من الوارد جدا ان تكون للأعمال الدرامية فرصة ثمينة للخروج من إطار وظيفتها التقليدية في تحقيق التسلية العابرة للمتلقي كما هو شائع في منطقتنا العربية، والانتقال إلى مستوى آخر من حيث طبيعة ما يطرحه خطابها الفني من محتوى يلامس قضايا معاصرة تتسم بحساسية بالغة، لأن القطع في تحديد أسبابها لم يحسم بعد، خاصة إذا ما تعلق الأمر بمسألة تتداخل فيها صراعات سياسية وعقائدية، تتوفر في حيثيات كواليسها دوافع مختلفة، منها ما يرتبط بعوامل محلية ومنها ما له صلة بأبعاد إقليمية ودولية، مثلما هو الحال بقضية سقوط مدينة الموصل في العاشر من حزيران/يونيو 2014 تحت سلطة «داعش».
وإذا ما انتقل العمل الدرامي في معاييره الفنية، شكلا ومحتوى ليلعب مثل هذا الدور فإنه بذلك سيصبح مادة فنية مهمة تصلح ان تكون أداة للمتلقي تمكنه من أن يقترب بوعيه وذائقته في فهم الواقع والتاريخ، وإذا ما توفرت فيه عناصر النجاح والتكامل الفني لربما يزاحم في تأثيره أهمية الكتب والمصادر التاريخية. ومسلسل «ليلة السقوط» يجري تصويره في مدينة أربيل بإقليم كردستان العراق، وتولى كتابته السيناريست المصري مجدي صابر والمخرج السوري ناجي طعمة، وهو الإنتاج الأول لشركة بلاحدود العراقية، وتأتي أهمية هذا المسلسل لانه يتصدى لحدث واقعي، بات من غير الممكن ان لا نصفه بانه حدث تاريخي، لانه رسم واقعا جديدا ليس للعراق فقط انما للمنطقة العربية والإسلامية، ولم يعد ممكنا تجاوز ارتداداته على المستوى الدولي.
أهمية دراما المسلسلات
إن الأعمال الدرامية وفي مقدمتها المسلسلات باتت تشكل الجزء الأكبر من اهتمامات الجمهور الذي أخذ يستهلك وقتا طويلا أمام التلفزيون وهو يتابع أحداثها التي تتوزع على أكثر من مئة حلقة في بعض النتاجات مثل التركية والمكسيكية، بمعنى أنها أصبحت تحظى بأولوية قصوى في سلم أولويات المواد التي يتابعها المتلقي عبر الشاشة أو الابتوب.
ولهذا فإن تناول موضوعة مهمة مثل حدث سقوط مدينة الموصل تحت سلطة تنظيم «داعش» وما نتج عنه من تداعيات في مسلسل تلفزيوني، سيكتسب أهميته لكونه العمل الأول الذي يقترب عبر هذه المغامرة الفنية من تعقيدات ذلك السقوط الذي نتجت عنه كوارث عسكرية ومجتمعية ونفسية ما تزال تمارس أثرها المدمر على مكونات المجتمع العراقي التي عانت صنوف الترهيب والقتل والتهجير والنزوح.
ما يعطي لهذا المسلسل «ليلة السقوط» أهميته لدى شركة بلاحدود التي تحملت مسؤولية إنتاجه، انها لأجل تقديمه بأفضل صورة وظفت مجموعة مهمة من خبراء تقنيين في الإضاءة والتصوير والأزياء والديكور ينتمون لأكثر من بلد عربي، إضافة إلى قائمة تضم المع نجوم العرب، مثل طارق لطفي واحمد صيام ورياض الخولي من مصر، وباسم ياخور وميلاد يوسف وكندا حنا من سوريا، وصبا مبارك من الأردن، وجواد الشكرجي ورياض شهيد وذو الفقار وسمر محمد من العراق، كما تولى إدارة التصوير طاقم تونسي على مستوى عالي من الاحتراف. إضافة إلى المخرج السوري ناجي طعمة، وبلغ عدد الممثلين المشاركين في العمل أكثر من 150 ممثلا وممثلة، أما كلفته الإنتاجية فقد تجاوزت خمسة ملايين دولار حسب ما أفاد لنا د. قيس الرضواني مدير الشركة المنتجة للعمل .
الاقتراب من الموضوعية
الخطوة الأبرز في هذا المسلسل انه تم إسناد كتابة السيناريو إلى الكاتب المصري مجدي صابر، ولأجل ان تقترب رؤيته الدرامية من طبيعة الأحداث الواقعية، حرصت الشركة المنتجة على ان يزور مدينة الموصل ويبقى فيها فترة من الزمن، ليكون قريبا من الأماكن التي شهدت أبرز الوقائع، حيث التقى العديد من الأشخاص الذين كانت لهم تجارب مريرة تحت سطلة تنظيم «داعش» واستمع إلى الكثير من القصص التي عاشوها أو كانوا شهود عيان لها. وعن هذه الخطوة يقول د. قيس الرضواني مدير شركة بلاحدود «كنت متقصدا ان يتولى كتابة السيناريو اسم له تاريخ في الكتابة الاحترافية، وان يكون من جنسية غير عراقية حتى أنني كنت معنيا ان يتولى الكتابة شخص غير مسلم، لكي يذهب العمل في بنائه إلى ناحية أقرب ما تكون إلى الموضوعية ولايتسلل للانحياز القسري واللامنطقي في رؤيته للأحداث، وهذه القضية بالنسبة لي كانت بغاية الأهمية، بمعنى ان تكون الرؤية الدرامية موضوعية، وان لا تنزاح بعيدا عن واقعية الأحداث التي كانت سببا في ما جرى من انهيار سريع وتدمير شامل أمام حفنة إرهابيين لم يتجاوز عددهم 350 ساعة اقتحامهم للمدينة، خاصة وان الانهيار لم يقتصر على الجانب العسكري والأمني فقط، بقدر ما شمل النسيج المجتمعي المتين الذي كانت مدينة الموصل تتميز به على مدى تاريخها الطويل» ويضيف ان «جل اهتمامنا كان منصبا من جانب آخر على الجوانب الإنسانية المشرقة التي تجلت في هذه المحنة، وكان أبطالها من جميع فئات وقوميات ومذاهب المجتمع الموصلي، وفي الحقيقة هذا هو جوهر مجتمع مدينة الموصل الذي لم تستطع وسائل الإعلام ان تستوعبه، لكننا في هذا العمل كنا حريصين على ان يكون محتوى رسالتنا يتضمن هذه الفكرة، لانها موجودة في تفاصيل الواقع المجتمعي، ولأنني أبن هذه المدينة وأعرف خصوصيتها وثراء مجتمعها الإنساني».
أربيل والموقع البديل
شاء المخرج والجهة المنتجة ان تكون قلعة أربيل موقعا رئيسيا لتجسيد ما يسرده المسلسل من تفاصيل، نظرا لما تحويه من بيوت وأزقة وفضاءات معمارية قريبة الشبه من مدينة الموصل القديمة التي جرت فيها أبرز الأحداث الواقعية، إلى جانب المستلزمات الأخرى التي يحتاجها صانعو المسلسل مثل الفنادق وأماكن السكن، إضافة إلى ما وفرته حكومة إقليم كردستان من دعم لوجستي كبير بالشكل الذي أزالت أي معوقات إنتاجية حتى انها جندت العديد من عناصر البيشمركه ليكونوا جزءا من المجاميع الكبيرة التي يقتضيها سيناريو الأحداث على مدى الحلقات الثلاثين. والأهم من ذلك ان مدينة أربيل يتوفر فيها الأمن والاستقرار وهذا ما يمنح العاملين الشعور بالاطمئنان.
فريق العمل وبعد مضي أربعة أشهر أوشك على الانتهاء من تصوير المشاهد الأخيرة، لانهم كانوا قد بدأو التصوير مع بداية تموز/يوليو الماضي، بالتالي سيكون المسلسل جاهزا للعرض في رمضان المقبل مثلما أكد لنا مدير الشركة المنتجة للعمل، متوقعا ان ينال نسبة كبيرة من المتابعة، نظرا لأن الموضوع الذي يطرحه ما زالت تداعياته تلعب دورها في رسم خرائط الأحداث الراهنة في العراق.