في رواية «ليلى وفرانز» للكاتب محمد علي إبراهيم هناك اتكاء على الحكاية للوصل بها إلى الأسطورة، واتكاء على الأسطورة للوصول إلى تنضيد خاص للحكاية، تنضيد نابع من اللحظة بكل اختلافها عن السابق، بحيث يتم تقديم الحكاية بنعومة لافتة، ولم تفلح كل المحاولات المعرفية الموجودة في النص الروائي في التأثير سلبا على براعة الحكي، فهي رواية الإشكاليات الكبيرة التي يسهل حلّها للوصول إلى الانتصار، ولكنها تفصح سريعا عن أن النهاية الحتمية سوف تحدث وتتمّ بهدوء.
ما تقدمه الرواية نسخة معاصرة للمآسي وويلات الحياة، والبداية الدورية نزوعا للخلود، فالأساطير والتراجيديات الكبرى في هذه الرواية تتجلى بصورة معاصرة، فالقارئ قد يأخذ الرواية على أنها حكاية عادية تتكرّر كثيرا على فترات متباعدة، ولكنها عند التأمل الدقيق تتجلى مساوية لتراجيديا الوجود الكاشفة عن صراع الإنسان ووجوده الناقص، ونزوعه نحو الخلود، من خلال التكرار الدوري وبقاء الروح التي تتناسل تدريجيا من جسد إلى جسد. تشكل الرواية هنا تعديلا مستمرا للحكايات الشبيهة فقد غيّرت من طريقة سردها للقارئ، فهي آلية تنتمي للحظة الآنية بمنجزاتها العلمية واكتشافاتها.
ففي الرواية هناك ذكر لمجموعة من المصادر المؤسسة لجوهره، ربما يكون أهمها ماثلا في كتاب «مسخ الكائنات» لأوفيد، أو كتابات عبد الرازق جبران، وكتب الساغا وثيقة الصلة بالثقافة الآيسلندية. ويحقق كتاب أوفيد حضورا لافتا في التأثير على فرانسوا، أو على ليلى، ويكشف ذلك عن كونهما – بالإضافة إلى الطرف المكمل للثالوث (تاليا) – أبطالا لمسرحية كبيرة مرتبطة بالخلود والتكرار الدوري والتناسخ، فالرواية إعادة اشتغال على فكرة امتداد الروح من وسيط إلى وسيط آخر بشكل مختلف، داخل حكاية حب عادية تنتصر على إشكالياتها المحدودة في ظل فكرة الدين والعرق.
خلود الروح وتعدد الوسيط
القارئ للرواية يدرك أن هناك أسانيد عديدة تدعم هذا التوجه في تلقي الرواية، المرتبط باعتبارها نموذجا للتناسخ أو استمرار الروح وأبديتها، وانتقالها من وسيط إلى آخر. وربما يكون السند الأول لهذا التوجه ماثلا في حضور حالة من المساواة بين البشر والآلهة في حالة فرانسو، في كونه ملحدا، وإن كان مسيحيا إنجيليا، وفي حالة التبرم التي نراها لدى ليلى، سواء كان إله أبيها أو الإله آمون، مما يولد لديها نوعا من الخطاب الكاشف عن المساواة، وربما التحدي والنزال، وتعبر الرواية عن ذلك على لسانها: (هل خلعي للحجاب، وتركي للصوم والصلاة، ثم زواجي من رجل هو الحقيقة ملحد، يحقق لي انتصارا على الإله الذي يؤمن به أبي).
ويمكن أن يؤسس القارئ فارقا بين توجهي (فرانسوا) و(ليلى) في هذه الجزئية الخاصة بخلخلة قداسة الإله، فلديه إلحاد تمّ بناؤه على إشكالية ذاتية، تكاتفت الظروف والنشأة لتجعله قائما على قناعة، تتجلى الإشكالية الذاتية في أنفه الكبير في رده على والده حين طلب منه أن يصحبه إلى الكنيسة، فقال له (حين يصلح المسيح أنفي). ويتواتر هذا التوجه لديه في أجزاء عديدة من النص الروائي، فيقول لصديقه في مصنع الألومنيوم بنجع حمادي حين طلب تغيير موعد راحته الأسبوعية: (أنا لا أذهب إلى الكنيسة، لأنني لا ديني). ويتأسس موقفه ليصبح موقفا عاما من الأديان، فحين غير شهادته واعتنق الإسلام، تسأله ليلى (بماذا شعرت بعد نطقك للشهادتين، فقال: هززت كتفي قبضت على يدها، وقبلت باطنها، وقلت لا شيء).
على الجانب الآخر تبدو إشكالية ليلى مع الآلهة إشكالية مولدة من حدث آني، يتمثل في موت شقيقها وأمها في ليلة واحدة، فيتأسس في خطابها نوع من النفور يفضي إلى تحدّ، فنراها تخاطب الإله مخاطبة الواقف على بساط متساو معه، في قولها: (ألا تعلم أن العالم به الكثير من القاذورات، فلماذا أخذت حسن وتركتهم، أنت قاس جدا أيها الإله). وقد ترتب على هذا الخطاب منعطفات أخرى تؤكد هذا النفور، وتؤسس لجرح القداسة، فنراها تقول: (إن آمون أكثر حقيقة من إله الشيخ حسن (والدها))، وتقول (متى أستطيع البوح بعجزي عن الإيمان بإلهك يا شيخ محمد، لم أستطع أن أتكيف مع فكرة وجوده).
إن هذا البناء المتوازي لتكوين البطلين يتجذّر في إطار عملية التجهيز، وإسدال التشابه داخل الاختلاف الديني، والتمهيد لأفكار التحول والتناسخ، وذلك من خلال الاستناد إلى قيمة لا ترتبط بالأعراق أو الأديان في صنع الاندماج والتعايش. فاللقطة الأخيرة في الرواية التي تكشف عن تحول فرانسوا إلى الشيخ محمد حسن من خلال تسرب (تاليا) إلى قلبه كاشفة عن قيمة الحب في هدم الحواجز بين الثقافات، بوصفه القيمة البديلة عن الأديان لإحداث هذا التعايش.
أما السند الثاني الذي يساعد في مشروعية الفكرة، فيتمثل في وجود الإسهام الثلاثي في النص الروائي بداية من الاستهلال، والوجود الثلاثي جرح للثنائية والازدواجية. فالرواية تسير وفق نسق أوفيد في كتابه، فهناك حكاية أصلية يتعاقب على سرد حبكتها الفعلية رواة ثلاثة، كما جاء في الاستهلال (فرانسوا، وليلى، وتاليا)، بالرغم من أن الكاتب أعطى منصة السرد لشخصيات كثيرة، ولكن الرواة الفاعلين في حبكة العمل، وفي خلق منحاه الفكري يتشكلون وفق هذا الوجود الثلاثي الذي نجده في كتاب أوفيد، وكل راو يحكي الحكاية الأصلية، ويبرّر نزوعه بشكل مختلف.
يمثل السند الأخير في توجيه التلقي هذه الوجهة في الجزئيات الكاشفة عن التغيير والتحول والبداية من جديد، مثل قوس قزح والبركان أو الطوفان، فقد حملت الرواية ارتباطا خاصا بينها وبين فرانسوا وليلى، فقوس قزح – بعيدا عن الدلالات الآنية التي تسهم في الانتقال والاستمرار داخل مشابه أو مغاير نوعيا – يرتبط برمزية الأمل والنجاة، والعبور من عالم إلى عالم آخر. أما البركان – حيث يأتي في حلم فرانسوا مرتبطا بالفرعونة السمراء مما يكشف عن ارتباط روحي قديم- فتكشف الرواية عن كونه مأسورا به.
وجود قوس قزح والبركان أو الطوفان يؤكد على فكرة التحول أو التناسخ أو البداية الجديدة، بعد البركان أو المطر، والتحول ليس في النوع، وإنما في آلية التفكير والمشاعر، فهما- أي البركان وقوس قزح – رمزان للتحولات النفسية المهمة. تاليا في الرواية- الخلية السرطانية- تمثل الغريب الذي يهزّ استقرار الذات، وتحيل هذا الاستقرار إلى سلسلة من المعاناة، فالغريب هنا مرض يتحوّل إلى قاتل يبرّر قتله. وقد أعطي الكاتب لتاليا الخلية السرطانية منصة السرد في أكثر من فصل، وهذا يجعل دورها محوريا في تسويغ فكرة التناسخ وخلود الروح.
والتحول أو الاستنساخ الأولي الذي تمّ انتقل من عين فرانسوا إلى صدر ليلى، يؤيد ذلك قول فرانسوا الكاشف عن قيمة استمرار الروح، ودورها في التأطير والحركة (لليلى ثديان ككل النساء، لكن ثديها الأيسر أشعر به دائما، وكأنه سيقفز من بين ملابسها، حتى يرقد بين كفّي. هل هذا بسبب أن القلب يرقد تحته تقريبا، أم هي أفكار مجنونة تحتويني؟). يكشف عن ذلك الارتباط دفنه لهذا الثدي بعد استئصاله بجوار خنصره عند البركان. وكل ذلك يكشف عن مشروعية التأويل، وقيمته.
بنية الرواية
جاءت بنية الرواية ذات خصوصية ارتباطا بمنحاها الفكري، فالاستهلال يضع المتلقي داخل إطار مبدئي في تلقي الحكاية، داخل سرد ثلاثي، فهناك عاشقان، وهناك سارد ثالث غير محدد الهيئة، ولكن يتمّ التعرف عليه من خلال فاعليته، حتى لو كان مخفيا غير ظاهر، وقد يتشكل تلقيه الأولي في حدود الحياة التي تظلّ على هيئة واحدة. فتاليا الخلية السرطانية ذات وجود ناقص، ومساوية للروح التي تحتاج للجسد، لكي يكون لها وجود ملموس.
تستند الرواية بعد فصول غير مرقّمة للأصوات الثلاثة الفاعلة لوضع القارئ داخل بؤرة السرد والمنظور السردي إلى مجموعة من الآليات السردية، أولى هذه الآليات تتمثل في التوزع بين ضميري السرد المتكلم على تعدد هيئاته وشخصياته من جانب، والغياب من جانب آخر. ويدرك القارئ أن كلّ إطار من الإطارين السرديين مؤثر في الآخر فالغياب بكونه إطارا عاما يشدنا نحو الخاص لدى المتكلم، ويغير في طبيعته وتجليه، فالغياب هنا وسيلة من وسائل المعرفة.
يتكفل ضمير المتكلم حين يستولي على منصة السرد بالرغم من اختلاف الأصوات الساردة بوضع المتلقي داخل كل شخصية والانتباه إلى هواجسها وإشكاليتها الخاصة، فيدرك القارئ التكوين النفسي لكل شخصية من خلال ضمير المتكلم، فيشعر بيقينها، وفقدان ذلك اليقين من خلال معوقات اختلاف الأعراق والديانات. فمع السرد بضمير المتكلم لدي ليلى وفرانس، والسرد القائم على الغياب يستطيع القارئ أن يكشف عن هواجس كل شخصية، وعن قوة السياق العام وحضوره مع ضمير الغياب. ويكشف- أيضا- عن كيفية انتصار الفردي والشخصي والذاتي في مقابل العام المرتبط بالأعراف والتقاليد في تلبسهما بالديني. فالمتكلم مع كل الشخصيات يعبر عن الفاعلية الذاتية، بينما يعبر الغياب عن سطوة النسق، وعن غياب إرادة أمام أخرى، وعن قيمة توجيهية للحركة السردية داخل النص الروائي، فالنسق القائم على الغياب يؤثر بالضرورة في نسق المتكلمين على اختلاف مشاربهم، والعكس أيضا له مشروعية في ذلك السياق.
هناك آلية سردية أخرى تتجاوب مع آلية التعدد في الضمير السردي السابقة، تتمثل في السرد المتوازي، وكأن المتلقي يطالع حركتين سرديتين تنموان في الصفحة الواحدة، وجاء هذا السرد المتوازي مع ضميري المتكلم والغياب. فالكاتب يقسّم الصفحة إلى إطارين سرديين، فبعد تقديمه للقاء ليلى وفرانسوا للمرة الأولى في معبد هاتور ينفتح السرد على إطارين متوازيين، كل واحد ينمو في اتجاه، حتى في شكل الكتابة على الصفحة، وعلى القارئ أن يقرأ كل إطار بشكل منفصل. وتبرير ذلك فنيا يمكن أن يتجلى في أشكال عديدة، مقاربة أثر اللقاء في كل جانب بشكل متساو ومتواز، ومقاربة التحولات الداخلية.
ويمكن أن نجد التباين بين العالمين واضحا، سواء في خطاب ليلى أو صفاء أو خطاب جابر أو خطاب الشيخ محمد حسن، فكلها خطابات مقموعة بأعراف اجتماعية وتأسيسات دينية. ففي لحظة مرض ليلى، يتجلى في النسق المصري من خلال خطاب صفاء وأفعالها اليقين بالغيبي، وقدرته على الفاعلية، والإيمان بالحسد والأعمال الخاصة بالسحر، فقد استخدمت الطقوس المعهودة لذلك، في سبيل الوصول إلى الشفاء من الجن الذي سخرته إحدى النساء بالرقى المعهودة.
وقد استندت الرواية في أجزاء كثيرة من فصولها، وبعض فصولها بشكل كامل على رسائل الواتساب، لدرجة أن القارئ يعاين حضورا لافتا لها، وهي آلية سردية فاعلة في إطارين: الأول منهما يتمثل في انتفاء وجود الراوي، مما يصل بالنص الروائي إلى حالة أقرب إلى العرض المباشر المسرحي إلى حد ما، ويصل بالقارئ إلى المعاينة دون وسيط. أما الأخرى فتتمثل في كون وجود هذه الآلية في النص الروائي له تأثير كبير على اللغة الروائية، فجعلها لغة محكية مباشرة في إصابة الهدف، وفي ارتباطها بالوظيفة النفعية، فخلصها من الفائض الجمالي، وجعلتها هذه الآلية أيضا بسيطة وأكثر ارتباطا بالأفعال ودلالتها على الحركة والتمدد والنمو السردي السريع.
لكن هذه الآلية السردية بالرغم من قيمتها، تحتاج إلى وعي لافت بتاريخ الشخصيات المقدمة في فصول سردية سابقة، حيث حملت شيئا من وجودها وكيانها السردي، فهي آلية قائمة على تأسيسات سابقة، وعلى المعرفة بالصراعات الموجودة في النص، وعلى لغة كل شخصية، لأن الرواية في الفصل المعنوّن (بواتساب) لم تشر إلى اسم أية شخصية، فقط يتولّد لدى القارئ معرفة بصاحب الهاتف الذي يتلقى هذه الرسائل، ولهذا تبقى القيمة الأساسية هنا مرهونة بوعي القارئ في الوصول إلى اسم صاحب الرسالة انطلاقا من المنحى أو الإطار الذي تتأسس فيه كل شخصية من الشخصيات.
محمد علي إبراهيم: «ليلى وفرانس»
دار العين، القاهرة 2023
247 صفحة.