لندن – «القدس العربي»: شعر سكان الطوابق المرتفعة والمسافرون على الطرق السريعة، بـ7 هزات أرضية مصحوبة بصرخات واحتفالات أولئك المحظوظين، الذين استمتعوا بواحدة من أروع وأعظم مباريات دوري أبطال أوروبا في العصر الحديث، وربما في كل العصور، تلك الملحمة التي جمعت قطب العمالقة الجدد مانشستر سيتي بالتاريخ والعراقة ريال مدريد على ملعب «الاتحاد» مساء الثلاثاء الماضي، وانتهت بفوز هيتشكوكي لأصحاب الأرض بنتيجة 4-3 في ذهاب نصف نهائي أعرق كؤوس القارة العجوز.
حكمة الفيلسوف
«كرة القدم قائمة على النتائج»، بهذه الحكمة البسيطة، لخص مدرب المان سيتي بيب غوارديولا أحداث قمة الثلاثاء، بعد ضياع فرصة العمر، بتحطيم النادي الميرينغي معنويا وإرساله إلى المجهول قبل زيارة «سانتياغو بيرنابيو» لخوض إياب الأربعاء المقبل، وشاء القدر هذه المرة، ألا يكون الفيلسوف الكتالوني سببا في النتيجة أو الأخطاء التي أدت في النهاية لعدم حصول الفريق على هدفه الرئيسي من المباراة، كما هو شائع عنه، بالمبالغة في الفلسفة والتركيز على نقاط قوة المنافس في هكذا مواعيد فاصلة، وتجلى ذلك في البداية شبه المثالية للفريق السماوي، التي أسفرت عن هز الشباك البيضاء في مناسبتين في أول 11 دقيقة، وهو أمر لم يحدث مع الضيف الثقيل منذ تسعينات القرن الماضي، أن يستقبل هدفين في هذه المرحلة في أقل من ربع ساعة، لكن ما حدث بعد ذلك، تحديدا منذ هدف عودة المنافس عن طريق القائد كريم بنزيمة في الدقيقة 33، فاق توقعات وخيال الجميع، أو بعبارة أخرى لم تخضع الكرة للمنطق ولا لمؤشرات الأداء والمحاولات على كلا المرميين.
ولنا أن نتخيل لو فعلها الساحر الجزائري رياض محرز، في فرصة الانفراد التي كانت كفيلة بقلب النتيجة لـ3-1 بعد لحظات من هدف كريم الأول، وأبعد من ذلك، الفرصة السهلة الأخرى التي تفنن فل فودن في إهدارها قبل نهاية الشوط الأول، بنسبة كبيرة، كانت المباراة ستسير في اتجاه آخر، على الأقل، كان الفريق السماوي سيضع قدما في نهائي باريس، بدلا من العقاب القاسي في الشوط الثاني، بتسجيل هدفين واستقبال مثلهما، تجسيدا للقاعدة المتعارف عليها في عالم كرة القدم «من يُهدر الأهداف يستقبلها بسهولة»، وهذا بالضبط ما حدث في الأوقات الفارقة للمباراة، وشاهدنا كيف سيطر متصدر البريميرليغ على مجريات الأمور، ببسط هيمنته على كل متر في الملعب، خاصة في أم المعارك وسط الملعب، لكنه لم يطبق المقولة المأثورة «إذا هبت رياحك فاغتنمها»، بتسجيل أقل من 50% من الفرص التي أتيحت أمام مرمى الاخطبوط تيبو كورتوا، على عكس فريق كارلو أنشيلوتي، الذي أعطى درسا جديدا في الواقعية وروشتة الخروج بأقل الخسائر من الليالي المعقدة، متسلحا بأفضل لاعب في العالم في الوقت الحالي كريم بنزيمة، الذي يفعل الأعاجيب سواء في حملة البحث عن لقب الليغا رقم 35 أو رحلة إخضاع الكأس ذات الأذنين الرابعة عشرة، كأن الطاقة التي صنعت أسطورة كريستيانو رونالدو بالقميص الأبيض رقم 7 في الفترة بين عامي 2009 و2018، استقرت في جسد كريم هذا الموسم، كما يظهر في تأثيره الغريب في نتائج وأداء اللوس بلانكوس في أصعب لحظات المواعيد الكبرى.
هدايا الربيع
كما أشرنا أعلاه، كان السيتي الطرف الأفضل والأكثر تنظيما في جُل النواحي أغلب فترات المباراة، لكن لسوء الحظ، لم يتوقف الأمر عند الفرص السهلة التي أهدرها فودن وغابرييل جيزوس على وجه التحديد، بل الأسوأ، كانت هدايا عيد الربيع التي تسابق المدافعون في تقديمها لبنزيمة ورفاقه في الكتيبة الملكية، وشاهدنا كيف استغل هداف فرنسا التاريخي، سذاجة وقلة خبرة المدافع الأوكراني أولكسندر زينتشينكو، بالوصول للكرة قبل المدافع العشريني وتحويلها بلمسة عبقرية بالقدم اليسرى في المكان المستحيل للحارس البرازيلي إيدرسون، كأول تعاون من قبل لاعبي المان سيتي لمساعدة الريال على العودة إلى نتيجة وأجواء المباراة، بعد اختفاء دام أكثر من نصف ساعة، ربما لتأثر اللاعبين من صدمة البداية، وربما لسوء اختيارات ميستر كارليتو، لا سيما على مستوى الوسط، باعتماده على مهندس الوسط توني كروس في مركز لاعب الارتكاز، بدلا من البرازيلي كاسيميرو، ولاحظنا معاناة بطل العالم 2014 وتحوله إلى نقطة ضعف واضحة بالنسبة للداهية كيفن دي بروين وبيرناردو سيلفا، لعدم قدرته على القيام بأدوار كاسيميرو الدفاعية، ناهيك عن الخلل الكبير في المنظومة الدفاعية، لأسباب تتعلق بالحالة السيئة التي كان عليها قلبا الدفاع ميليتاو وديفيد آلابا، الذي تبين بعد ذلك أنه تحامل على نفسه وإصابته لاستكمال الشوط الأول.
هذا بجانب نقطة الضعف الأكثر وضوحا على مستوى الظهيرين داني كاربخال وفيرلاند ميندي، بفشلهما دفاعيا وهجوميا، إلى أن جاءت الانفراجة عن طريق ميندي، بالعرضية النادرة التي سرق بها كريم أولى الأهداف التعاونية مع مدافعي السيتي، من أصل 3 أهداف، كان بإمكان الدفاع السماوي تفاديها بقليل من التركيز، مثل الهدف الثاني، الذي نسف قيمة وأهمية اللوحة الإبداعية التي رسمها فيرناندينيو في هدف فودن الثالث، وذلك لغرابة قرار المخضرم البرازيلي، أو بلغة اللاعبين «باع نفسه»، بترك الكرة تمر من وراء ظهره مع آخر لاعب على الخط، وهو مواطنه فينيسيوس جونيور، في مغامرة عالية المخاطر، خاصة وأنها جاءت مع لاعب يصغره بحوالي عقد ونصف العقد من الزمن، ومن المفترض أنه يعرف أكثر من غيره، أن مواطنه من فئة العدائين وعشاق المساحات الشاغرة، لكن على ما يبدو، أنه راهن على الحماس والدفعة المعنوية الكبيرة، بعد استعراض سرعته في هدف فودن الجميل، وفي الأخير، استيقظ على الكابوس، باكتشاف الفارق المهول في السرعات مع فينيسيوس، الذي تقبل الهدية كما ينبغي بإنهاء ولا أروع للماراثون الطويل، حتى إيميريك لابورت، ساهم بسخاء في خروج فريقه بهذه النتيجة، بإعطاء ريال مدريد ركلات جزاء من العدم، بلمسة يد نادرة بعد خروج الكرة من رأسه داخل منطقة الجزاء، ليعوض بنزيمة ما فاته في مواجهة أوساسونا في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، التي أهدر خلالها ركلتي جزاء، مغالطا الحارس البرازيلي هذه المرة بتسديدة على طريقة بانينكا، ليبقي ريال مدريد على قيد الحياة كما قال أنشيلوتي في حديثه مع الصحافيين بعد المباراة، متقدما خطوة عملاقة نحو معانقة الكرة الذهبية، كأفضل لاعب في العالم هذا العام، بإزاحة روبرت ليفاندوسكي من صدارة هدافي دوري الأبطال، بوصوله لهدفه الشخصي رقم 14، بفارق هدف عن جلاد بايرن ميونيخ، الذي ودع البطولة على يد فياريال في دور الثمانية، من أصل 41 هدفا بالإضافة لـ13 تمريرة حاسمة من مشاركته في 41 مباراة بالقميص الأبيض رقم 9 منذ بداية الموسم.
مرشح الإياب
لا شك أبدا، أنه على الورق وبلغة الأرقام، يبدو مانشستر سيتي الطرف المرشح والأوفر حظا لانتزاع بطاقة اللعب في نهائي دوري الأبطال للمرة الثانية في تاريخه والثانية تواليا، على الأقل لأفضلية تقدمه بهدف ولحاجته للخروج بأي نتيجة، ما عدا التأخر بفارق بهدفين، بعد إلغاء قاعدة احتساب الهدف باثنين خارج الأراضي، وايضاً أنه منطقيا من حيث الأداء والجودة على مستوى الأفراد، يبقى السيتي المرشح الأقرب لخطف تأشيرة نهائي باريس، وذلك بطبيعة الحال، بناء على الانطباع والصورة التي كان عليها كلا الفريقين في المباراة الأولى، لكن هذا لا يعني بالضرورة، أن نفس السيناريو سيُعاد في «سانتياغو بيرنابيو»، أولا لاختلاف الظروف والأجواء، مع تسلح الفريق الملكي بالجماهير والروابط، التي تلقت طلبا من قبل الرئيس فلورنتينو بيريز، للحضور بكثافة في سهرة الأربعاء، لتقديم الدعم الكامل للفريق ومساعدة أنشيلوتي على إذابة الفوارق مع كتيبة بيب غوارديولا، المدججة بالجواهر والمواهب القادرة على صنع الفارق في أي لحظة. ثانيا لصعوبة التنبؤ برد فعل لاعبي الريال وحالتهم المزاجية، بعد ظهور شخصية ووجه الريال الحقيقي في الأدوار الإقصائية، والتي بدأت بالريمونتادا التاريخية أمام باريس سان جيرمان في إياب دور الـ16، بعد الهزيمة في «حديقة الأمراء» بهدف كيليان مبابي والتأخر بهدف لنفس اللاعب في الشوط الأول في إياب مدريد، ثم بالثأر أمام تشلسي والإطاحة به من الدور ربع النهائي. والآن وبعد تأخره بهدف في الجزء السماوي لعاصمة الشمال في إنكلترا، سيكون من رابع المستحيلات، توقع سيناريو أو نتيجة المباراة، لأنها واحدة من المعارك التي ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات، ولن تُحسم إلا بالقليل من التوفيق والكثير من التركيز والذكاء لاستغلال أنصاف الفرص والتفاصيل البسيطة، كما وصفنا مباراة الذهاب في نفس المنبر الأسبوع الماضي بـ«معركة تكسير العظام»، بحكم تقاليد هذه البطولة، خصوصا المباريات الفاصلة الأخيرة، التي أحيانا ما تُظهر الجانب الأكثر قسوة في الرياضة وكرة القدم بالأخص، أن يخسر أو يخرج الفريق الأفضل والأكثر إقناعا، ولنا عشرات الأمثلة التي تحتاج مجلدات، وليس مقالا أسبوعيا. الشاهد، أن وقوع دفاع السيتي في نفس أخطاء مباراة الذهاب، سيكون طوق النجاة للريال وبوابته للنهائي السابع عشر في تاريخه، ولا ننسى بيب سيستعيد على الأقل اثنين من خط دفاعه الحديد، الذي استقبل قبل ثلاثية الريال، ما مجموعه 39 هدفا منذ بداية الموسم، مقارنة بـ60 هدفا في موسمه الأول مع السكاي بلوز، والحديث عن جواو كانسيلو وكايل ووكر، مع انتظار ما سيحدث مع جون ستونز، بعد تجدد إصابته في المباراة الأولى، ونفس الأمر بالنسبة للريال، هو أيضا سيستعيد قلبه النابض في وسط الملعب كاسيميرو، أملا في الحد من خطورة دي بروين على وجه الخصوص، بعد تأخر المدرب في التعامل مع هذا الخلل، باستبدال رودريغو بشعلة النشاط إدواردو كامافينغا، الذي أعاد الكثير من التوازن والحدة في عملية الضغط من وسط الملعب في آخر 20 دقيقة. وقبل أي شيء، ستتعلق الآمال على نفحات بنزيمة وحلول فينيسيوس ومودريتش الفردية، وفي الجهة الأخرى، سيصلي غوارديولا لتسير الأمور كما يخطط لها، أن يأتي التعويض بالتعامل مع الفرص المتاحة في «سانتياغو بيرنابيو» على أنها حياة أو موت، وألا تتكرر نفس المشاهد الهزلية في الدفاع، والسؤال الآن: من ستبتسم له كرة القدم ليكون منافس ليفربول في نهائي 2022؟
ليفربول المهول
نعم عزيزي القارئ كما قرأت، ليفربول في النهائي المنتظر في عاصمة الحب والموضة باريس، إلا إذا حدثت معجزة كروية من النوع الذي لا يتكرر إلا مرة واحدة كل 100 عام، بعد قتل ذهاب «الآنفيلد» أمام فياريال بثنائية نظيفة بأقل مجهود، ولولا التعامل معها بشكل اقتصادي، لانتهت بنصف دستة أهداف على أقل تقدير، لكن من الواضح، أن محمد صلاح وباقي زملائه، فضلوا توفير طاقتهم لرحلة «سانت جيمس بارك» الصعبة، أمام نيوكاسل يونايتد بنسخته الجديدة بعد الصفقات التي أبعدته عن المنطقة الظلماء في جدول ترتيب أندية البريميرليغ في النصف الثاني، وكذا لمواجهة «لا سيراميكا»، مع ارتفاع الطموح والطمع المشروع، لتحقيق أول رباعية في تاريخ أندية إنكلترا، لكن في الأخير، حقق كلوب وفريقه الهدف المنشود، بالفوز بنتيجة مطمئنة قبل زيارة مدينة البرتقال بعد غد الثلاثاء، والأهم، حافظ الفريق على نفس النسق العالي، والحدة والشراسة في هجومه على الغواصات الصفراء، مثلما يجلد خصومه في الملاعب الإنكليزية، بالرسم التخطيطي والأسماء التي يعرفها الصغير قبل الكبير، 4-3-3، معتمدا على الحارس أليسون وأمامه فيرجيل فان دايك وإبراهيم كوناتي في محور الدفاع، وعلى اليمين الظهير الطائر ترينت ألكسندر أرنولد وفي الجهة الأخرى الفنان أندي روبرتسون، وعلى دائرة الوسط فابينيو وحوله جوردان هيندرسون ورجل المباراة تياغو ألكانتارا، وفي الهجوم الثلاثي صلاح وماني والفوضوي المخيف لويس دياز، وكالعادة وكما كان متوقعا، بدأ اللقاء بهجوم كاسح من قبل الريدز وانتهى بنفس الشكل، بالنسخة المرعبة التي رسمها كلوب لفريقه على مدار سنوات، كفريق لا يكل ولا يمل من تهديد منافسيه، ببناء رائع وسهل من الخلف، ثم خطف الخصم بلمسة واحدة وجملة متفق عليها، لوضع واحد من ثلاثي الهجوم في موقف لاعب ضد لاعب مع المدافع.
وفي المقابل، حاول المدرب أوناي إيميري الخروج بأقل الخسائر، معتمدا على إستراتيجيته المفضلة 4-4-2، وبالأسماء المفضلة والثابتة في الدفاع خوان فويث وراؤول ألبيول وباو توريس وبيرفيس إستوبينيان، وأمامهم ثنائي الارتكاز داني باريخو وإتيان كابو، وعلى الأطراف صامويل تشوكويزي وفرانسيس كوكولن وفي الهجوم أرناوت دانجوما وعلى مسافة قريبة منه جيوفاني لو سيلسو، كلاعب وسط مهاجم وأحيانا مهاجم ثان، معتقدا أن صموده في أول 45 دقيقة، سيقوده للخروج من «الآنفيلد» بنتيجة إيجابية، كما فعلها في آخر مباراتين، بإذلال يوفنتوس بالثلاثة وفرض التعادل الإيجابي بنتيجة 1-1 أمام بايرن ميونيخ، لكنه تفاجأ بقوة وعنفوان الفريق الإنكليزي، الذي لم يغير وتيرة هجومه وأسلوبه الضاغط، لإجبار ضيفه على أخذ وضعية المدافع في أغلب فترات المباراة، فكانت النتيجة المنطقية، انتهاء الصمود الإسباني باستقبال هدفين في أول 10 دقائق من الشوط الثاني، الأول جاء بالنيران الصديقة، عن طريق بيرفس إستوبينيان، نتيجة للضغط المتواصل لقرابة الساعة، فيما تكفل أسد التيرانغا ماني بإطلاق رصاصة الرحمة الثانية والكافية، لوضع قدم في المباراة النهائية قبل اللعب أمام أكثر من 20 ألفاً في «المادريخال»، والسؤال الآن: هل سيفجر فياريال المفاجأة ويقلب الطاولة على ليفربول؟ أم ستكون نزهة أوروبية جديدة لكلوب وفريقه لينتظروا إما مانشستر سيتي في كلاسيكو جديد بينهما هذا الموسم وإما صدام انتقامي مع ريال مدريد بذكريات إصابة صلاح والظهور الأخير لكريستيانو رونالدو مع الريال في نهائي 2018؟ دعونا ننتظر ما سيحدث يومي الثلاثاء والأربعاء. مشاهدة ممتعة للجميع.