غزة ـ «القدس العربي»: تشير مجمل التطورات التي حدثت الأسبوع الماضي، رغم نجاح الجهود التي بذلها الوسطاء لمنع انهيار التهدئة في الربع الأخير، أن الأمور في قطاع غزة، والخاصة بملف صفقة تبادل الأسرى، والانتقال إلى مفاوضات المرحلة الثانية، لن تكون باليسيرة، وأن طريق هذه المفاوضات ستكون مليئة بالألغام، بسبب مصاعب تنفيذ المرحلة الأولى، خاصة وأن هذه المرحلة تشمل وضع نهاية للعدوان الإسرائيلي ضد قطاع غزة.
ويمكن الاستدلال على ذلك، من حجم الخلافات الذي طرأ، فبالرغم من تدخل الوسطاء لمنع انهيار الاتفاق على خلفية تعطيل «الشق الإنساني»، وأخذ وعود من دولة الاحتلال بالتنفيذ، إلا أن حكومة تل أبيب لا تزال تتهرب من تنفيذ كامل ما ورد من التزامات قطعتها ووردت بشكل واضح في الاتفاق الذي بدأ تنفيذه يوم 19 كانون الثاني/يناير الماضي.
وخلال الأسبوع الماضي، استبق الجناح العسكري لحركة حماس كتائب القسام، موعد تنفيذ العملية السادسة من تبادل الأسرى، وأعلن من طرفه بعد التشاور مع فصائل المقاومة، تجميد عملية التبادل، لعدم قيام إسرائيل بتنفيذ ما عليها من التزامات وردت في بنود المرحلة الأولى، وقال الناطق باسم القسام أبو عبيدة قبل خمسة أيام من موعد تنفيذ عملية التبادل الجديدة، إن قيادة المقاومة «راقبت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية انتهاكات العدو وعدم التزامه ببنود الاتفاق، من تأخير عودة النازحين إلى شمال قطاع غزة، واستهدافهم بالقصف وإطلاق النار في مختلف مناطق القطاع، وعدم إدخال المواد الإغاثية بكافة أشكالها حسب ما اتفق عليه، في حين نفذت المقاومة كل ما عليها من التزامات».
وأعلن أنه بناء على ذلك تقرر تأجيل تسليم الأسرى الإسرائيليين الذين كان من المقرر الإفراج عنهم حتى إشعار آخر، وذلك لحين التزام الاحتلال وتعويض استحقاق الأسابيع الماضية وبأثر رجعي، وليؤكد أن التزام المقاومة ببنود الاتفاق، مرهون بالتزام الاحتلال.
وتلا ذلك أن فسرت حركة حماس بعد أن أعلنت أنها التزمت بدقة وبالمواعيد المحددة بما نصت عليه بنود الاتفاق، الخروقات التي قام الاحتلال بها، والتي شملت على تأخير عودة النازحين إلى شمال قطاع غزة، واستهداف المواطنين بالقصف وإطلاق النار عليهم، وقتل العديد منهم في مختلف مناطق القطاع، وإعاقة دخول متطلبات الإيواء من خيام وبيوت جاهزة، والوقود، وآليات رفع الأنقاض لانتشال الجثث، وكذلك تأخير دخول ما تحتاجه المستشفيات من أدوية ومتطلبات لترميم المستشفيات والقطاع الصحي، وقالت إنها أحصت تجاوزات الاحتلال، وزودت الوسطاء بها أولا بأول، لكن الاحتلال واصل تجاوزاته، وطالبت دولة الاحتلال بالالتزام الدقيق بالاتفاق، وعدم إخضاعه للانتقائية، بتقديم الأقل أهمية وتأخير وإعاقة الأكثر إلحاحا وأهمية، واعتبرت أن تأجيل إطلاق الأسرى تعد «رسالة تحذيرية للاحتلال، وللضغط باتجاه الالتزام الدقيق ببنود الاتفاق»، وقد أشارت إلى المهلة التي أعطتها للوسطاء للتدخل من أجل منع الأمور إلى الذهاب من جديد إلى مربع التصعيد.
وجاء ذلك بعد مضي 22 يوما على اتفاق وقف إطلاق النار، حيث لم يشعر سكان غزة بأي تغيير طرأ على حياتهم، سوى توقف القصف الحربي العنيف، مع بقاء مأساة النزوح والتشرد وقلة المال والطعام، وفقدان المأوى وكسوة الشتاء والملابس، في ظل جو بارد وأمطار أغرقت مناطق نزوحهم، وزادت من مأساة الحياة التي عاشوها خلال فترة الحرب.
وطوال الفترة التي تلت وقف إطلاق النار، واصلت سلطات الاحتلال التي انسحبت من «محور نتساريم»، تقييد حركة عودة السكان من جنوب القطاع إلى شماله، بوجوب إخضاعهم للتفتيش، كما أبقت على تقييد حركة دخول المساعدات خاصة خيام النزوح وغرف السكن المؤقتة، إلى جانب منع دخول الآليات الثقيلة للمساعدة في إزالة الركام، كما واصلت منع دخول الأدوية والأجهزة الطبية التي تحتاجها المشافي، ومنعت دخول الوقود المخصص لمركبات المواطنين وسيارات الإسعاف والبلديات، كما رفعت من حدة استهدافها للمواطنين الذين حاولوا الوصول إلى مناطق سكنهم قرب التواجد العسكري على حدود غزة الشرقية، وقرب «محور فيلادلفيا» الفاصل بين جنوب القطاع ومصر، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا، ولتعلن وزارة الصحة أن أكثر من 110 مواطن سقطوا منذ قرار وقف إطلاق النار، فيما لا تزال طواقم الإنقاذ تعمل بأقل الإمكانيات، وهي تستخرج جثامين الشهداء المقدر عددهم بالآلاف من تحت الركام، ولتعلن أيضا عن وفاة العديد من المرضى والمصابين، لعدم توفر علاج لهم في قطاع غزة، في ظل آلية سفر محدودة تسمح بموجبها سلطات الاحتلال لعدد قليل من المرضى والمصابين بالسفر يوميا من خلال معبر رفح.
نجاح الجهود ولكن
عادت الحركة بعد جهود بذلها الوسطاء، في محاولة منهم لنزع فتيل الانفجار، وأكدت عودتها لتنفيذ باقي بنود الاتفاق، بعد أن أعلنت حصولها على تعهدات تؤكد ذهاب إسرائيل إلى تنفيذ باقي البنود التي حنثت بها خلال الفترة الماضية، ومنها ادخال المنازل المتنقلة «الكرفانات» إلى قطاع غزة، وخيام النازحين ومعدات ثقيلة لإزالة الركام من الطرقات وانتشال جثامين الشهداء، وأعلنت الجمعة عن الأسرى الذين قررت إطلاق سراحهم السبت وبينهم أسير يحمل الجنسية الأمريكية.
وجاء تدخل الوسطاء، بعد أن كادت الأمور تعود إلى المربع الأول، خاصة وأن دولة الاحتلال التي تؤكد المعلومات انزعاج الوسطاء من سلوكها، لم تقم بأي تحرك تجاه إنهاء هذا الملف الإنساني، الذي له علاقة بحياة سكان غزة المريرة الذين عايشوا فصولا من العذاب على مدار أكثر من 15 شهرا من الحرب، لم ينعموا خلالها بطعم الراحة أو الأمان، وبدلا من ذلك، أطلق كبار قادتها تهديدات، عملوا خلالها على تحميل حركة حماس المسؤولية، وعادوا من مبدأ قوة السلاح وتاريخ المجازر الطويل الذي لا تزال آثارها قائمة في كل أركان وأحياء وشوارع وأزقة قطاع غزة، لاستخدام لغة التهديد والوعيد، والانذار بأن عدم تنفيذ عملية تسليم وتبادل الأسرى الجديدة في موعدها المقرر يوم السبت 15 شباط/فبراير، سيكون نهاية لحالة التهدئة، ولعودة الحرب من جديد، مستعينة بالدعم الكبير من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أيد ذلك، وتوعد قبل قادة إسرائيل حركة حماس، في مشهد بدا وكأنه أصبح يعمل موظفا كبيرا بدرجة ناطق باسم حكومة إسرائيل.
تهديدات إسرائيلية
وهدد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، بعودة الحرب، وقال «سيعود الجيش إلى القتال المكثف حتى إلحاق الهزيمة بحماس في النهاية»، وأضاف «لقد باركنا موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورؤيته الثورية بشأن قطاع غزة»، فيما أعلن وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بعد أن زعم إن إعلان حركة حماس يمثل انتهاكا لاتفاق وقف إطلاق النار، أنه أعطى أمرا للجيش بأن يكون في أعلى مستوى من الاستعداد في غزة، وليترافق ذلك مع إعلان قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال، وهي المسؤولة عن العمليات العسكرية ضد قطاع غزة، عن رفع حال الطوارئ، تحسبا للقادم وانهيار اتفاق وقف إطلاق النار، وعن نقلها المزيد من القوات إلى مناطق غلاف غزة، وأن الجيش يحضر خطة عمل لقتال شديد في قطاع غزة على خلفية الأزمة مع حماس، وتشمل شن غارات واجتياحا بريا كبيرا.
وكانت بذلك دولة الاحتلال بكل أركانها، تعطي إشارات سلبية على أنها ماضية في لغة التهديد، واللجوء إلى استخدام القوة، من أجل فرض شروطها الخاصة بالصفقة، ما يجعل من مهمة الاتفاق على بنود المرحلة الثانية التي تتحدث عن إنهاء كامل للحرب أمرا صعبا، ويضع مهمة الوسطاء الذين تحركوا سريعا لتجاوز الخلافات التي حصلت صعبة خلال الفترة القادمة، خاصة وأنه لم يتبق الكثير من مدة المرحلة الأولى للاتفاق، والتي تستمر لمدة 42 يوما. لكن على الرغم من نجاح الجهود المصرية والقطرية في نزع صاعق التفجير، وعودة الحديث عن إمكانية انطلاق مفاوضات المرحلة الثانية، إلا أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، أعلن أن تل أبيب لا تدير مفاوضات مع حماس على استمرار الصفقة للمرحلة الثانية، خاصة وأن إسرائيل التي لم تبد اهتماما بالصفقة، أخرت انطلاق المفاوضات الخاصة بها عن موعدها المحدد، الذي ورد في بنود المرحلة الأولى.
وبدلا من ذلك دفعت مطلع الأسبوع الماضي، بفريق تفاوض «فني» لا يضم مسؤولين أمنيين كبارا، قادرين على اتخاذ قرارات هامة، إلى العاصمة القطرية الدوحة، من دون أن يحصل هذ الوفد على أي تفويض أو صلاحيات واسعة من نتنياهو، ليعود بعد يوم واحد إلى تل أبيب، بدون أن يعلن عما آلت إليه الأمور هناك.
وحتى بعد شروع حركة حماس يوم الأربعاء الماضي في العاصمة المصرية القاهرة بجولة تفاوض أخرى، بعد أن أرسلت حركة حماس وفدها المفاوض برئاسة خليل الحية إلى هناك، لعقد لقاءات مع المسؤولين المصريين، ومتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى عبر اللجان الفنية والوسطاء، لم تعلن إسرائيل مشاركتها في الاتصالات خاصة بالشق الثاني من صفقة التهدئة.
مخاوف من القادم
وكشف عن هذا الموقف المغاير في إسرائيل، حول المرحلة الثانية، ما ناقشته حكومة اليمين من خطط لها علاقة بتطبيق مخطط الرئيس الأمريكي الخاصة بتهجير سكان القطاع، ما يعني أنها غير معنية بالتهدئة الكاملة، حيث لا تزال ترفض أي وجود لحركة حماس في المرحلة القادمة، وفي ذات الوقت ترفض عودة السلطة الفلسطينية لحكم القطاع، رغم إعلان السلطة استعدادها لهذا الأمر.
وذكرت «القناة 13» الإسرائيلية، أن نتنياهو رفض مناقشة المرحلة الثانية من صفقة التهدئة في اجتماع حكومته المصغر منتصف الأسبوع الماضي، واعتبرها قضية افتراضية حاليا.
ووفق ما كشفت صحيفة «يديعوت أحرنوت»، فإن إسرائيل تسعى لتمديد المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مستغلة دخول شهر رمضان بعد أيام قليلة فقط على انتهاء هذه المرحلة، والسبب أن الاتفاق على المرحلة الثانية يبدو بعيد المنال، وستفشل المفاوضات برُمتها، أو التوصل إلى صيغة تسمح بفترة انتقالية بين المرحلتين.
كما جرى الكشف عن أن الوفد الإسرائيلي الذي عاد إلى إسرائيل من الدوحة يوم الاثنين الماضي، لم يناقش المرحلة الثانية، وتعامل فقط مع المرحلة الأولى، بهدف ضمان عدم حدوث خروق أخرى، وسط شكوك في إسرائيل حول موافقة حماس على ذلك، خاصة وأن الخطة الإسرائيلية تشمل نفي قيادة حماس المتواجدين في غزة إلى الخارج، ونزع سلاح جناحها العسكري كتائب القسام، وإطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين.
أما صحيفة «معاريف» فذكرت أنه مع اقتراب اليوم الثاني والأربعين من الاتفاق، وهو الموعد الذي من المفترض أن تبدأ فيه إسرائيل إخلاء «محور فيلادلفيا»، تزداد سخونة المعركة حول المرحلة الثانية حيث بدأت أفكار جديدة بالظهور في إسرائيل، بافتراض أن نتنياهو لن يستسلم، ولن يوافق على إعلان وقف الحرب، أو وقف إطلاق النار الدائم الذي تنص عليه المرحلة الثانية، ما يدفع بحل المرحلة الوسط، مع قرب حلول شهر رمضان الذي يحتاج إلى تهدئة، حيث يدعم مسؤولون في جهاز الأمن هذه الفكرة.
واستنادا للمواقف الأمريكية، دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي المستقيل المتطرف إيتمار بن غفير، إلى عودة الحرب ضد غزة، فيما طالب الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش الذي يرفض الاستمرار في مفاوضات التهدئة، أيضا بإعادة العدوان على غزة، وقطع امدادات الكهرباء والماء والوقود والمساعدات الإنسانية، وقال «لا يوجد سوى النار والكبريت من طائراتنا ومدافعنا ودباباتنا وجنودنا»، وطالب باحتلال قطاع غزة بالكامل، وإخراج كل السكان من القطاع، تنفيذا لخطة الرئيس ترامب، والاستيلاء على الأراضي وفرض السيادة عليها، وقال «هذا هو الثمن المؤلم الذي يفهمه عدونا».
جاء ذلك بعدما كشف النقاب أيضا أن الوسطاء القطريين عبروا عن غضبهم من الأسلوب الإسرائيلي بشأن عملية التفاوض، وأنهم ذكروا مرة تلو أخرى بأن الأداء الإسرائيلي وتصريحات نتنياهو قد تفشل الاتفاق برمته، وأن الاتفاق بين إسرائيل وحماس هو معهم أيضاً، وأنهم يكفلونه، وأن أداء إسرائيل يشكل خطراً على استمرار عملية تبادل الأسرى في المرحلة الأولى..
ولذلك سيبقى الترقب الحذر هو سيد الموقف خلال المفاوضات القادمة الخاصة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من التهدئة، وتنفيذ باقي بنود المرحلة الأولى، وذلك بالاستناد إلى تجارب المفاوضات السابقة مع إسرائيل.