7 أكتوبر يستولد «تلفزيون تحرير فلسطين» بث بالإنكليزية والعمل تطوعي مجتمعي بالكامل
بيروت ـ «القدس العربي»: لا تُحصى المعارك اللاأخلاقية التي يخوضها الغرب بكل مكوناته لإسكات الصوت المناهض لاحتلال فلسطين. غرب يغطي حرب الإبادة في غزّة، ويبتكر لها المبررات.
ليث معروف المستشار الدولي في قانون البث، والمتخصص في حقوق المجموعات القابلة للدفاع عنها في قطاع الإعلام في كندا، تزايدت الهجمات عليه منذ طوفان الأقصى، وقبله لم يكن بمأمن من الرصد والملاحقة. بعد 7 اكتوبر أسس معروف بثاً تلفزيونياً تطوعياً ومجتمعياً عبر الإنترنت. «تلفزيون تحرير فلسطين» يُنتج برامج باللغة الإنكليزية، وموقعه freepalestine.video.
ليث معروف في كندا منذ طفولته وبات كندياً منذ زمن بعيد، وأحدث الاتهامات الموجهة له بتلقي أموال من إيران. ويُذكر أن معروف كان من قيادات اتحاد الطلاب في جامعة كونكورديا في مونتريال سنة 2002 حين مُنع نتنياهو بالقوة من دخول حرمها.
مع ليث معروف هذا الحوار:
○ لنبدأ ببطاقة تعريف؟
• مستشار قوانين بث وإذاعة «تلفزيون وراديو». متخصص بحقوق الأقليات والشعوب الأصلية. عملت لسنوات رئيس إنتاج في التلفزيون في مونتريال. كنت أول عربي يُنتخب نائب رئيس لاتحاد الطلبة سنة 2001 في جامعة كونكورديا. ربما كنت غير محظوظ لأن أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة حصلت مباشرة بعد فوزي. تكالب عليّ الصهاينة جميعهم وأسموني اسامة بن لادن كندا. وسمي اتحاد الطلاب في كونكورديا فرع الطلاب للقاعدة في كندا. للحظات شعرت بأني سأكون في غوانتانمو.
○ إلى المواجهات اللفظية القاسية هل تعرّضت لاعتداءات أخرى؟
• طُردت من الجامعة بأمر خطي من رئيسها ومن دون محاكمة. ولاحقتني المخابرات الكندية في كل مكان. ووصلت تهديدات يومية بالقتل لوالديّ رحمهما الله. والحمد لله رفعت دعوى وربحتها وعدت بعد خسارة سنة دراسية كاملة. والمفارقة أن فريقنا المؤلف من اليسار والسكان الأصليين عاد ليفوز باتحاد الطلاب في السنة التالية، فجنّ جنون الصهاينة. جاء إلى الجامعة أكبر مليونير صهيوني في كندا إزراييل أسبر والذي كان يملك 90 في المئة من صحفها. وفي وقت لاحق دعا نتنياهو لمحاضرة وليسوق للحرب على العراق. ردد أسبر وأعلامه أن نتنياهو سيدخل عشّ الدبابير في جامعة كونكورديا. تميز التحضير لتلك المحاضرة بالفصل العنصري، ولم يُمنح أي طالب عربي أو مسلم إذن دخولها. منعنا المحاضرة ودخول نتنياهو، لجأت الشرطة للعنف. وجرت معارك وتكسير أيدي وأرجل، ولم يدخل بيبي. للمرة الأولى في التاريخ يُمنع ممثل للكيان الصهيوني من إلقاء خطاب في مكان عام.
○ متى بدأت هجرتك إلى كندا؟ وماذا عن هوية العائلة؟
• سافر والديّ إلى كندا في أواخر عام 1994. والدي سوري، ووالدتي فلسطينية رحمهما الله. ولدت في الأردن، وعشت في مصر. جد جدي لأبي عراقي. والدتي من عائلة الكيلاني في حيفا، في 21 نيسان/ابريل 1948 طُرد أجداي من فلسطين ووضعوا مع آخرين على الحدود اللبنانية. جدتي كانت حاملاً بأمي وولدتها في مدينة بنت جبيل، ولاحقاً انتقلت العائلة إلى الأردن.
○ هل ترى في تأسيس «تلفزيون تحرير فلسطين» بعد 7 اكتوبر ونسبة مشاهدته العالية لتجدد المعركة مع الصهيونية؟
• لا أبالغ بالقول بأني العدو رقم واحد للصهاينة في كندا منذ 20 سنة. لاحقوني في كافة نواحي حياتي وفي أي عمل توليته. الهجمة الجديدة بدأت سنة 2022 حيث كنت أعمل في مركز دعم الإعلام المجتمعي. أخذنا عقداً من وزارة الثقافة الكندية لجمع الأقليات من الجاليات الموجودة في كندا، والهدف أن تقونن وزارة الثقافة والبث ما نصل إليه من نتائج. وهذا ما أخاف الصهاينة، وفي حينه اغتيلت شيرين أبو عاقلة، فافتتحنا أحد مؤتمراتنا بها، وبالحديث عن حقوق الإعلاميين الفلسطينيين، وبدأ الهجوم ضدي. رضخت الحكومة الكندية للضغوط، وفسخت العقد مع الجمعية، ورفعت دعاوى لاسترداد الأموال التي صُرفت على المشروع.
○ أنت في بيروت فلماذا ومتى تركت كندا؟
• تركت كندا سنة 2018 وكنت أتردد إليها من أجل متابعة العقود التي أعمل عليها. الانتقال حتمه عقد عمل لزوجتي للتدريس في الجامعة اللبنانية الأمريكية. زوجتي أمريكية كندية، رغبنا معاً بأن يكبر أولادنا في بيئة عربية لاكتساب اللغة والثقافة، وستتخرج ابنتانا من المدارس وهما متمكنتان من اللغة العربية.
○ ما هو الأثر الذي تركه تلفزيون تحرير فلسطين كمحتوى موجه للغرب؟
• المشكلة التي تواجهها القضية الفلسطينية في الغرب أن الإعلام الصادر عن محور المقاومة وحتى RT محجوب نهائياً من قبل هيئات البث في الولايات المتحدة وكندا وكل أوروبا. وبما أن الإعلام الغربي حظّر كل ما له صلة بفلسطين، أصبح الشباب العرب على مواقع التواصل الاجتماعي رأس حربة. حققوا نجاحاً باهراً كما لمسنا في 2021 و22 و23 والآن في بدايات سنة 2024. لكن المساحة على مواقع التواصل الاجتماعي هُشّمت وقُلّصت. مُسحت أسماء كبيرة من هذه المواقع، أو جرى تخفيض التفاعل معها من خلال الخوارزميات. ونتوقع أن يضعُف هذا التأثير بالتدريج خاصة بعد زيارة إيلون ماسك للكيان وغلاف غزّة. إذاً ما كان يُحكى عن حرية الكلام والرأي مُزيّف.
○ هل من امكانية للالتفاف على التقليص والتحجيم على وسائل التواصل؟
• بالتأكيد المقاومة موجودة، إنما لنضرب مثالاً بإنسان له قيمته الثقافية والفكرية وهو كبير في السن، فإن تمّ محوه من مواقع التواصل، قد لا يكون حِرفياً في التكنولوجيا ليبحث بالعودة. المقاومة يمتلكها صغار السن والمختصون في التكنولوجيا. تحرر فلسطين بات يضعف على هذه المواقع، ولهذا أطلقنا البث التلفزيوني وباللغة الإنكليزية لتبثّ الأفكار العربية. وهذا العمل التطوعي جمع حوله أساتذة من الجامعات اللبنانية والأمريكية واللبنانية الأمريكية والمعارف. طُوِّرت قدرات المتطوعين، وبدأ الإنتاج، فالتلفزيون أقوى وسائل التأثير. بث فيضان من الإعلام سيترك أثراً، ويمكنه أن يناطح نسبياً التسونامي الإعلامي الصهيوني.
○ ماذا لمستم من تأثير لهذا البث التلفزيوني؟
• قررنا منذ البدء ترجمة فورية لخطابات القيادات. الجميع كان بانتظار الخطاب الأول للسيد حسن نصرالله بعد 7 اكتوبر. لم تكن أي قناة قد دبلجت الخطاب غيرنا، فحققنا مليون و700 ألف مشاهدة، رقم هائل بالنسبة لتلفزيون تطوعي ومجتمعي، وخالّ من الإعلان.
○ من أين كانت المشاهدة؟
• بنسبة 50 في المئة من أمريكا الشمالية كندا والولايات المتحدة، و30 في المئة من أوروبا، والباقي حول العالم. إنه السوق الذي نقصده، ونجحنا. نحن نبني البرامج، منها برنامج إخباري في ختام كل يوم، وتغطية تحليلات الإعلام العبري. فالمتلقي الغربي لا يعرف ماذا يقول هذا الإعلام، وكيف يفكّر الصهيوني، ونتناول التحليلات في الصحافة العربية، وبرنامج لتغطية ما يرد في وسائل التواصل الاجتماعي، ويتضمّن البث اليومي حواراً أو اثنين مع محللين سياسيين، وريبورتاجات في المخيمات والجنوب. الإنتاج اليومي بحدود الثلاث ساعات، وهذا ممتاز جداً من متطوعين.
○ مع بدء الشهر الرابع من العدوان هل لا يزال المتطوعون على شغفهم؟
• نعم. نحن الآن في مرحلة الانتقال إلى استوديو جديد يتسع لـ200 متطوع. عندما ناقشت فكرة التطوع مع أصدقاء ومعارف في لبنان كان الرد: مستحيل نظراً للوضع الاقتصادي الصعب. ما أثبتته التجربة أن الشباب والشابات ومن قلوب محروقة نتيجة المجازر في غزة، يرغبون بالعمل والتعبير. وهؤلاء الشباب يشكلون مزيجاً عربياً من لبنانيين، وفلسطينيين، وعراقيين، وسوريين، وأردنيين، ولن أعدد الطوائف والمذاهب، فهم ينتمون لكافة العائلات الروحية من دون استثناء، وكذلك العلمانيين، وينتمون لمختلف الأحزاب. وتشكل الشابات نسبة 70 في المئة.
○ بعد اليوم الأول وخطاب الأمين العام لحزب الله هل تنامت نسبة المشاهدة؟
• المتابعة بتزايد دائم، بين 50 و350 ألف متفرج يومياً، وخلال سبعة أسابيع باتوا 7 مليون متفرّج.
○ هل جرت محاولات تشويش؟
• حصنّا الموقع، بحيث يصعب اقفاله بالهجمات الإلكترونية. جرت محاولات لحجبه، ولم تنجح.
○ تدرس رفع دعوى قضائية دفاعاً عن نفسك كمواطن كندي من تهمة تلقي أموال إيرانية. ماذا في التفاصيل؟
• في الواقع نحن حيال تلفزيون تطوعي ومصروفه ضئيل جداً. ومن يراقب الإنتاج الذي نقدّمه قد يقول «والله في مصاري». فعلياً تكلفنا 15 ألف دولار على المعدّات، والأستوديو مجهّز بكاميرا واحدة، ونحن بصدد تجهيز أستوديو من ثلاث كاميرات سيكلفنا 40 ألف دولار، وجميع هذه التكاليف من عائلات وأصدقاء المتطوعين أنفسهم، ولم نطرق باباً لجمع التبرعات. عملنا صغير ونبني عليه دون مال من أحزاب أو دول، وهكذا سنستمر.
○ وماذا عن ما أسميته أساليب لا أخلاقية وملتوية لجأ إليها الصهاينة لمحاصرتك؟
• بعد فسخ عقد مناهضة العنصرية في الإعلام الكندي، ورغم كون عائلات من السكّان الأصليين تبنتني، كتبوا بأني مناهض للسكان الأصليين! وكان الرد من الشعوب الأصلية. حجتهم أني كتبت بعد موت وزير الدفاع الأمريكي كولن باول «الحمد لله أنه مات فقد كان عبداً للعنصرية البيضاء وللاستعمار». عنصريون ويحاولون إلباس العنصرية لغيرهم.
○ ومن كتب عن تقاضيك أموالاً من إيران؟
• إنها صحيفة «تورونتو صن» وقد أرسل المحامون كتاباً مطالبين بسحب المقال ونشر التكذيب ومنحنا فرصة تبيان رأينا. إلى الآن لا جواب من محامي الصحيفة، خاصة وأن كاتب المقال تحدث عن دلائل ملموسة لديه. طلب المحامون تقديم هذه الدلائل، من دون شك الدلائل غير موجودة فأنا لم أتقاض يوماً مالاً من أية دولة.
○ هل تخشى من فبركة الدلائل؟
• لما لا؟ فهم فبركوا تاريخاً كاملاً، وسلبوا وطناً.
○ وماذا عن جهوزيتك؟
• دائماً بكامل الجهوزية. خلال العشرين سنة الماضية تلقيت الكثير من البوكسات، والحمد لله لم أحن ظهري ورأسي مرفوع. وهذا ما يزعجهم.
○ هل راودتك الـ«لو» لم تذهب العائلة إلى كندا؟
• رحم الله والدي كان مترجماً في الأمم المتحدة، نُقل إلى منظمة الطيران الدولية، بمهمة نائب رئيس قسم الترجمة في مونتريال. يذهب الإنسان حيث رزقه. كانت الغربة صعبة. العيش في كندا بتنا على تماس مع السكّان الأصليين. عشت معهم في أراضيهم، وساهمت ببناء تلفزيونات وراديوهات لهم. بينهم عائلات تبنتني. نحن كعرب لا نعرف تاريخ هذه الشعوب الأصلية، ولو قرأت قيادتنا هذا التاريخ لتعلّمت من المصائب التي واجهتهم الكثير. إنه الاستيطان الذي نفذه البيض في المستعمرات التي بنوها، وقانون الهنود في كندا من أقدم قوانين الفصل العنصري في العالم، سبقه القانون الأمريكي. عندما أرادت حكومة جنوب أفريقيا اعتماد قانون سنة 1948 للاستعمار والتطهير العرقي زار وزراؤها كندا، وهناك عاينوا المحميات التي أنشأتها الحكومة للسكّان الأصليين، ونسخوا قانون الهنود حرفياً لصياغة قانون الأبارتهايد. وسنة 1967 عندما احتل الصهاينة ما تبقى من فلسطين، ورفض السكان مغادرة أراضيهم، فجأة وجد المحتل حوالي مليون فلسطيني تحت أمرته، فزاروا أفريقيا الجنوبية ونسخوا قانون الأبارتهايد. كما زاروا كندا ونسخوا قانون السكان الأصليين، والهدف إنشاء روابط القرى وآخرها كان قبل الانتفاضة الأولى، فأصبحت المجالس المنتخبة محميات، ويشكل اتفاق أوسلو نسخة عن الفصل العنصري، إنه حل الدولتين.
○ أخيراً؟
• «تلفزيون تحرير فلسطين» يستقبل المتطوعين من كل العالم، وكذلك التبرعات، ونرحب بكل من لديه طاقة للعمل، وبما أن مساحة التعبير في مواقع التواصل الاجتماعي تضيق، فنحن نعوضها بهذا الإنتاج التلفزيوني.