ليبيا: 37 في المئة من المواطنين يتقاضون مرتبات من خزينة الدولة

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس ـ «القدس العربي»:  مع اعتماد ليبيا على مصدر واحد للدخل ليس إلا وهو النفط، وتمسكها بمبدأ الاقتصاد الريعي، أصبحت الموارد المالية للدولة قليلة جدا فضلا عن الدخل السنوي الذي لا يتجاوز 32 مليار دولار. فليبيا ما زالت دولة مستهلكة لا تعتمد على الإنتاج المحلي بشكل كبير، ورغم أن هذه التشوهات الاقتصادية الخطيرة تهدد استقرار الدولة اقتصاديا إلا أنها ما زالت تصرف المليارات بدون معالجة حقيقية وخاصة في بند المرتبات الذي يستهلك أكثر من 50 في المئة من الميزانية .

حيث وصل عدد العاملين في القطاع العام بالدولة لأكثر من 2 مليون موظف، يأخدون مرتباتهم شهريا من الخزينة العامة، مع عدم وجود نتائج حقيقية على أرض الواقع وضعف في الأداء العام لمعظم المؤسسات والوزارات والمصالح الحكومية، وقد انتشرت ثقافة الاعتماد على الدولة في العمل مع غياب القوة الحقيقية للقطاع الخاص وغياب الدعم والتمكين له من قبل الدولة .
وخلال الأعوام الماضية كان المخصص لبند المرتبات سنويا في الميزانية 24 مليار دينار، أي أكثر من نصف الميزانية في أعوام عديدة، قبل أن يصدر قرار بزيادة المرتبات بنسبة 20 في المئة ليتضاعف المخصص إلى قرابة 32 مليار دينار ليبي هذه السنة .
وقال ديوان المحاسبة في طرابلس إن عدد الموظفين بالوحدات الإدارية للدولة بلغ مليونين و362 ألفا و756 شخصا، بنسبة 37 في المئة من إجمالي تعداد البلاد السكاني.
جاء ذلك في تقريره السنوي للعام 2019 حيث بلغ مقدار الزيادة في العاملين بالجهاز الإداري حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر في العام نفسه 259 ألفا و172 موظفا.
وأوضح التقرير أن الدولة تتكفل بصرف مرتباتهم شهريا، في ظل معدلات أداء متدنية في تقديم الخدمات العامة، وهو ما ينعكس على الاقتصاد الكلي بالسلب.
كما أشارت دراسة لوزارة العمل والتأهيل بحكومة الوفاق إلى الارتفاع غير المنطقي في أعداد الموظفين، بما يفوق معدلات الأداء بالوحدات الإدارية، مرجعة ذلك إلى قرارات التعيين العشوائية غير المدروسة .
ورغم كل هذه المعطيات أصدر مجلس النواب الليبي قرارات تقضي بزيادة المرتبات لمجموعة من الفئات كالمعلمين والشرطة والمتقاعدين، ولم تطبق هذه القرارات بشكل واقعي حتى الآن رغم إصرار مجلس النواب على تنفيذها وتطبيقها .
حيث طالب المجلس في مراسلات متعددة لحكومة الوحدة الوطنية بتضمين هذه الزيادات للميزانية العامة للدولة والتي لم تعتمد حتى الآن من قبل البرلمان بل توقف حتى عن مناقشة بنودها أو مناقشة اعتمادها من عدمه .
رئيس حكومة الوحدة الوطنية أعلن في قرارات وكلمات متتالية عن عزمه البدء في تطبيق هذه القوانين والزيادات والعلاوات، وقد بدأ ذلك بإصدار قرار زيادة المرتبات للمعلمين بنسبة كبيرة جدا، على اعتبارهم من أكبر الشرائح العاملة في ليبيا حيث يصل عددهم إلى قرابة 600 ألف معلم أي أكثر من 25 في المئة من اجمالي العاملين في الدولة .
مجموعة من الخبراء والمحللين الاقتصاديين حذروا من خطر زيادة المخصص للمرتبات؛ وأكدوا أن تطبيق هذه القرارات سيضاعف المخصصات إلى قرابة 60 مليار دينار، والذي يعتبر مبلغا ضخما جدا يصرف على بند واحد في ميزانية الدولة، التي تحمل ثلاثة بنود أخرى مرهقة كالدعم الذي يتطلب مبلغ 20 مليار دينار على اعتبار أن الدولة تدعم في الوقود والدواء، والبند التسييري الذي يحتاج إلى مخصصات مماثلة .
وقد ظهرت توصيات ومطالبات متكررة لحكومة الوحدة الوطنية بدراسة جدول مرتبات موحد يضمن العدالة في توزيع الرواتب بناء على الدرجة الوظيفية، بدل اعتماد قرارات زيادات لفئات دون أخرى .
وقد استجاب رئيس الحكومة بالفعل لهذه المطالبات وأصدر قرارا يقضي بتشكيل لجنة لإعداد جدول رواتب موحدة للموظفين بالدولة، برئاسة وزير المالية.
ونص القرار رقم 212 لسنة 2021 والذي نشرته حكومة الوحدة الوطنية، في مادته الأولى، على تشكيل لجنة وزارية برئاسة وزير المالية، وعضوية وزير الخدمة المدنية، ووكيل وزارة المالية لشؤون المؤسسات، ووكلاء وزارات الاقتصاد والتجارة، والتربية والتعليم، والعمل، والصحة، والتخطيط لشؤون الاستراتيجيات، ومندوب عن ديوان المحاسبة، ومدير إدارة الدراسات والبحوث بمصرف ليبيا المركزي.
ونصت المادة الثانية، على أن تتولى اللجنة إعداد جدول رواتب موحد للموظفين بالدولة، «تحقيقا للعدالة الاجتماعية» مع مراعاة التدفقات المالية المتاحة بالباب الأول، بالتنسيق مع اللجنة المالية بمجلس النواب.

جدول موحد

وقال رئيس حكومة الوحدة الوطنية في اجتماع عقده في منتصف آب/أغسطس الماضي إن هناك ظلمًا واقعًا على الموظفين جراء وجود الجداول المتعددة للمرتبات، مشددًا على ضرورة إعداد جدول موحد، معلنًا مهلة 60 يومًا لإنهاء هذا الجدول لعرضه على مجلس الوزراء ثم إحالته إلى مجلس النواب.
وأكد الدبيبة على أهمية عمل هذه اللجنة كون خروجها بهذا الجدول الموحد سيحقق المساواة وضمان حد الكفاية للموظفين، مؤكدًا أن بعض الموظفين لم يتقاضوا مرتباتهم لمدة وصلت إلى عدة سنوات.
وتابع أن الجدول الموحد المزمع إعداده لا يعني العودة للقانون 15 الذي عانى منه الليبيون في السابق، بل يجب العمل على زيادة مداخيل الموظفين، مع تقليل الإنفاق الحكومي على المرتبات والقضاء على البطالة المقنعة، وتنظيم علاقات العمل واعتماد هياكل تنظيمية لكافة المؤسسات كجهود مكملة لابد منها لتحقيق الهدف المنشود.
وكلفت لجنة إعداد جدول المرتبات الموحد بوزارة المالية، فريقا قانونيا ممثلا عن ديوان المحاسبة ووزارة المالية ووزارة الخدمة المدنية، بالمراجعة القانونية لنصوص المواد الحاكمة المستهدف إدراجها ضمن مشروع القانون الذي تعمل اللجنة حثيثا على إنجازه.
وجاء هذا القرار بحسب وزارة المالية خلال اجتماعها الثاني الذي عقد الاثنين الماضي بمقر الوزارة، والذي كان استكمالا لمحاور النقاش في الاجتماع الأول.
وأكدت الوزارة أن من المتوقع أن تكون مسودة مشروع القانون جاهزة خلال الاجتماع المقبل لمراجعتها بشكل نهائي وطرحها للنقاش مع عدد من الخبراء في القانون والاقتصاد والإدارة.
ولم تكن مبادرة الحكومة هي الأولى بل حاول مجلس النواب الليبي في طرابلس أثناء الانقسام، إصدار قانون جديد بشأن الرواتب والأجور، وذلك لتقليص الفجوة بين الحدين الأعلى والأدنى للرواتب، إذ يصل الفرق إلى 30 ضعفًا.
ورغم أن القانون الذي وصفه الخبراء والمحللون بالجيد جاهز بشكل نهائي إلا أن مجلس النواب الليبي لم يلتفت له ولم يحاول أن يطرحه للتصويت .
ويعمل القانون الجديد على إن تقليص الفجوة بين الحدين الأعلى والأدنى للأجور حيث يبلغ الأدنى 460 ديناراً والأعلى 2700 دينار .

موجة من التنديدات

قرارات زيادة المرتبات فضلا عن مجموعة من القرارات التي اتخدتها الحكومة لاقت موجة من التنديدات من قبل مجموعة من الخبراء المحلليين، حيث لم تراع الحكومة قدرة الاقتصاد الوطني ومدى مرونته لتحمل هذه الزيادات التي جاءت مع قروض ومنح اعطيت للشباب وقرارات أخرى كصرف علاوة الأبناء والأسرة وغيرها .
سياسة الصرف هذه وان لاقت قاعدة شعبية من المواطن البسيط لم تلق ترحيبا من فئة الخبراء الذين يملكون بعد نظر لما هو قادم .
الإعلامي والمهتم بالشأن الاقتصادي احمد السنوسي كتب عن سياسة صرف الحكومة قائلا «لاشك أن رئيس الحكومة الليبية اليوم يحظى بشعبية لا نظير لها لاحظنا هذا حتى في المظاهرات المؤيدة له في الشارع الليبي امتلك الرجل كاريزما رائعة وبسيطة، كنت قد جلست معه مسبقاً وأقر بهذا، الرجل متواضع وبشوش فقد اجتمعت شخصية الدبيبة البسيطة القريبة من المواطن البسيط، مع عطاياه».
وتابع «أعطى الدبيبة لفئة الشباب قروضا سكنية بمليار دينار وأخرى منحة زواج لنفس الفئة بمليار أخرى، ابتلعت شعبية الرجل نسبة الشباب في ليبيا التي تزيد عن 70 في المئة من سكانها من جهة أخرى ومقابل المليارين التي اكتسب بها كل هذه الشعبية فقد تم توقيع عقود مع الشركات المصرية بـ 140 مليار دينار في ثلاث ساعات، جل تلك الأعمال كان من المفترض ان تستفيد منها الشركات والشباب الليبي».
وأضاف «ومن أيضاً المليارين التي أعطاها للشباب إلى الـ 300 مليون دولار التي أخذها الدبيبة من المؤسسة الليبية للاستثمار إلى شركة ليدكو التي كان يديرها بنفسه من عشرات السنوات ولتكمل مشروعاته المتوقفة والتي يشوبها الكثير والكثير من الفساد، أعطى الشباب مليارين وأعطى شركته أكثر من مليار وربع دينار لوحدها، وهنا وجب علي ان أضع الخط الذي رسمه الدبيبة لاقتصاد بلادنا وعملتنا المحلية مستقبلاً».
وأوضح أن «الدبيبة وقع على زيادة رواتب المعلمين، وبعدها بيوم واحد نقابة الأطباء قالت انها ستدخل في اعتصام ان لم يتم زيادة مرتباتهم أيضاً، ومن بعدهم التعليم العالي والداخلية …. الخ، فمن شأن إقرار كل تلك الزيادات ان تجعل بند المرتبات يتجاوز السبعين مليار دينار ليبي وهذا ببساطة سيجعل الدينار الليبي مقابل الدولار بأكثر من ثمانية دينار». وقال السنوسي أن «هذه الدوامة دخلت فيها الدولة العراقية ولم تستطع ان تخرج منها إلى اليوم وأن الحل كان في جدول موحد للمرتبات لا يكون فيه الفارق بين المرتبات ظالماً، الحل كان في زيادة قوة دينارنا الليبي وليس إضعافه، فما فائدة ان يأخذ المعلم راتبا قدره 1500 دينار ويشتري به ما كان يشتريه قبله بعام بـ 600 دينار؟».
وختم السنوسي حديثه «الآن الجميع مع إجراءات وأفعال الدبيبة، لكن الصفعة الاقتصادية لا تؤلم في العادة في نفس العام وإلى أن نصل قريباً إلى ذلك العام لن يبقى الدبيبة الذي يعتبر البلاد فندقاً يستمتع فيه لبضعة أيام، بل سيبكي وقتها من كان يعتبر ليبيا بلاده التي سيقضي فيها بقية حياته».
ورغم قاعدة الدبيبة الشعبية الا أن قرارات الصرف التي وقع عليها كان مبالغا فيها وقد اتهمه الكثيرون بمحاولة حشد شعبية الجماهير للاستفادة منها إذا رغب في تمديد فترة حكمه بعد موعد الانتخابات المقرر حال فشلها وهو السيناريو الأقرب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية