مأزق الاقتصاد البريطاني في ظل بريكست وجائحة كورونا

صادق الطائي
حجم الخط
0

الركود الاقتصادي قد يكون الأسوأ منذ ثلاثة قرون

 

بدأت معظم حكومات دول العالم تحليل ودراسة الظروف الاقتصادية والأزمات الناتجة عن الكساد الذي تسببت به جائحة كوفيد-19 وبدأت بعض الحكومات بوضع حلول لاستيعاب آثار الأزمة الاقتصادية التي يتوقع المراقبون أن تكون أعنف من الكساد الكبير الذي حدث نهاية عشرينات القرن المنصرم. إلا إن حالة بريطانيا لها خصوصيتها في هذا الشأن، إذ تجمعت على المملكة المتحدة ظروف استثنائية مضاعفة، إذ كانت تحاول تدارك الأزمة الاقتصادية الناتجة عن خروجها من الاتحاد الأوروبي من جانب، فجاءت تداعيات أزمة الجائحة من جانب آخر لتصبح الظروف الاستثنائية مضاعفة التأثير على الاقتصاد البريطاني المتأزم.

وكان من المفترض أن تكون سنة 2020 بمثابة المرحلة الانتقالية بين توقيع اتفاق خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي وبين تنفيذ هذا الاتفاق على أرض الواقع الذي حدد له موعد للتنفيذ في نهاية كانون الأول/ ديسمبر من هذا العام، وكان تركيز حكومة بوريس جونسون منصبا على الخروج السلس من الاتحاد مع الاحتفاظ بعلاقات اقتصادية مميزة مع دوله، وكان المفاوض البريطاني يدفع باتجاه حصول بريطانيا على وضع مشابه للوضع السويسري أو النرويجي الذي يمتاز بعلاقات مميزة اقتصاديا مع دول الاتحاد الأوروبي، إلا إن صقور بروكسل كانوا يضمرون الكثير من القسوة، ويظهرون تشددا في مفاوضاتهم، لإلحاق الضرر ببريطانيا لتكون عبرة لمن يفكر من الأوروبيين بمغادرة الاتحاد بعد ذلك.

وقد بدأت أخيرا جولة جديدة مكثفة من المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ستستمر خمسة أسابيع، يتم فيها التفاوض حول العلاقة بينهما في مرحلة ما بعد بريكست، على أمل تحقيق تقدم وتفادي عدم التوصل إلى اتفاق مع نهاية المرحلة الانتقالية أواخر هذا العام. فقد اجتمع يوم 31 آيار/مايو في بروكسل ميشال بارنييه كبير المفاوضين الأوروبيين ونظيره البريطاني ديفيد فروست في أول اجتماع فعلي لهما منذ آذار/مارس، وقد أعقبه طوال الأسبوع اللاحق جلسات قصيرة، جمعت فرقا مصغرة، تناولت المواضيع الأكثر إشكالية، ثم تقرر أن يجتمع المفاوضون كل أسبوع، بالتناوب بين لندن وبروكسل، حتى نهاية شهر تموز/يوليو الجاري لدراسة كل النقاط العالقة في الاتفاق بين الطرفين.

وبما إن قطاع الخدمات بات يمثل أحد أعمدة الاقتصاد البريطاني، لذا يرى المراقبون الاقتصاديون إن بريكست سيصيب هذا القطاع بخسائر كبيرة ستنعكس على شكل هزات وأزمات ستصيب الاقتصاد البريطاني، إذ يشير المحللون الاقتصاديون إلى إن خروج بريطانيا من الاتحاد سيؤثر على قطاع الخدمات المصرفية بشكل كبير، أو على الأقل تلك التي يستفيد وجودها من علاقة بريطانيا مع أوروبا، وعليه ستفقد مدينة لندن قيمتها كأهم مراكز المال الأوروبية التي تسمح للبنوك ببيع الخدمات في السوق الموحدة بدون الحاجة إلى المزيد من التراخيص. فالمراكز المالية العالمية تنمو من خلال خدمة الأسواق الإقليمية أساساً، مثلما تفعل نيويورك بالنسبة للولايات المتحدة أو هونغ كونغ للصين، لذلك ستعاني لندن لأنها تنأى بنفسها عن قاعدتها الأوروبية، إذ من المقرر أن تُحول البنوك والسمسرة بعد بريكست إلى فرانكفورت أو دبلن.

لكن ثمة من ينظر في ظروف جائحة كوفيد-19 إلى النصف الممتلئ من القدح، إذ يرى بعض المحللين إن مصلحة بريطانيا تستوجب إسراعها في تنفيذ الخروج هذا العام، وبذلك ستتخلص من أعباء دعم وإسناد اقتصادات بعض الدول الأوروبية الأكثر تضررا من الجائحة مثل إيطاليا وإسبانيا، وهذا الأمر يعني من جانب آخر إن مسؤولية دعم اقتصادات دول أوروبا المتضررة من الوباء بعد خروج بريطانيا ستقع على عاتق الدول الأقوى المتبقية في الاتحاد وهي فرنسا وألمانيا.

كما يرى المحللون المناصرون للخروج من الاتحاد الأوروبي إن بريطانيا بعد بريكست تمتلك مساحة اقتصادية وسياسية تتيح لها القدرة على اكتشاف سبل جديدة للازدهار، على منوال ما حققته اقتصادات بعض الدول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، فبريطانيا تمتلك مقومات الريادة في أنواع الصناعات التي ستدعم النمو العالمي في المستقبل، من الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي ومؤسسات التعليم والبحث العلمي المتقدمة.

إجراءات سريعة

 تقلص الاقتصاد البريطاني بأكبر قدر منذ 40 عاما، إذ خفضت الأسر إنفاقها، وفقاً لبيانات رسمية، وقال مكتب الإحصاءات الوطنية إن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 2.2 في المئة مقارنةً مع ربع السنة السابق بين كانون الثاني/يناير واذار/مارس من هذا العام.

وبدأت حكومة بوريس جونسون تسابق الزمن وهي تتخذ الإجراءات السريعة لاحتواء التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19 فبعد حالة الرعب التي أصابت قطاعات اقتصادية واسعة داخل المملكة، بدأت الحكومة بأتخاذ التدابير السريعة لمواجهة الأزمة الاقتصادية، إذ أعلن وزير الخزانة البريطاني ريشي سوناك مطلع شهر تموز/يوليو الجاري عن “أكبر خطة لمكافحة البطالة لدى الشباب منذ عقود”.

وأوضح أن “الشباب هم الأكثر تضرراً من التداعيات الاقتصادية لمعظم الأزمات، لكنهم ضعفاء بشكل خاص هذه المرة لأنهم يعملون بنسب كبيرة في القطاعات الأكثر تضرراً من الوباء، مثل المطاعم أو التوزيع”. وقد أشار الوزير البريطاني إلى اعتماد تدابير جديدة لإنعاش الاقتصاد عبر تخصيص حزمة دعم مالية مقدارها 30 مليار جنيه إسترليني، والتي ستشمل دعم تخفيض الضريبة على القيمة المضافة لبعض القطاعات وإعانات لتجديد المباني ومساعدات لتوظيف الشباب. كما قال سوناك في البرلمان “سندخل في المرحلة الثانية من استجابتنا الاقتصادية لمواجهة تداعيات فيروس كورونا” وأضاف “أن حزمة الدعم ستكون مركزة على العودة إلى العمل ومكافحة بطالة الشباب”.

بينما أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من جانبه أنه يريد أن يستوحي سياسة الرئيس الأمريكي الاسبق فرانكلين روزفلت عندما واجه أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين عبر تطبيق ما عرف بـ “الاتفاق الجديد”.  وقد أشار جونسون إلى الاقتصاد البريطاني الذي تضرر كثيرا بفيروس كورونا المستجد، إذ قال في حديثه لإذاعة “تايمز راديو”: “أعتقد أن الأوان قد حان لتطبيق مقاربة روزفلت في بريطانيا” في إشارة إلى سياسة النهوض من خلال الطلب، وتدخل الدولة بعد الكساد الكبير في الثلاثينيات. وقد أعلن جونسون عن برنامج كبير للاستثمارات في البنى التحتية للبلاد. وأضاف “ما سنفعله خلال الأشهر المقبلة هو مضاعفة برنامجنا الأصلي، الذي كان يركز على الاستثمارات لمصلحة البنى التحتية والتعليم والتكنولوجيا لتوحيد البلاد”.

وصرح القائمون على بنك إنكلترا المركزي هذا الشهر إن الاقتصاد البريطاني ربما تقلص بنسبة 20 في المئة في النصف الأول من 2020 بعد أن أثر الإغلاق على معظم القطاعات في الفترة من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو، وأضاف البنك المركزي أن الركود الاقتصادي هذا العام قد يكون الأسوأ منذ ثلاثة قرون. ومن جانب آخر، توقع الباحثون في مركز الاقتصاد وبحوث الأعمال في المملكة المتحدة “CABR” في دراسة نشرت مؤخرا، حدوث تراجع كبير في إجمالي الناتج المحلي قد يصل إلى نسبة 11 في المئة، وتتوقع الدراسة أن الاقتصاد البريطاني لن يعود إلى مستوياته قبل الوباء حتى عام 2024 هذا في حال عدم حدوث موجة إصابات جديد بكوفيد- 19 التي قد تُرغم السلطات على فرض عزل جديد. وحثّ معهد أبحاث (Resolution Foundation) وزير الخزانة البريطاني ريشي سوناك على ضخّ أكثر من مئتي مليار جنيه في الاقتصاد المحلي لضمان إنعاش بريطانيا بعد أزمة كورونا، في ظل الركود الاقتصادي الضخم والتاريخي.

وكان صقور بريكست في بريطانيا يراهنون على الشراكة الأطلسية مع الولايات المتحدة في تقليل آثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بناء على وعود الرئيس ترامب التي قطعها لنظيره البريطاني بوريس جونسون، لكن أحداث أشهر الحجر الصحي التي أصابت اقتصادات الكثير من دول العالم بالكساد ألقت الضوء على طبيعة العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وبريطانيا، لاسيما أن “الأنانية” التي ظهرت في الأداء الأمريكي لم تُطمئن لندن بإمكانية الابتعاد عن الاتحاد الأوروبي والاقتراب من الولايات المتحدة بوصفها حليفاً عضوياً متيناً يمكن الاعتماد عليه بشكل أكيد.

ومن قراءة جولات المفاوضات التي تمت بين بروكسل ولندن حول الاتفاقات الاقتصادية بين الطرفين في ظل أجواء ما بعد الجائحة يمكننا القول إن تجربة التعامل مع تحدي فيروس كوفيد-19 قد أربكت أجندة المفاوضات البريطانية الأوروبية، وقد تُمعِن في رفع مستويات التوتر في علاقات الطرفين وسط ميل لندن والأوروبيين إلى التمسك بالثوابت في مبادئ العناوين الأساسية لهذه العلاقة، لكن ربما سيكشف المستقبل القريب عن بعض المفاجآت نتيجة ما ستفرزه الأوضاع بعد الجائحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية