك المركزي في الشرق الليبي بعد تفاهم وانسجام جديد بين محافظي المصرفين وهما كانا يخططان لتوحيده. وفي هذا الإطار يرى المحلل السياسي والصحافي الليبي بدر شنيبة في لقاء مع «القدس العربي» أن ممارسة حكومة باشاغا عملها من سرت دليل واضح على فشل محاولات الدخول إلى طرابلس بسرعة وسهولة وتفعيل ديوان الحكومة من سرت وباقي المناطق التي يسيطر عليها حليفها حفتر سوف يزيد بلا أدنى شك من الانقسام المؤسساتي والذي بدأ بعد تفعيل ديواني الحكومة في سبها وبنغازي كما كان متوقعا على وقع ضغط تيار الكرامة.
وتابع الصحافي أنه يوما بعد يوم تعود البلاد إلى الوضع السابق والذي تسبب في عدد كبير من المشاكل للمواطنين بشكل أساسي وعلى الاقتصاد والوضع في البلاد بشكل عام ولعل أبرز مثال على ذلك هو إغلاق النفط الذي تستعمله قوات حفتر كورقة كلما أحست بالضغط عليها أو بعدم نجاح خططها السياسية والعسكرية.
وعن الوضع الأمني لمدينة سرت قال شنيبة أن الوضع الأمني لا يشجع كثيرا على حرية الحركة للموظفين الحكوميين، فقوى الأمن الداخلي وغيرها من الأجهزة الأمنية في المدينة والتي جلبت من مناطق أخرى بعد سيطرة حفتر عليها لن تسمح بأي إجراءات لا تتماشى مع ما تريده الرجمة.
وقدم شنيبة نظرة عامة للأحداث قائلا إن الحكومة لن تستطيع العمل خارج إطار شريك تشكيلتها تيار الكرامة طالما بقت خارج العاصمة طرابلس لذلك يركز رئيسها فتحي باشاغا على تكثيف تحركاته السياسية مستعينا بمصر التي حركت دبلوماسيتها من أجل حشد الدعم من الدول الإقليمية.
وأردف المحلل السياسي الليبي أن الفيتو الأمريكي ما زال يمنع أي نجاح سياسي لباشاغا، فواشنطن لا تزال تصر على مسار سياسي يبدأ بتحديد موعد جديد للانتخابات وقريب وتحديد مصير مرتزقة فاغنر في البلاد قبل أي دعم واضح وصريح للحكومة الجديدة وبالتالي حتى تلك اللحظة سوف تكون حكومة الوحدة الوطنية وعبدالحميد الدبيبة هو من يرغب المجتمع الدولي في التعامل معه.
وفي ظل استمرار تردي الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي في البلاد، وتصاعد التهديدات والتحذيرات من حرب وانقسام جديد، تظل الأعين والأنظار موجهة نحو المجتمع الدولي والذي لم يطرح حتى الآن حلا منطقيا عمليا للأزمة التي أدت إلى تجميد العملية السياسية في البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية