مؤرخان فلسطيني وإسرائيلي يقومان بزيارات مشتركة لقرى فلسطينية مدمرّة وباقية

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:

يواصل المؤرخان الفلسطيني جوني منصور والإسرائيلي إيلان بابيه جولاتهما الميدانية بين بلدات أراضي 48 ولقاء زملاء باحثين وشهود عيان على أحداث تاريخية، وكانت محطتهما الأخيرة قرية عين حوض جنوب حيفا. وعن هذه الزيارة كتب منصور وبابيه: “أمس ترافقنا، أنا وإيلان بابيه، إلى عين حوض لزيارة الصديق سمير أبو الهيجاء. قدمنا لسمير أبو الهيجاء في أول لحظة من لقائنا به التهاني بخروجه من المشفى بعد وعكة صحية. التقينا به في بيته العامر وسط ترحيب كبير بقدومنا لزيارته. قصّ علينا سمير حكاية بقاء بيت واحد من عائلة أبو الهيجاء، أهالي وسكان قرية عين حوض الأصلية، بعد أن تم تشريد الأهالي على يد الجيش الإسرائيلي في 1948 إلى جهات الضفة الغربية، ومنها الى الضفة الشرقية وسوريا. من بقي في جبال وهضاب المنطقة كان جده المناضل الراحل أبو حلمي، وعدد قليل من الأهالي، وهم من عائلة واحدة”. ويشيران لبدء مسيرة البقاء والصمود والنضال في وجه الظلم والظالم، والسارق والناهب غداة احتلال 1948، ويقولان إن الشيخ الصامد أبو حلمي نجح في تثبيت حقه وبقائه ووجوده في الأرض التي اختبأ فيها طلباً للأمن والأمان يوم احتلال قريته الأصلية، ولكنه لم يتمكّن من العودة مع أبناء عائلته، فبدأوا ببناء بيوتهم في المكان القريب من قريتهم الأصلية. وأصروا على تسميتها بنفس اسم قريتهم المحتلة (عين حوض، والتي يستخدمها اليوم فنانون صهاينة لعرض نتاجاتهم).

حكاية الشيخ الصامد

ويتابع منصور وبابيه، المعادي للصهيونية: “أصر الشيخ الصامد الراحل أبو حلمي على تعليم أبنائه في قرية دالية الكرمل المجاورة، ثم تابعوا في مدارس حيفا ليواكبوا العصر، ما يؤكد اهتمام الفلسطيني حتى في ظروف النزوح واللجوء بكسب العلم”. أما القرية الأصلية فاستولى عليها الاحتلال وسلّمها لمجموعة من الفنانين والأدباء الصهاينة اليساريين الذين عرفوا أنهم يعيشون في قرية ليست لهم، بل في قرية تم تطهيرها عرقياً من سكانها الأصليين، ومع ذلك بقوا فيها، وأقاموا في بيوتها المهجّرة.

ويتابع الباحثان الحديث عن الفنانين الخالين من الضمير والاستقامة: “عاش هؤلاء، ولا يزال كثيرون منهم أو من أبنائهم وأحفادهم في بيوت ليست لهم. في بيوت تم طرد أهلها وأصحابها الشرعيين وتشريدهم في بقاع الأرض وجعلوها قرية للفنانين وأطلقوا عليها اسم “عين هود”، تحريفاً للاسم الأصلي وتمويهاً وتشويهاً. لكن الشمس لا تُغطى بغربال”. ويوضحان أنهما شرحا لزميلهما سمير أبو الهيجاء، المهتم بتوثيق الرواية الشفوية الفلسطينية خاصة في منطقة الساحل الفلسطيني، عن مشروعهما التوثيقي سواء في الأرشيفات أو المقابلات الشفوية، فكان فرحه كبيراً، إذ إنه، ومنذ عقود من الزمن، يقوم بإجراء مقابلات شفوية مع مئات من المشردين واللاجئين في الوطن وخارجه. كما يشيران إلى أن أبو الهيجاء نشر العديد من الكتب التي تحوي هذه المقابلات الهامة. وفي نهاية اللقاء الممتع والمفيد مع سمير دعانا لتناول الغداء في مطعم “البيت” المكون من أطعمة ومأكولات عربية ذات نكهة متجذرة بهذه الأرض الطيبة”.

جسر الزرقاء.. القرية الناجية

ثم انتقل منصور وبابيه إلى قرية جسر الزرقاء القريبة، القرية الفلسطينية الساحلية الوحيدة داخل أراضي 48، والتي لا تبعد سوى عشرين كيلومتراً عن عين حوض. وعنها يقولان: “هذه القرية المجاورة لقرية الطنطورة عبارة عن رواية كاملة في البقاء والصمود والاستمرارية. إذ حاصرتها مستعمرات من أطرافها الثلاث تاركة لها قطعة ثمينة جدا من البحر الأصيل والجميل. وبالرغم من الظروف الحياتية القاسية التي تعيشها القرية، إلا أن شتلات من المبدعين والمبدعات بدأت تنمو وتكبر لتؤكد التمسك بحب الحياة بكرامة على أرض الحياة.

ويتابعان: “في قرية الصيادين، حيث وقعت، ولا تزال أحداث هامة تبيّن تمسك الصيادين بحقهم في البحر والعيش معه ومنه، هنا التقينا بالصديق سامي علي الناشط الاجتماعي والسياسي لنستمع منه إلى بعض حكايات اللجوء والنزوح إلى قرية الجسر من قرى إجزم والطنطورة وسواها في العام 1948. كانت الحكايات والمرويات مثيرة للاهتمام بقدر ما كانت مؤلمة، إلا أنها من جديد تبين لنا السياسات القمعية والاقتلاعية للاحتلال، والأساليب التي لا ينفك عن استخدامها في سبيل إتمام مشروعه الاستعماري في السيطرة على الأرض العربية والتخلص من أصحابها. ويوضحان أن سامي علي، إضافة لكونه ناشطاً في ميادين تخصّ حماية موروث قريته، فهو أيضا مدافع عن الحق الفلسطيني بكل مركباته، وأبدى الاستعداد الكبير لكل مساعدة تبين حقيقة وواقع ما جرى في النكبة، وأيضا حكايات البقاء والصمود للأهالي، والتي يجب أن يُسطرها التاريخ لشعب مكافح ومناضل من أجل وطنه وأرضه وروايته.

القاموس التاريخي لفلسطين- من صفحة الباحث منصور على فيسبوك

القاموس التاريخي لفلسطين

ويخلص المؤرخان، المهتمان بتوثيق التاريخ الفلسطيني الحديث، للقول في منشورهما: “في كل زيارة نقوم بها إلى قرية باقية لنلتقي مهجرين فيها أو من أصحابها نلمس عمق جرح النكبة، وكونه لا يزال مفتوحا ينزف دما ودمعة ومرارة. لكننا دائما نجد في عيون مستقبلينا، وفي كلامهم، الكثير الكثير من الأمل الذي يؤكد عدم تنازلهم عن حق العودة”.

يشار إلى أنه قد صدر قبل نحو الشهرين عن دار راومان للنشر في الولايات المتحدة القاموس التاريخي لفلسطين من تأليف المؤرخ الفلسطيني جوني منصور والمؤرخ اليهودي البروفيسور إيلان بابيه، وهو معجم يعرّف بفلسطين التاريخية في العصر الحديث من خلال 800 عنوان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية