دمشق ـ «القدس العربي»: احتضنت باريس، أمس الخميس، مؤتمرا دوليا، بشأن الانتقال السياسي والتحديات الأمنية والاقتصادية الهائلة التي تواجه سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وذلك بمشاركة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي دعا السلطات الجديدة الانتقالية إلى المشاركة في التصدي لتنظيم «الدولة الإسلامية».
وقال خلال المؤتمر إن «مكافحة التنظيم هي أولوية مطلقة. من هنا، فإن إقامة شراكة وثيقة مع التحالف (الدولي لمكافحة الجهاديين) هي فكرة جيدة جدا».
وزاد: فرنسا مستعدة لبذل المزيد من الجهود لمساعدة سوريا في محاربة الجماعات الإرهابية والحيلولة دون تحول سوريا مجددا إلى منصة لجماعات تابعة لإيران ولزعزعة استقرار المنطقة.
واعتبر أنه «يجب دمج قوات سوريا الديمقراطية في القوات الوطنية السورية» مضيفا: «ندين بفضل لقوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد ولا ينبغي أن نتخلى عنها».
المؤتمر الذي حضره ممثلون عن دول جوار سوريا وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى تركيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، مثل الجانب السوري فيه وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني.
وقال وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو في بداية المؤتمر «نريد أن يتوقف استغلال سوريا في زعزعة استقرار المنطقة. بل على العكس من ذلك، نريد أن يتمكن السوريون من التركيز اليوم على نجاح عملية الانتقال وتعافي بلادهم».
وأضاف «يتعين علينا أن نحافظ على الأمل الذي لا يزال هشا الذي ولد في دمشق في الثامن من ديسمبر كانون الأول (عندما أطاحت المعارضة بالأسد) من خلال السماح لهم (السوريين) بالعمل بطريقة سلمية».
وأكد أن العقوبات الاقتصادية التي فرضت مع الشركاء الأوروبيين لعزل نظام الأسد كانت فعالة في إسقاطه، ولكنهم يعملون الآن على رفعها عن سوريا.
وأعرب عن استعداد باريس لتقديم الدعم الذي تحتاجه الإدارة الجديدة لتسهيل عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم ومكافحة الإفلات من العقاب.
وقال بارو إنه ينبغي مشاركة جميع الأطراف السورية في الحوار الوطني دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس.
وذكر أن الانتقال السياسي في البلاد يجب أن يوفر بيئة آمنة لجميع السوريين، وأنه يجب إسكات البنادق في جميع أنحاء البلاد.
قطر شددت على إزالة العقبات التي تحدّ من قدرة المانحين الدوليين على تقديم الدعم
في حين أكد وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي، «أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها».
وأدان في كلمة أمام المؤتمر «كافة الانتهاكات التي تتعرض لها سوريا، خاصة في ظل الوضع الراهن».
وفي هذا الصدد، جدد التأكيد على «كافة القرارات الدولية ذات الصلة والتي تدين الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية، وضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته والحد من التصعيد غير المبرر وغير القانوني الذي يقوض جهود دعم وحدة سوريا واستقلالها».
الخليفي أكد «وقوف قطر الثابت إلى جانب الشعب السوري وخياراته».
ولفت إلى أن «السبيل الوحيد للتقدم (في سوريا) يكمن في عملية سياسية شاملة تحافظ على وحدة النسيج المجتمعي وتبني مؤسساته الوطنية بالكفاءة والمصالح الوطنية، وتتوحد قواته تحت قيادة مدنية هدفها المحافظة على وحدة التراب السوري وصون أراضيه».
واعتبر أن «آفاق المستقبل تعتمد على هذه المرحلة المفصلية لتحقيق آمال الشعب السوري نحو التقدم والازدهار». وأكد أن ذلك «يتطلب منا جميعا كشركاء دوليين أن نعمل سويا بروح المسؤولية لمساعدة الشعب السوري في تحقيق أهدافه المشروعة».
وجدد التأكيد على «أهمية تضافر الجهود الدولية لدعم الشعب السوري من خلال المساعدات الإنسانية والمبادرات التي تهدف إلى إصلاح ما أنهكته الأزمة طيلة السنوات الماضية، وإزالة كافة العقبات التي تحد من قدرة المانحين الدوليين في تقديم أشكال الدعم المأمول».
وأشار إلى أن «التجارب أثبتت أن استقرار ووحدة سوريا عامل مهم ليس فقط في استقرار المنطقة العربية بل أبعد من ذلك».
ورحب الخليفي بـ»الخطوات التي تهدف إلى إعادة هيكلة الدولة السورية وتعزيز التوافق والوحدة بين كافة الأطراف السورية، والإعلان عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني».
وأضاف: «نتطلع إلى الخطوات المقبلة في هذا الخصوص من العمل على مسار وطني جامع يحدد أولويات المرحلة ويمهد لانتقال سلمي للسلطة من خلال عملية سياسية متفق عليها من قبل السوريين».
وأكد على «أهمية العمل على تطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت بحق الشعب السوري».
المحامي والمستشار في حزب ماكرون، زيد العظم تحدث من باريس لـ «القدس العربي» حول أهمية المؤتمر، حيث وصفه بـ «الهام جدا» على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
حشد دعم دولي وعربي
وقال: تسعى باريس، من خلال هذا المؤتمر، إلى حشد دعم دولي وعربي لمساعدة السوريين وإعادة بناء سوريا وإعمارها، التي تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات لاستعادة تعافيها والوصول إلى دورة اقتصادية سليمة.
أما سياسيًا، فلا تزال فرنسا، بصفتها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، متمسكة بالجانب التقني من القرار الدولي 2254 بشأن سوريا. فقد أكد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، خلال لقائه اليوم مع الوزير أسعد الشيباني، على ضرورة تنفيذ الحوكمة والانتقال السياسي الشامل في البلاد.
وقال الحقوقي والمتابع للشأن السوري: ترى باريس أن الجانب السياسي من القرار 2254 قد سقط بعد هروب بشار الأسد وحل الائتلاف وهيئة التفاوض، إلا أنها تؤكد أن الجانب التقني المتعلق بـالحوكمة لا يزال واجب التطبيق.
رسائل فرنسية
الباحث السياسي لدى مركز الحوار للدراسات الاستراتيجية الدكتور أحمد القربي ربط أهمية المؤتمر بقضيتين أساسيتين أولهما الدعم السياسي للإدارة الجديدة في سوريا، وتحديد نطاق رفع العقوبات وتأثيره على البلاد. كما وصف المؤتمر بأنه «خطوة رمزية ومحاولة استباق، كما أن الفاعل الأساسي بقضية العقوبات هي واشنطن وليس الاتحاد الأوروبي لذلك لا يمكن التعويل على هذا المؤتمر سوا من الناحية السياسية حيث أنه يعطي دفع أكبر للإدارة الجديدة لتسريع رفع العقوبات وتوسيع مدى الإعفاء منها».
وقال لـ «القدس العربي»: لا شك أن الأهداف الأساسية للمؤتمر هي تكريس وزيادة شرعية الإدارة الجديدة خصوصا بعد تنصيب أحمد الشرع كرئيس للمرحلة الانتقالية، وتشكيل لجنة الحوار الوطني.
وحول رسالة باريس من عقد المؤتمر، رأى أن رسالة فرنسا كانت وماتزال منذ تدخلها في لبنان هو السعي الفرنسي وراء أحلامها التاريخية والتمسك بمصالح باريس في الشرق الأوسط وتكريس حضورها في المنطقة، ومحاولة إعادة تموضع فرنسا، خاصة في المنطقة، خاصة أنه في الطرف المقابل فقد كان نظام الأسد محسوبا على روسيا.
أما الآن تريد فرنسا أن تطرح نفسها حسب القربي بأنها «الجهة الداعمة الأكبر للإدارة الجديدة وبالتالي أن يكون لها نفوذ داخل سوريا، ولا يعني ذلك النفوذ بالمعنى العسكري ولا بالمعنى الاقتصادي بقدر ما هو بالمعنى السياسي، لذلك هذا الاهتمام الفرنسي خاصة أنها الزيارة للأولى لوزير الخارجية السوري هي إلى باريس كأول دولة أوروبية».
وأما الرسالة الفرنسية الأهم فهي «من خلال ملف إعادة الإعمار ومن خلال ملف المساعدات الإنسانية الظهور وكأنها لها النفوذ الأكبر بين الدول الأوروبية داخل سوريا، وممكن أن يترافق ذلك مع ملف اللاجئين» لكن المتحدث عبّر عن اعتقاده بأن هذه الملف مؤجل ريثما تتضح معالم المرحلة الانتقالية وإصدار الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة الانتقالية.
ومن ناحية تقييم لأهمية المؤتمر، عبّر القربي عن اعتقاده بأن الأمر سياسي ولن ينتج عنه شيء جديد لأنه من المبكر معرفة إن كان بالإمكان إنشاء صندوق لإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية.
المساعدات وإعادة الإعمار
الباحث السياسي والأكاديمي الدكتور محمود الحمزة لـ «القدس العربي» عبّر من جهته، عن أهمية المؤتمر أول مؤتمر من هذا النوع «حيث ستشارك فيه دول أوروبية ودول مجلس التعاون ودول مجاورة لسوريا والأهم هي مشاركة الرئيس الفرنسي وهذا يعطي أهمية للمؤتمر المنعقد في باريس».
وقال: هذا المؤتمر لدراسة قضايا هامة على رأسها عملية الانتقال السياسي بشكل سلس وسلمي وأن يكون هناك تمثيل واسع لممثلي الشعب السوري من مختلف الشرائح، وبحث قضية المساعدات وإعادة الإعمار والأهم ملف رفع العقوبات التي هي فعلا تعيق عملية التنمية وإعادة الإعمار خاصة فيما يتعلق بالبنوك والتحويلات المصرفية وهذه مشكلة بالنسبة لسوريا.
تأمل الحكومة السورية، وفق رأي المتحدث أن يحقق نتائج إيجابية على طريق بناء سوريا الجديدة، وهناك تحديات كبيرة تتعلق ببناء الاقتصاد وإقامة الأمن وتحسين مستوى المعيشة والتخفيف من الغلاء وتوحيد البلاد حيث ما زالت سوريا مجزأة شرق سوريا تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» التابعة لحزب العمال الكردستاني.
وأضاف: هناك تحديات كبيرة، ولا بد من الإشارة إلى أن فرنسا هي من أكبر الداعمين لقوات «قسد» كما أن سوريا بحاجة للمساعدة من الدول العربية الشقيقة، ومن الدول الأوروبية وهي ليست بوارد أن تفتح ملفات عدائية وتختلف أو تتصارع مع أي دولة في العالم، فهي تركز الآن على قضايا داخلية كبناء سوريا وإعادة بناء البلاد بعد ترسيخ الأمن ودمج الفصائل تحت مظلة وزارة الدفاع ومواجهة التحديات بإرادة سياسية قوية لترسيخ وحدة البلاد.