طرابلس ـ «القدس العربي»: من وراء جدران وأبواب البيوت، تذرف دموع وتنزف دماء لضحايا من دون أن يصل صوتها لأي أحد، فتدفن القصص والجرائم في نفس المنزل دون رقيب ولا حسيب، فالعادات والأعراف تقف حائلا دون حتى الشكوى.
ظاهرة العنف الأسري منتشرة بكثرة في المجتمعات العربية، بل وحتى في باقي المجتمعات، ورغم أنه وعند الحديث عن هذه الظاهرة يتبادر إلى أذهان كافة الناس مشاهد لضرب مبرح تمارسه أي أسرة ضد فرد فيها، إلا أن أشكال العنف هذا تتنوع بشكل كبير وآثاره أخطر من ما يمكن أن يتصوره أي إنسان خاصة النفسية منها.
وتعرف هيئة الأمم المتحدة للسكان العنف القائم على النوع الاجتماعي بأنه «أي عمل من أعمال العنف البدني أو النفسي أو الاجتماعي بما في ذلك العنف الجنسي والذي يتم ممارسته أو التهديد بممارسته مثل العنف، أو التهديد، أو القسر، أو الاستغلال، أو الخداع، أو التلاعب بالمفاهيم الثقافية، أو استخدام الأسلحة، أو استغلال الظروف الاقتصادية».
ولم تكن ليبيا بمعزل عن بقية الدول العربية التي انتشر فيها العنف الأسري كأي ظاهرة سلبية أخرى حتى بات شيئا يمكن الاعتياد عليه، ودخل في إطار الطبيعة رغم أنه فعل مضاد لها، وذلك نظرا لكثرة انتشاره فكثرة انتشار أي فعل سلبي تجعل المجتمع يعتاد على وجوده حتى يبدأ في النظر إليه على أنه فعل طبيعي.
ومع انتشار الفوضى والانقسام الذي عانت منه البلاد منذ سنوات طويلة ولم ينته، لم يجد ممارسو هذه الظواهر وعلى رأسها العنف رادعا لممارساتهم حتى القانون، خاصة مع عدم وجود قانون يجرم العنف ضد المرأة أو العنف الأسري بشكل خاص، إهمال أنتجته الأزمات التي جعلت القانون يسقط هو الآخر من أولويات الدولة.
بشكل عام وخارج حدود الجغرافيا، فالعنف الأسري هو ثقافة بالدرجة الأولى، وسلوك مُعاش، لأنه لم يُجرّم (أخلاقيّا وعُرفيا وقانونيّا) فكلّ الأحاديث عنه باتت غيلا ذات جدوى؛ لان الطفل منذ المراحل الأولى من حياته نشأ وتربى في وسط يملأه التعنيف فالأب يعنف الأم، والأخ يسيطر ويعنف أخته وسط تشجيع أسري، وذلك لأن الحاكم في المجتمعات العربية ليس القانون أو الفطرة أو العلم، بل العادات والتقاليد المتوارثة والتي أكل عليها الدهر وشرب.
في ليبيا الأمر مختلف بعض الشيء، فالعنف الأسري لا يعد إلا جزءا من منظومة متكاملة أنشئت على أساس العنف، فمن عهد القذافي وحتى عقب الثورة التي قامت لإسقاطه، عاش الليبيون في موجات عنف متتالية، شهدوها بأم أعينهم سواء كمتفرجين أو كمشاركين حتى أصبح العنف نوعا من العادة، ونتج مع الوقت جيل اعتاد على ثقافة العنف، بل نشأ شباب ذوي خبرة في العنف لمشاركتهم في حروب عنيفة ودامية أثرت على جوانب نفسية كثيرة في شخصيتهم.
العنف والطفل
يُعد العنف الجسدي والعنف العاطفي (النفسي) المرتكبين ضد الأطفال من قبل البالغين في سياق التهذيب والعقاب بمثابة الشكل الأكثر شيوعًا للعنف الذي يتعرض له الأطفال في ليبيا، حيث أفاد ثلاثة من كل أربعة أطفال في دراسة قام بها قسم حماية الطفل بمنظمة اليونسيف عن تعرضهم للعنف بشكل عام سواء في المنزل، أو المدرسة أو أماكن الرعاية البديلة.
ومع ذلك فإن خدمات الدعم الحكومية للأطفال من ضحايا العنف ضئيلة جدا في ليبيا، مع عدم وجود أنظمة للشكوى والإبلاغ عن الحالات بشكل عام أو أنها غير فعالة إلى حد كبيرخاصة في ما يخص القضايا المرتبطة بالأسرة والتي تعتبر ذات خصوصية كبيرة لدى المجتمع الليبي بشكل عام.
في عام 2011 أجري تحليل حالة لحقوق الطفل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وقامت بإجرائه منظمة إنقاذ الطفولة «Save the children» يشير إلى أنه لا يتم تنفيذ أحكام حماية الطفل بشكل جيد، ويوجد نقص في البرامج وكذلك خدمات الإحالة وإعادة التأهيل لضحايا الاعتداء.
وفي اذار/مارس 2016 أجرت منظمة إنقاذ الطفولة الدولية ومؤسسة هانديكاب الدولية تقييماً للحماية في ليبيا، مع التركيز على وضع النازحين داخلياً. كان الغرض العام هو تقييم احتياجات الحماية العاجلة والمتوسطة في طرابلس وبنغازي. ووفق هذا التقيم تجدر الإشارة إلى أن المستشفيات أحد الأماكن القليلة جداً من مقدمي الخدمات من المؤسسات الحكومية في سياق تكون فيه خدمات الدعم الحكومية الأخرى مثل تلك التي يوفرها النظام القضائي عادة «عاجزة» بسبب النزاع المسلح.
أما الدعم غير الحكومي المتمثل في المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية، فلم يمكنها النزاع المسلح القائم في ليبيا من تقديم المساعدة بشكل فعال ومستمر. علاوة على ذلك، المنظمات غير الحكومية الدولية، على وجه الخصوص، نادرا ما يتم الاتصال بها للحصول على مساعدة الحماية لأنهم إما غير موجودين أو لأن المعنفين أسرياً ليسوا على دراية بالخدمات المتاحة.
وفي عام 2021 أقدم رجل من مدينة أجدابيا على قتل طفلته البالغة من العمر ثلاث سنوات، بعد أن وضعها في المياه الساخنة بحوض الاستحمام لمدة 45 دقيقة، ما أدى إلى إصابتها بحروق في كامل جسدها بنسبة 90 في المئة، حسب ما ذكره رئيس وحدة التحريات بقسم البحث الجنائي أجدابيا، محمد الفاخري.
وذكرت اللجنة الليبية لحقوق الإنسان الجهات المسؤولة بأن هذه الجريمة ليست حالة فردية، بل لها سابقة بشعة قبل أيام، مطالبةً بـ«تنفيذ العقاب الرادع أيضاً في حق من ارتكبوا جريمة قتل أفراد عائلة كاملة في مدينة كاباو، بينهم طفلان، في مشهد مروع لم يألفه المجتمع الليبي في السابق» مشيرةً إلى أن «هذه الحوادث تأتي في ظل الانفلات الأمني وانتشار السلاح والإفلات من العقاب الذي تشهده وتعيشه ليبيا منذ سنوات».
وصادقت وانضمت ليبيا إلى بعض الاتفاقيات؛ ومنها اتفاقية حقوق الطفل، إلا أن مجريات الأحداث، وتعثر الاستقرار على جميع الأصعدة، والظروف التي مرت بها الدولة الليبية خلال العقود الأخيرة، من فشل المؤسسات في تفعيل وتطوير القوانين الخاصة بحق الطفل، والتعامل بمرونة مع هذه النصوص وتعديلها ومراجعتها وتطويرها في كل حين وآخر؛ أدى إلى تراجع في ممارسات حقوق الطفل في ليبيا، خاصةً بعد تعثر العملية السياسية، لإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية بعد أربعة عقود من الحكم التعسفي، وانتشار النزاعات المسلحة، كما برزت الكثير من القضايا الخطيرة التي تشكل انتهاكاً لحقوق الطفل وتبتعد به عن المصلحة الفضلى للطفل التي هي روح كل تلك القوانين والاتفاقيات التي صادقت عليها وانضمت إليها الدولة الليبية.
العنف ضد المرأة
كشف استطلاع للرأي لموقع «الباروميتر العربي» أنّ ربع الأسر في بعض الدول ينتشر فيها العنف، والذي يشمل استعمال العنف من قبل أحد أفراد الأسرة تجاه آخر، ولا يشمل العنف ضدّ الأطفال بحجة التأديب أو العقاب!
ووفقا للاستطلاع فقد أفاد نحو 25 في المئة من المشاركين في الاستطلاع، من اليمن والمغرب ومصر والسودان، بانتشار العنف في الأسر، فيما تقلّ هذه النسبة في لبنان وتونس والأردن وليبيا.
وعن ليبيا، أوضح استطلاع «الباروميتر العربي» أنّ نحو 7 في المئة فقط من الأسر؛ يُعانون من العنف الأسري. وهذا ما أظنه قد يكون بعيدا كل البعد عن الحقيقة. إذ أشارت وبشكل واضح إحصائيات أخرى عكس ذلك؛ والتي تتعلّق بالعنف الواقع على أحد أفراد الأسرة؛ وهي المرأة.
فعلى سبيل المثال؛ تشير التقديرات العالمية التي نشرت من قبل منظمة الصحة العالمية أنّ واحدة من كل 3 نساء 35 في المئة في أنحاء العالم كافة، يتعرضن في حياتهن للعنف على يد شركائهن الحميمين، أو للعنف الجنسي على يد غير الشركاء، ويتعرّضن أيضا لعنف جسدي أو جنسي لمرّة واحدة في حياتهن على الأقلّ.
وجاء في التقرير الأولّي لنتائج المسح الوطني الليبي لصحّة الأسرة 2014 أن 8.2 في المئة من النساء، تعرّضن لنوع من أنواع العنف الأسري، بينهن 79 في المئة كان نوع العنف لفظيّا وحسب التقرير فقد «أشارت النساء إلى أن المصدر الرئيسي لهذا النوع من الإيذاء اللفظي هو الزوج، حيث أن أكثر من نصفهن تعرضن للإيذاء من قبل الزوج».
وفي عام 2022 انتقد تقرير تحليلي نشرته مجلة «ميدل إيست مونيتور» البريطانية استمرار حالات استهداف النساء وقتلهن في إطار حوادث العنف الأسري المتنامي في ليبيا.
التقرير نقل عن خبير علم الجريمة والقانون الجنائي حسين أحمد قوله: إن معدل القتل في البلاد قد ارتفع خلال العقد الماضي لغرق ليبيا بالأسلحة وشلل القضاء فيها وعدم فعاليته في محاسبة الجناة لردع الآخرين عن ارتكاب المزيد من الجرائم.
وبين التقرير أن النساء لا تقوم في العادة بالإبلاغ عن الآباء والأخوة والأزواج المسيئين في ليبيا المحافظة، وإن تم ذلك فلا تتخذ السلطات أي إجراء إلا بعد فوات الأوان، مبينًا أن مدمنا للمخدرات أبلغت زوجته الشرطة عن سلوكه العنيف والمسيء وغيرت محل إقامتها هربًا منه، ولم تقم قوات الأمن بشيء حياله.
وتقول لنا الناشطة الحقوقية والمتخصصة في قضايا العنف الأسري أمال أحمد أن العنف الأسري ضد المرأة في المجتمع الليبي ينتشر نتيجة أسباب كثيرة منها الذهنية المجتمعية التي تزرع في التربية منذ الطفولة، بأن المرأة أقل قيمة من الرجل وكذلك الخطاب الديني المتطرف الذي يشيطن النساء ما يساهم فى خلق ذهنية فكرية لدى الرجل تمنحه الحق في تعنيف المرأة معنويا وجسديا.
وتؤكد أمال أن خجل السيدات الليبيات يمنعهن من التحدث عن العنف الأسري، وأن المرأة المعنّفة التي تضطر للنزوح، وتتعرض لعنف نفسي موضحة أن العنف الأسري يعد من أخطر أنواع العنف في المجتمع، وهو ينتج في النهاية عنفا في الشوارع، كما تشير إلى أن الحرب صعّدت وتيرة العنف في ليبيا.
وتتابع أن مشروع «قانون العنف ضد المرأة» سيقدم الكثير في مجال مكافحة العنف ضد النساء والتقليل من حالات العنف، التي استشرت بالمجتمع كما أنه يحقق العدالة المفقودة للضحايا اللاتي يتعرضن للعنف المعنوي والجسدى والقتل، وحتى للتشهير والقذف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لذا من واجب مجلس النواب تمرير القانون لتنفيذه وتحقيق العدالة المفقودة للنساء من ضحايا العنف الأسرى في ليبيا.