لينين الرملي… وجهة نظر مبدع وقف على يسار السُلطة

■ لينين الرملي، واحد من المبدعين القلائل الذين جمعوا بين الكتابة المسرحية والسينمائية، واتسمت أعمالة باللهجة النقدية الحادة، فلم تكن الكتابة عنده مجرد رفاهية، ولا وسيلة للشهرة والأضواء، لقد عمد لينين فتحي عبد الله فكري الرملي، إلى إعمال السخرية والنقد، كأسلوب لتوصيل الفكرة الإبداعية بما تحمله من معنى ومضمون، لتكون هي الترجمة الصادقة لهموم المواطن البسيط، الذي يتفاعل مع الصورة الدرامية والحكاية ويجد فيهما ما يلبي احتياجه الطبيعي من المعرفة.
لقد لعب الرملي ككاتب على الوتر السياسي والحس الفطري المعارض، فزود المشاهد بالعديد من القصص والروايات في إطارات مختلفة، وكما تستوجب الضرورة الفنية والدرامية، وضع مُكسبات الطعم والنكهة الخاصة بكل عمل، لإعطاء المذاق المناسب بحسب ما يرى وما يتخيل.
وقد نجح في توظيف الأفكار الدالة على منهجه وأسلوبه، وحرص على أن يكون الخط التفاعلي بينه وبين المتلقي ساخناً باستمرار فلم يتنازل عن وجهة نظرة في أكثر القضايا حرجاً، ومضى يُعلن على الملأ وقوفه على يسار السُلطة طوال مسيرته ومشواره. وبالفعل جاءت الغالبية العظمى من أعمالة مؤكدة لانحيازه الشعبي بلا مواربة، خاصة في المسرح، الذي مثّل واحة التميز الكبرى في كتاباته، ولعل السياق يحتم الإشارة لعناوين المسرحيات كأدلة دامغة، تُثبت الحق المُكتسب للمبدع الكبير، كمعارض من الطراز الأول، ولتكن البداية من العنوان الجريء لمسرحية «انتهى الدرس يا غبي» التي كتبها في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وعهد بطولتها لمحمد صبحي، لتكون انطلاقته الحقيقية نحو نجومية مستوفية الشروط على خشبة المسرح المصري، وبالقطع لم تأت دلالة العنوان خارج المضمون، وإنما ارتبطت بالحالة النقدية بكل إسقاطاتها ورموزها.
وتكررت التجارب المسرحية مع صبحي، فكونت تناغماً فنياً وسياسياً عبرت عنه العناوين الأخرى كـ»الهمجي» و«تخاريف» و«وجهة نظر» و«بالعربي الفصيح»، والتزم لينين الرملي التزاماً حرفياً بمنهجه النقدي المعارض للسلبيات والظواهر، ولم يكتف بمجرد المرور العابر على القضايا الشائكة، ولكنه أوغل في عمق المسكوت عنه، فارتقى لمستوى آخر أكثر وضوحاً في المضامين والأبعاد، فكتب «الكابوس» و«سعدون المجنون» و«إعقل يا دكتور» و«الحادثة» و«أنا وشيطاني» و«سُك على بناتك»، ليزيد من تركيز الجمهور في ما هو شائن وشائك، وفي حاجة إلى علاج قوي للأمراض المستعصية.

تأتي مرحلة الكتابة للسينما، كإضافة موضوعية تختلف في الشكل والتكنيك، ولكنها لم تغاير كثيراً، المضمون والجوهر، لاسيما أن لينين الرملي اعتمد أيضاً على المفارقة، وحرص على الخط السياسي التفاعلي نفسه

وقد استهدف المسرح عند الرملي توسيع مدارك التفكير وتنشيط الوعي العام لدى المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، والاشتباك مع الواقع بإيجابية ليكونوا فاعلين وغير مهمشين، فهو يؤمن بالدور الجماهيري إيماناً مُطلق ويرى أن التقدم الحقيقي مرهون بالإرادة الجماعية، والمبادرة الفردية المُستندة إلى مُعطيات التنوير، حيث التنوير هو مقياس التحضر والرقي في مسيرات الشعوب، وربما لدواعي الإيمان بالجماهير، كمحرك أساسي للأحداث، جاء الاهتمام بالمسرح، باعتباره أبو الفنون ومنصة رئيسية تصلح للخطاب المباشر، ورصد الفعل ورد الفعل، ومن ثم تشكل من خلاله الرصيد الأوفر للكاتب الكبير، الذي رحل عن عمر ناهز الرابعة والسبعين.
وتأتي مرحلة الكتابة للسينما، كإضافة موضوعية تختلف في الشكل والتكنيك، ولكنها لم تغاير كثيراً، المضمون والجوهر، لاسيما أن لينين الرملي اعتمد أيضاً على المفارقة، وحرص على الخط السياسي التفاعلي نفسه، بآليات الصورة والسيناريو والحوار، بوصفها أدوات التواصل وعلامات الترقيم في فن الكتابة السينمائية، فقد كتب من منظور الرافض للظاهرة الإرهابية، فيلم «الإرهابي» مركزاً على شخصية البطل علي، التي قدمها عادل إمام تماشياً مع الموجة السائدة آن ذاك، ولم تكن الحبكة الدرامية على المستوى المطلوب وإنما اكتسبت أهميتها وتأثيرها من شهرة الكاتب والبطل النجم، ولم تتكرر المحاولة في هذا الجانب، ولكن جاء التعاون السينمائي مع عادل إمام في اتجاه كوميدي آخر، مُمثلاً في فيلم «بخيت وعديلة» بجزئية الأول والثاني وأغلب الظن أنها كانت محاولة للتعويض وتحسين الصورة.
أما العمل مع محمد صبحي سينمائياً فلم يحالفه فيه الحظ، حيث لم يُشكل اهتماما يُذكر على أي مستوى، جماهيرياً أو نقدياً وتعد تجربتهما في فيلم «العميل رقم 13» تجربة مضافة بالسلب لرصيدهما المسرحي الأهم، ولو فُرض أن هناك تميزاً يرتبط بالسينما في أرشيف الرملي فليكن ذلك خاصاً فقط بفيلم «البداية» للمخرج صلاح أبو سيف مع جميل راتب وأحمد زكي، لاعتبارات تتعلق بطبيعة الموضوع والمعالجة والشكل الجديد في لغة الفيلم.
تبقى الإسهامات الدرامية القليلة على شاشة التلفزيون، التي تراوحت بين ثلاثة أو أربعة أعمال، لم يبُرز منها سوى مسلسل «هند والدكتور نعمان» للراحل كمال الشناوي، أما ما عداه كحكاية «ميزو» و«مبروك جالك ولد» فهي تحصيل حاصل جاءت في حينها لزوم التواجد ليس إلا، ولا يصح أن تُضمن كعناوين مهمة في أرشيف كاتب ومبدع وصاحب وجهة النظر.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية