تقاسم ابطاله الشعور بالاحباط والخيبة والاستياء من الاضطهاد السياسي وغياب العدالة الاجتماعية، وغمرهم شعور الغربة عن مجتمعهم، وكأن لا حل لمعضلة الانسان وهمومه للخروج من المشاكل التي خيمت على ذلك العصر الذي عاشه ليرمونتوف1814 ـ 1841). ان ميخائيل ليرمونتوف يدين اؤلئك الابطال الذين يحتجون على عصرهم، ولكنهم يكتفون بالعزلة ويقفون بعيدا ويقيمون اسوار حولهم ويتلذذون بمعاناتهم.
ان بيتشورين بطل رواية «بطل من هذا الزمان « التي ظهرت باللغة العربية بترجمة أمير المترجمين العرب سامي الدروبي هو واحد من اولئك «الابطال» او بالاحرى كما قال ليرمونتوف نفسه إن «بطل عصرنا» ليس صورة لرجل واحد، بل صورة تضم رذائل جيلنا كله. وإذا قال أحد إن الاخلاق لن تجني من ذلك خيرا، فلا تتعجلوا، فطالما أُطعم الناس بالحلوى حتى فسدت معدهم. ويجب عليهم الآن أن يتناولوا العقاقير المرة، وأن يتقبلوا الحقائق اللاذعة.. لقد أردت على سبيل التفكه أن أرسم صورة لإنسان هذا العصر كما فهمته، وكما رأيته في أغلب الأحيان. ونفى ليرمونتوفان يكون بيتشورين نسخة منه او انه يسرد سيرة ذاتية، انه شخصية فنية ونمطية لجيل كامل خيب آمال ليرمنتوف. انه ثمرة عصر ومجتمع وثقافة في ذلك الزمن التي عاش به ليرمونتوف.
ودفعت رواية «بطل من هذا الزمان» التي كتبها ليرمونتوف وله 25 عاما، مؤلفها الى صف الخالدين وترجمت لكافة لغات العالم وغدت جزء من منجزات الثقافة البشرية لأن القضايا التي تناولتها هي قضايا كل العصور والامم. وهو الذي قال عنه ليف تولستوي صاحب الحرب والسلام وانا كارنينا …» لو ان هذا الفتى (قتل في مباراة في عمر باكر) ظل يعيش لم تكن حاجة بنا، لا بي ولا بدستويفسكي». ومثلت الرواية التي انسجمت فيها مختلف اساليب السرد نقلة نوعية بالرواية الروسية التي طلقت الرومانسية وتبنت الواقعية كأسلوب اكثر مصادقية لتصوير دقائق المجتمع البشري وتناقضاته وصراعاته المريرة والعقيمة في الكثير من احيان.
ولا يمكن ان نعزل بيتشورين نهائيا عن صانعه. فليرمونتوف ايضا من اسرة نبلاء ونال حظا وافيا من التعليم وتنقل بين المعاهد واختار مثل ابناء جيله من ابناء العوائل النبيلة ان يكون ضابطا في الجيش، وخدم كبيتشورين في القوقاز وعشق جمال طبيعته وتبرم بالمجتمع الراقي وعاداته وتقاليده وزيفه، وشارك كبيتشورين في عدة مبارزات وراح ضحية واحدة منها، وهو في ذروة شبابه ونضجه الابداعي، ففقدت روسيا فيه عبقريا . وقال الناقد الأدبي الروسي الكبير فييساريون بيلينسكي بعد ان سمع بنبأ مقتل الشاعر ليرمونتوف: «نستقبل طبعة جديدة لرواية «بطل زماننا» بدموع حارة على خسارة الأدب الروسي بموت ليرمونتوف».
ان بيتشروين هو البطل الضد. البطل الذي لا يجترح المآثر في سبيل قضيته او قناعاته، وعاجز عن التفكير في سبيل احداث الانقلاب على الوضع الاجتماعي الذي يعاني منه. انه يكتفي في الرفض الصامت. الرفض الفكري لواقعه، لواقع المجتمع وبنية النظام السياسي. وهو في الوقت نفسه شخصية مترعة بالمواهب ذات عقل تحليلي يتيح له بدقة الحكم على الاخرين وعلى الحياة ورصد عيوب ورذائل ونقائص مجتمعه ويقف منه موقفا سلبيا حادا. ان بيتشورين يتفوق على مجتمعه الذي ينظر اليه كما ينظر الى ابطال ليرمونتوف الاخرين على انهم «شخصيات غريبة الاطوار» وبيتشروين الى ذلك يمتلك قلبا دافئا قادر على الانفعالات العميقة والمعاناة القوية. ويظهر ليرمينتوف بتحليل سايكولوجي صادق ما يدور في دخيلة بيتشورين من صراع بين المشاعر الاصيلة التي تولد في اعماق روحه واللامبالاة والجفاف والخشونة والجفا، التي تطبع عليها. علاوة على تمزق الشخصية وغياب الهدف.
ان ليرمونتوف يقيم بطله من موقع ثوروية النبلاء الروس في ثلاثينات القرن التاسع عشر، في مرحلة جديدة من تطورها. وفيما يتمكن ليرمونتوفمن إستدعاء التعاطف مع طبيعة البطل الموهوبة والنبيلة التي حافظت على احتجاجها على المظالم الاجتماعية، فانه دان في الوقت نفسه «بطل الزمان» لعجزه عن النضال الاجتماعي، وعلى نشاطه الفارغ والعقيم وفرديته الانانية.
ان ليرمونتوف هو البطل الحقيقي من ذلك «الزمان». واتخذ من النشاط الادبي والفكري المتنوع حيث كتب الشعر والملامح والروايات، فعلا ووسيلة للكفاح من اجل روسيا الحرة المتحضرة. وكانت اعماله الادبية بمثابة «بيانات» لاستنهاض روح الشعب للنهوض والقيام بفعل التغيير المنشود لتكون الحية افضل، الذي عجز جيل بيتشورين عن تحقيقه.
باحث ومترجم / روسيا
د. فاتح الحمراني