العلاقات المصرية ـ الأمريكية تزداد تعقيدا منذ ثورة 30 يونيو، التي أدت إلى عزل الرئيس السابق محمد مرسي يوم 3 يوليو، ومن ثم أطاحت بحكم جماعة الأخوان في مصر ربما إلى غير رجعة. فبعد تردد دام لقرابة ثلاثة أشهر، اتخذت الإدارة الأمريكية قراراً بتجميد المعونة الأمريكية السنوية، بشقيها العسكري والاقتصادي لمصر.. وجاء في تعليق البيت الأبيض الرسمي على هذه الخطوة انها رمزية ومؤقتة. وقالت القاهرة انها تراها تدخلاً سافرا في الشأن الداخلي، واكتشفت الجماهير المصرية الواعية مدى صحة مقولة بطلها القومي عبد الفتاح السيسي لصحيفة ‘واشنطن بوست’ منتصف شهر ايلول/سبتمبر الماضي ‘ان الولايات المتحدة أدارت ظهرها للشعب المصري الذي ثار على الحكم في 30 يونيو، ولن ينسي لها ذلك’. وأصبح التساؤل الذي يتبادله أبناء المجتمع في ما بينهم هو.. إذا كان الرئيس الامريكي يعرف عن يقين، كما جاء في حديثه مع محطة CNN قبل نهاية نفس الشهر، أن وقف إدارته للمساعدات العسكرية لمصر لن يدفع حكومتها الحالية إلى تغيير سياساتها الداخلية ولا الخارجية، فلماذا أقدم على هذه الخطوة التي زادت من شعبية الحكم القائم منذ 3 يوليو الماضي، والذي يعتبره بعض أقطاب مؤسساته التشريعية انقلابا، بينما تراه غالبية طوائف الشعب وتياراته السياسية ثورة. كلام الفريق أول عبد الفتاح السيسي جاء تعبيراً واضحاً عن موقف القاهرة الرافض لقيام الإدارة الامريكية بإلغاء مناورات النجم الساطع للعام الحالي، ووقف تسليم طائرات f – 16 قبل نهاية العام، كما كان متفقاً عليه من قبل، فقرار واشنطن السلبي حيالهما جاء بعد احداث 30 يونيو و 3 يوليو.. مما يؤشر لتغير كبير في العلاقات بين الطرفين، ويؤسس في الوقت ذاته لتحول أكبر في رؤية العسكرية المصرية لمستقبل العلاقات مع واشنطن، التي صدمتها تصريحات السيسي ومن بعده رئيس الوزراء حازم الببلاوي. هذه الرؤية المختلفة قد تُنبئ بتحول في المشاركة الإستراتيجية التي تجمع بين الطرفين منذ اسس لها الرئيس الأسبق أنور السادات على ثلاث ركائز في سبعينات القرن الماضي. اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية المساعدات الأمريكية الاقتصادية والعسكرية لمصر التعاون الأمني والعسكري والمخابراتي بين الطرفين الحقيقة التي تعرفها مراكز الأبحاث العالمية، هي أن إشكالية المساعدات الأمريكية على الرغم مما وفرته للقوات المسلحة المصرية من تكنولوجيا عسكرية متقدمة، جعلت الغالبية الساحقة من الشعب المصري ترفض منطق التبعية الذي فرضته هذه المساعدات على نظام الحكم الذي كانت تعيش تحت مظلته منذ عام 1979.. ووفرت لها الفرصة تلو الفرصة لمهاجمة تعاظم النفوذ الأمريكي، على مستوي صانع القرار المصري، والإعلان عن موقفها المناهض لتأثيره داخل دوائره السياسية والعسكرية والأمنية. والحقيقة التي لا ينكرها الطرف الأمريكي ان نتائج هذه المعونات منحته امتيازات جمة، منها مناورات النجم الساطع التي تعد الأكبر من نوعها على مستوي العالم، ومنها المزايا العسكرية واللوجستية، على مستوى الأجواء المصرية، والحق في المرور الآمن عبر قناة السويس للسفن والبوارج الحربية، حتى تلك التي تحمل أسلحة غير تقليدية، وسمحت له ان ينسق مع القاهرة تعاونا أمنيا ومخابراتيا قدم خدمات جمة للطرفين، لكن استفادة الجانب الأمريكي منه كانت أكبر بشهادة التقارير التي صدرت طوال السنوات الماضية عن المراكز البحثية الأمريكية والأوروبية، وأشهرها مركز بيو العالمي الشهير. لا ينكر المحللون أن العلاقات المصرية الأمريكية حتى من قبل اغتيال الرئيس الأسبق السادات، وطوال ثلاثين عاما من حكم الرئيس الأسبق مبارك، مرت بالكثير من مراحل الصعود والهبوط ولكنها صمدت، لأن المصالح المشتركة كانت تجمع الطرفين. ومن جانبه حافظ المجلس الأعلى للقوات المسلحة على هذه الرابطة خلال توليه مسؤولية إدارة مصر من شباط/ فبراير 2011 إلى نهاية يونيو 2012. وأكدت السنة التي تصدر فيها الرئيس السابق محمد مرسي المشهد السياسي التزامه وحرصه هو وجماعته على تنمية هذه العلاقات وتطويرها، تشهد على ذلك تصريحات مستشاريه إبان زياراتهم الكثيرة لواشنطن، ونجاح وساطته لدى منظمة حماس لعقد هدنة مع إسرائيل تحقق بموجبها وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة تجاه المستعمرات/ المستوطنات الإسرائيلية، وكان المتوقع في قابل الأيام في ضوء هذا النجاح النوعي، أن تزداد اواصر التعاون الإستراتيجي بين مثلث مصرـ أمريكا ـ إسرائيل، إلى مدى غير مسبوق على كافة المستويات. من هنا يمكن أن نتعرف على أبعاد الموقف الأمريكي الذي لا زال يتعامل مع ثورة 30 يونيو باعتبارها انقلاباً عسكرياً قررت واشنطن في ضوئه ان تجمد مساعداتها العسكرية والاقتصادية، ولو على سبيل التنبيه والإنذار، لأن إزاحة الرئيس السابق محمد مرسي هزمت مخططات واشنطن وإستراتيجياتها لفترة قادمة، من خلال تمكين التيار السياسي الإسلامي من إدارة دفة الحكم في مصر ليكون مثلا يحتذى في اكثر من عاصمة عربية. هل ستتضرر الدولة المصرية جراء هذا القرار؟ نعم ، إلى حد ما لأن القوات المسلحة المصرية صارت منذ أكثر من ثلاثين عاما تعتمد بشكل كلي على تطوير وتحديث معداتها، خاصة في شقها التقني على المُنتج الأمريكي. هل هناك ضرر سيلحق بالولايات المتحدة الأمريكية؟ نعم، إلى حد كبير، فمن ناحية لا بد أن نعرف أن اتفاقية المساعدات تنص على أن مبلغ الـ 1.3 مليار دولار الخاصة بالجانب العسكري يتم تحويله بعد موافقة الكونغرس السنوية إلى حساب بالمصرف الإحتياطي بنيويورك، الذي يتولي تحويله بدوره إلى أحد صناديق الإئتمان، الذي يقوم بالإنفاق منه على سداد قيمة المعدات العسكرية التي تقوم شركات السلاح الأمريكية بتصنيعها لصالح القوات المسلحة المصرية. ومن ناحية أخرى يمكن للسلطات المصرية إذا أرادت، أن تفرض رسوما احتياطية على مرور السفن العسكرية الأمريكية اثناء عبورها من قناة السويس. ومن ناحية ثالثة يحق للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ان يستخدم المساعدات العربية في تنويع مصادر السلاح والتكنولوجيا العسكرية من صناعات صينية أو روسية أو هندية. كافة الدلائل التي بين أيدينا منذ صدر قرار التجميد الأمريكي للمساعدات العسكرية والاقتصادية لمصر في العاشر من تشرين الاول/اكتوبر الحالي، تشير إلى اختلاف في الآراء والتقييمات التي تضمنتها التقارير التي تابعت ثورة الشعب المصري التي أيدتها القوات المسلحة في الثلاثين من يونيو الماضي: المجالس التشريعية تتمسك بإعمال القانون، الذي يُحرم على الإدارة الأمريكية أن تقدم مساعدات عسكرية لأنظمة الحكم التي تجري فيها انقلابات عسكرية، أما وزارتا الخارجية والدفاع فتريان غير ذلك، على الأقل من منطلق اعترافهما بسوء الأحوال المصرية والفشل الذريع الذي عانت منه مصر خلال فترة حكم محمد مرسي، لذلك اضطر الرئيس أوباما الى أن يتوافق مع وجهتي النظر التشريعية والتفنيذية، فجاء قرار التجميد ‘مرتبطا بقدرة نظام الحكم الحالي في مصر على تحقيق الديمقراطية والحرص على حقوق الإنسان ووقف العنف ودمج التيار السياسي الإسلامي في العملية السياسية وخارطة الطريق’. الموقف الحالي بين القاهرة وواشنطن يؤكد من ناحية أن ورقة الضغط الأمريكية لم تكن غائبة عن التوقع المصري، وهناك من يقول أن مسؤولي المرحلة الانتقالية في مصر كانوا مستعدين لها بشكل أو بآخر.. ومن ناحية أخرى تتوقع غالبية التحليلات الغربية أن تنجح مصر في تنفيذ خارطة الطريق التي طرحت في أوائل شهر يوليو الماضي. وهنا يثور السؤال.. إلى أين ستصل هذه المرحلة من العلاقات المصرية الأمريكية المتضاربة في مسارها المستقبلي؟ .