على نطاق العالم العربي تُعرف ليزا ودين، أستاذة العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، من خلال كتابَيْها «التباسات الهيمنة: السياسة والبلاغة والرموز في سوريا المعاصرة»، 1999 (وقد نقله نجيب الغضبان إلى العربية تحت عنوان «السيطرة الغامضة: السياسة والخطاب والرموز في سوريا المعاصرة»، وصدر سنة 2010 عن رياض الريس)؛ و«رؤى محيطية: الجموع والسلطة والأداء في اليمن»، 2008، الذي، في حدود ما أعلم، لم يُترجم بعد. ومؤخراً نشرت ودين كتابها الثالث عن العالم العربي، وسوريا تحديداً، بعنوان لا يقلّ جاذبية (وتعقيداً، غنيّ عن القول!) هو: «استيعابات سلطوية: الإيديولوجيا والحُسبان والحِداد في سوريا»، منشورات جامعة شيكاغو ضمن السلسلة المتميزة «دراسات شيكاغو في ممارسات المعنى».
تستخلص ودين أنّ الحصيلة هي توفير الإواليات الكفيلة باحتواء التنافر، قبيل التبرّؤ منه. ويستوي هنا، في تقديرنا، أن تضيع الضيعة أو حتى تحترق؛ فداءً للأسد!
ورغم أنّ العنوان الفرعي لا يشير إلى سوريا معاصرة أو حتى حديثة، فإنّ الغلاف لا يترك هامشاً لمستريب في أنّ الحقبة التي تتناولها ودين في كتابها الجديد هي سوريا الراهنة: أعلام الانتفاضة، صورة بشار الأسد الأكثر مافيوزية، مشاهد التظاهرات الشعبية في مدن مختلفة، الشعارات ضدّ الطائفية، شعار «خاين يلي بيخطف ثورة» مترافاً مع صورة رزان زيتونة، وطرائف لافتات كفرنبل… وإذْ يتصفح القارئ فهرس موضوعات الكتاب، فإنّ المحتوى يتضح سريعاً؛ ليس من دون زجّ القارئ في مزيد من التعقيد الممتزج بالتشويق، واستدراجه إلى مشقة إدراكية محرّضة على التعمق أكثر: «الإيديولوجيا والاستيقاف وسياسة التبرّؤ»؛ «أوتوقراطية الليبرالية الجديدة وتفكيكها»، «الفكاهة في أزمنة سوداء»، «حول التشكك: الأخبار الكاذبة، ما بعد الحقيقة، ومسألة الحُسبان»، «النزعة القومية، الميل العاطفي، والحُسبان»، «الخوف والوسواس»، والخاتمة التي تتحدث عن حال الفقد…
ولأنّ هذه السطور ليست في أي حال مراجعة للكتاب، إذْ يستحق العمل وقفة أخرى مطوّلة مفصّلة، فإنّ أيسر وسائل تعريف القارئ العربي بمحتوياته (ريثما يتيسّر له من يكسب ثواب نقله إلى اللغة العربية)، قد تكون هكذا: عبر إشارات، وجيزة للغاية، إلى فصوله ومنهجيته و(بعض) عدّته الاصطلاحية المركبة والمتشابكة، ومصادره الفكرية، وموادّه التمثيلية. وعلى سبيل النموذج الدالّ على الطراز الأخير من المرجعيات، والذي يتضمن المسلسلات والسكتشات الكوميدية والأفلام والأغنيات، تناقش ودين الآثار/ المؤثرات الإيديولوجية لأعمال «ابو نضارة («عائشة»، «بسم الآب»، «مسيرة الجندي المجهول»)؛ وسومر باريش («نكزة»)؛ وسليم درويش («أغنية الهوا الأصفر» المهداة إلى سهيل الحسن)؛ وحسين الديك («ناطر بنت المدرسة»)؛ وعنب بلدي («من فوق الأساطيح»)؛ والليث حجو (حلقات من «ضيعة ضايعة»، «مافي أمل»، «الخربة»، «بقعة ضوء»، «الانتظار»، و«سنعود بعد قليل»)؛ وزياد كلثوم («الرقيب الخالد»)؛ ومصاصة متة (حلقات من «الشبيح الأول ــ يوميات ديكتاتور»)؛ وأسامة محمد («خطوة خطوة»، «ماء الفضة»، «نجوم النهار»، و«صندوق الدنيا»)؛ وأمثلة أخرى…
منهجيات ودين تتكيء على لوي ألتوسير (في مصطلح الاستيقاف، بصفة خاصة، ولكن ضمن معطيات الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية بصفة عامة)؛ وعلى والتر بنيامين، تيودور أدورنو، حنة أرندت، ميشيل فوكو، سوزان سونتاغ وسواهم، في مسائل عديدة مترابطة تارة، ومتنافرة تارة أخرى. وفي النظر إلى أي «ضيعة ضايعة» تنتمي سوريا خلال عقود حكم آل الأسد، الأب والوريث، تتلمس ودين «حيوانية الجدّية» عند بنيامين، من جهة؛ و«الخوف عن طريق الانشقاق إلى القوى التي يتوجب الخوف منها» عند أدورنو، من جهة ثانية. وهي تكتب أنّ المسلسل ذاك «يوفّر كلاً من وسيلة تحمّل الحاضر ودعوة الناس إلى التحرّر منه؛ والغنى يتمحور حول طاقة المسلسل على العمل كناقل أو مختبَر للتفكير المعارض»؛ الأمر الذي لا يعني، بالضرورة، انقلابه إلى حامل للتعبئة «الجَمْعية» أو «العلاجية». ولا تغفل ودين التشديد على شعبية المسلسل، وأنّ جماهير متابعيه عابرة للأجيال والعقائد والمناطق، وخيوط التهكم فيه لم تشمل النظام وحده ضمناً، بل شرائح شتى من نماذج السوريات والسوريين أيضاً.
ورغم أنّ المقام، هنا، لا يسمح بمزيد من الإسهاب حول منهجيات ودين، فإنّ من الضروري تثبيت التمييز الذي تقيمه بنفسها بين كتابَيْها؛ إذْ تعتبر أنهما تناولا ثلاثة اشكال مختلفة من «استمالة الامتثال»، وبالتالي ثلاثة نماذج من سوريا ذاتها. فكتاب «التباسات الهيمنة» التقط شروط «الأوتوقراطية المستدامة» التي لاح أنّ الزمن تجاوز اعتمادها على عناصر الحزب الواحد وجهاز الأمن كلّي الحضور ومزاعم الاختلاق المفضوحة. أمّا كتاب «استيعابات سلطوية» فإنه يتفحص طرازين إضافيين من استمالة الامتثال، أوّلهما التسلّط «المتثاقف»، في العقد الأوّل من حكم الأسد الوريث، عبر شبكة الإنترنت وتقليص سيطرة الحزب والرقابة الاجتماعية؛ وثانيهما صعود «أوتوقراطية الحرب الأهلية»، في العقد الثاني، حيث وسائل التوسّط وإوالياته «لم تعد تُؤهّب بغرض الإدامة، بل بالأحرى بحثاً عن استقرار يجابه تحدّياً جذرياً، عن طريق الاحتجاج السلمي أوّلاً، ثمّ العصيان المسلّح بعدئذ».
وفي خاتمة كتابها تعيد ودين التشديد على أنّ الإيديولوجيا تشتغل من خلال الإغواء، واستثارة محتوى الفانتازيا وفي الآن ذاته تنفيس التناقضات وتشذيبها (وتضرب مثالاً ذلك الشريط الشهير الذي انطوى على استقبال أسماء الأسد لأمهات المفقودين في عيد الأم)؛ لتستخلص أنّ الحصيلة هي توفير الإواليات الكفيلة باحتواء التنافر، قبيل التبرّؤ منه. ويستوي هنا، في تقديرنا، أن تضيع الضيعة أو حتى تحترق؛ فداءً للأسد!