الأكراد لم يكونوا في نورماندي، مثلما ادعى دونالد ترامب، وإسرائيل لم تكن هي الأخرى هناك. في تلك الأيام لم تكن دولة كردية، ولا حتى الآن، بل لم يكن حتى حكم ذاتي مع قوة عسكرية. أما الآن فنعم. على مدى السنوات الست من القتال بين الأكراد والقوات الإسلامية، وبالأساس داعش، ساعد الأمريكيون في الاستخبارات وبالهجمات من الجو. ولا يكادون على الأرض، وإذا كانوا، فبمثابة مستشارين، بعيداً عن جبهة القتال. وكانت النتائج متناسبة مع ذلك: الخسائر الأمريكية بلغت ستة جنود قتلى ومواطنين. وفي تلك السنين تحمل الأكراد القسم المركزي من العبء: قاتلوا على الأرض، تكبدوا 11 ألف ضحية. أكثر بكثير من عموم الخسائر الأمريكية في العراق وأفغانستان.
نعم، لقد عمل الأكراد لأنفسهم، ولكن من أجل العالم الحر أيضاً. وأقاموا الحكم الذاتي المسمى “روج آفا”، الذي يسمي نفسه بشكل رسمي “الاتحاد الديمقراطي لشمال سوريا”. ومع مراعاة القوى العاملة في المنطقة، هذا حكم ذاتي، أو ينبغي القول منذ الآن، كان حكما ذاتياً – غريباً بعض الشيء. تميز أساساً بمبادئ حرية الدين، والمساواة للنساء، والديمقراطية المباشرة، ويحتمل أن يكون المناهض للرأسمالية أيضاً. المبدأ الأخير لم يمنع التعاون مع الولايات المتحدة. وعلى هذه الخلفية، وإذا لم تكن خطوة ترامب خيانة، فليس واضحاً ما هي الخيانة. وفي كل الأحوال، في السنة الأخيرة هناك ألف جندي أمريكي على الأرض السورية. ما كان يفترض بهم أن يقاتلوا. مجرد وجودهم هناك لجم تطلعاتأردوغان التوسع. ولكن ترامب، بخطوة غير واضحة، قرر الهجر.
للأكراد تاريخ بشع، فتحت حكم الانتداب السوري، الذي بدأ في 1921، قسمت سوريا إلى ستة كيانات، مع أعلام منفصلة؛ اثنان منها سنيان (دمشق وحلب)، واحد درزي (في جبل الدروز)، واحد علوي (منطقة اللاذقية)، والإسكندرونة (الذي ضمه الأتراك) ولبنان (الذي أصبح مستقلاً). لم يحظ الأكراد بكيان خاص بهم، وتحت الحكم السوري ساء وضعهم. على مدى عشرات السنين عانوا من التمييز المؤطر المنهاجي، في إطار محاولات لتعريب المنطقة. إن استخدام اللغة الكردية كان محظوراً، وسحبت المواطنة من 120 ألف كردي، وكانت هناك مصادرة أراض مكثفة لنقلها إلى عائلات عربية وغيرها.
كان يمكن للحكم الذاتي الذي قام في شمال سوريا أن يكون إصلاحاً جزئياً لظلم تاريخي. هنا وهناك يرفع الطلب، في إسرائيل أيضاً، لاستقلال كردي. ثمة من يشبههم بالفلسطينيين، ولكن التشبيه سخيف. أكراد “روج آفا” لا يطلبون الاستقلال، ولا يطالبون بتفكيك سوريا ويصرحون بأنهم يريدون أن يكونوا تحت العلم السوري. أما الفلسطينيون، فخلاف الأكراد، فقد تلقوا المرة تلو الأخرى الاقتراحات من أجل الاستقلال والدولة، وقالوا “لا” دوماً. أما الأكراد فلم يتلقوا مثل هذا الاقتراح. هذا لا يمنع الفلسطينيين أن يصبحوا مظلومي العالم، ولم يمنع بعض الأغبياء أن يجعلوا إسرائيل توأم تركيا. لم يكونوا أقوياء في العلاقة مع الواقع. فهل أطلق الأكراد ذات مرة تهديداً بتصفية سوريا أو العراق أو تركيا؟ هل أطلقوا الصواريخ نحو المراكز السكانية؟ هل تمتلئ شبكات التعليم لديهم بالعنصرية الجهادية؟
في الساعة التي تكتب فيها هذه الأمور تمتلئ الشبكات الاجتماعية بصور الفيديو التي تعرض جرائم حرب المقاتلين الذين أرسلهم أردوغان. الحذر الحذر من هذه الصور، ولكن يخيل أنه في عين حذرة يمكن أن نلاحظ صوراً أصيلة. هكذا مثلاً نشرت معلومات عن مقتل هفرين خلف، ناشطة حقوق الإنسان ورئيسة مشتركة لحزب كردي. في شريطة الفيديو الذي نشر في قنوات إخبارية رائدة، يمكن أن نرى جثتها ملقاة بعد أن أوقفت السيارة التي سافرت فيها وقتل من يقلها. هذه المعلومة تنضم إلى عدد لا يحصى من الأنباء الأخرى عن قتل مدنيين، وبينهم نساء وأطفال ورضع. الغزو جاء ضمن أمور أخرى لخلق منطقة لاستيعاب اللاجئين السوريين الذين هربوا إلى تركيا، ولكنه في هذه الأثناء يخلق موجة جديدة من مئات آلاف اللاجئين. فإلى أين سيهربون بالضبط؟
نعيش في عالم تحظى فيه الفظائع ضد المسلمين بشجب هزيل، فهم يذبحون في دارفور، واجتازوا تطهيراً عرقياً ومذابح في مينمار، ويحبسون في معسكرات لإعادة التثقيف في الصين. وقد حصل هذا دوماً بتأييد العالم العربي والإسلامي. والآن هؤلاء هم الأكراد، مرة أخرى الأكراد، الذين يواجهون موجة جديدة من جرائم الحرب. والعالم يصمت.
بقلم: بن – درور يميني
يديعوت 15/10/2019