الناصرة- “القدس العربي”: أشاد المؤرخ جوني منصور بمبادرة وزارة الثقافة الفلسطينية بإعادة طباعة كتاب عن تاريخ حيفا، عروس الكرمل، للكاتب الراحل جميل البحري الذي صدرت طبعته الأولى قبل قرن بالتمام والكمال. ويقول المؤرخ منصور، ابن مدينة حيفا، إن الشاب الأديب جميل البحري (عفارة) امتلك شجاعة كبيرة في العام 1922 بإصداره أول كتاب تاريخ عن مدينته “حيفا”، لأنها كسائر مدن فلسطين كانت خارجة للتو من الحكم التركي/ العثماني المتواصل لأربعة قرون ونيف، لتبدأ حقبة الاحتلال البريطاني، وإن جاء متخفياً بصيغة “انتداب”، مخففاً ظاهريا لما يخبئه في ثنايا بدلته”. ويتابع جوني منصور، في تبرير إشادته بشجاعة البحري: “نعم، امتلك شجاعة بتأسيسه مطبعة ومكتبة ومجلة ثقافية “الزهرة”، وكانت حيفا تئن تحت وطأة التحولات في أنظمة الحكم، والقدرة المالية والشرائية محدودة جداً إلا أن شغف هذا الرجل لم يعرف الحدود”. منوها أن عمره وقتذاك كان في حدود الثلاثين عاماً، إلا أنه صمم على بناء مشروعه الثقافي فجاء هذا الكتاب لينقل للأجيال المتتالية جوانب من تاريخ حيفا وجبل الكرمل. ويتابع: “الأهم، أنه نقل مكونات المشهد التعليمي والثقافي في تلك الحقبة، ما يزودنا بصورة شبه كاملة عن الحالة السائرة في المدينة”.
ويستذكر المؤرخ جوني منصور أن هذا الكتاب حول حيفا قد أعيد إصداره في العام 1982 بمبادرة من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، الأمانة العامة، دمشق، وفي هذا العام قامت وزارة الثقافة الفلسطينية، مشكورة، ضمن برنامج الحفاظ على الرواية بإعادة طباعته. ويخلص جوني منصور للقول: “هذا البرنامج في غاية الأهمية، حيث أكد لي وزير الثقافة الصديق الدكتور عاطف أبو سيف أنه مزمع على طباعة كل ما صدر في فلسطين حتى العام 1948، ليكون شهادة ناطقة بأن هنا شعباً حياً ومثقفاً ونشيطاً ومبدعاً”.
ويضيف منصور أن مئوية كتاب تاريخ حيفا تعيد إلى الواجهة أهمية دراسات المدن الفلسطينية، التي كانت أحد أبرز أهداف التطهير العرقي الذي نفذته المنظمات العسكرية اليهودية في العام 1984. من جهته يواصل جوني منصور تنظيم جولات ميدانية في حيفا للتعرف على معالمها الفلسطينية التي تتعرض للكثير من محاولات التهويد والطمس والهدم منذ عقود.
ويوم أمس رافق منصور زميله المؤرخ اليهودي التقدمي بروفيسور إيلان بابيه في زيارتين؛ الأولى إلى سخنين داخل أراضي 48، حيث التقيا بالأستاذ الشيخ علي أبو ريّا في بيته العامر، وهو من أوائل الذين اهتموا بتوثيق النكبة الفلسطينية بواسطة الخرائط، بالتوازي مع ما أنتجه الدكتور سلمان أبو ستة. ويشير منصور إلى أن هذا عمل مهم جداً لكونه يُعرّف الفلسطينيين على قراهم ومدنهم المهجرة والموجودة وتقسيمات فلسطين إلى أقضية في فترة الاحتلال – الانتداب البريطاني. وبرأيه تشكل هذه الخرائط ردًّا على خرائط التلفيق والتزوير التي تنشرها الرواية الصهيوإسرائيلية، مؤكداً أن الخرائط الدقيقة التي اهتم بتجميعها عليّ أبو ريّا هي رواية تنطق بالحق والحقيقة.
وتابع منصور وبابيه جولتهما إلى عرابة البطوف المجاورة حيث حلّا ضيفين على رئيس بلدية عرابة البطوف السابق المثقف الفلاح العريق أحمد جربوني – أبو صالح في بيته، وفيه التقيا مع دكتور حنا سويد، رئيس مجلس محلي عيلبون السابق، والخبير بالقضايا الهندسية والتخطيطية، ومازن غنايم رئيس بلدية سخنين وعضو البرلمان السابق، وعمر نصار، رئيس بلدية عرابة البطوف الحالي، والأستاذ المربي الشيخ محمود رباح أبو شوقي رباح، من بلدة حطين المهجّرة. وفي هذا الملتقى عرض المؤرخان الفلسطيني واليهودي على الحضور مشروعهما البحثي حول النكبة وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على فلسطينيي الداخل في العقد الأول بعد وقوعها. وتبادلا الأفكار بهذا الأمر مع المشاركين في الملتقى، في إطار متابعة بحثهما الميداني وبناء قاعدة بيانات داعمة للبحث. وعن ذلك يقول دكتور جوني منصور لـ “القدس العربي”: «في واقع الأمر، قدم لنا الإخوة الحضور أفكاراً مثيرة ومميزة ومساعدة لنا، وسنأخذها بعين الاعتبار والجدية». وشكر مضيفهما الشيخ أبو صالح الجربوني على دعوته واستقباله لهما، وكل من التقاهم في سخنين وعرابة.
قبل ذلك بأيام اختتمت الجولات الميدانية في مدينة حيفا، التي ينظمها سنويا جوني منصور لمجموعات مختلفة، وهذه المرة لمعلمات ومعلمي المدرسة الإيطالية (الكرمليت). وعن أهمية هذه الجولات يرى منصور أنها تكمن بالتعريف على حيفا واستكشاف خباياها التاريخية، واستعادة ملامح الحياة اليومية فيها قبل عام النكبة 1948، الذي وضع حدًّا فاصلاً بين ما كان وما حلّ على حيفا من كوارث اجتماعية واقتصادية وثقافية. ويضيف: «من جهة أخرى، طُرِحت خلال الجولات تساؤلات واستفسارات عديدة بيّنت لي مدى رغبة المشتركات/ين في فهم مكونات التطور الذي عاشته المدينة في مشهد الحياة التي كانت. وهذه التساؤلات نابعة من حاجة داخلية دافعة لمعرفة المزيد عن المدينة». موضحاً أنه اختتم هذه السلسلة بجولة في الطرف الجنوبي للحي الألماني عند مدخل الحدائق البهائية هناك، حيث قدّم شرحاً وافياً عن البهائية، من حيث أصولها ومنابتها ودعوتها وكيفية وصول مؤسسيها وأتباعها الأوائل إلى عكا وحيفا، ونمو وتطور هذه الجماعة في ظل ثلاثة عهود من الحكم: العثماني، الانتدابي والإسرائيلي. وقال إنه شدد كثيراً على أهمية التعريف بالجماعات الإثنية والدينية التي تشكل تركيبة حيفا، وهذا أمر ليس جديداً، لكون حيفا مدينة متصالحة ومنفتحة، وتعرف كيف تبني علاقاتها الداخلية بفضل مواطنيها منذ العهد العثماني. وأضاف: «أهيب بكل زوار ونزلاء المدينة إلى التعرف أكثر على أحيائها ومناطقها وعمرانها وتراثها وعلاقتها كمدينة ميناء مع سائر مدن وقرى فلسطين وبلاد الشام».
نظّم مقهى “مجاز” في مدينة شفاعمرو أمسية خاصة حول كتابين، الأول: القاموس التاريخي، من تأليف جوني منصور وإيلان بابيه، والثاني “رؤيتنا للتحرير”، إعداد وتحرير رمزي بارود وإيلان بابيه. وجاءت مبادرة مجاز في أعقاب صدور الكتابين من فترة قريبة، وللتعريف بهما وبما يحتويانه من طروحات وأفكار تخاطب الباحثين والقراء والمهتمين بالقضية الفلسطينية بكل تفاصيلها وتفصيلاتها. ولم يتمكن المؤرخ والباحث المعروف إيلان بابيه من الحضور والمشاركة إثر تعرّضه لوعكة صحية حالت دون ذلك، فاقتصرت الأمسية على دكتور جوني منصور حيث عرض الفكرة التي دفعتهما إلى تأليف القاموس التاريخي لفلسطين وأساسها مخاطبة الأجانب بخصوص القضية الفلسطينية من خلال نصوص معجمية حول أعلام ومواقع ومعاهدات ومؤسسات وهيئات وحركات فلسطينية في القرنين الماضيين، ناقلين صورة أساسها الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيوإسرائيلية التي تسعى وتعمل ليل نهار لإنكار وجود الشعب الفلسطينية، وإقصاء قضيته العادلة.
وفي الندوة جرى لفت نظر الحضور إلى أهمية التعامل مع التاريخ الفلسطيني بفلسطينيته، حتى الأسماء هي فلسطينية وليست معبرنة أو مؤسرلة بالمرّة.
أمّا الكتاب الثاني فهو عبارة عن 30 مقالاً وبحثًا في الشأن الفلسطيني. وتوجّه هذا الكتاب هو من منظور شخصي أولاً، ثم تاريخي وسياسي ثانيًا. بمعنى آخر؛ عرض الخبرة الشخصية لكلّ كاتب في الكتاب ثم ربطها مع رؤيته للتحرير من الذات، ومن الرجعية والاحتلال والقمع وسياسات النفي والإنكار. وعن الكتاب يقول جوني منصور: «كلها، أي المقالات، تسعى إلى تثبيت الحق الفلسطيني في فلسطين، وتثبيت ونشر الفكر الداعي إلى تجديد التفكير بالحلول العملية للصراع دون الانتقاص من حقوق الفلسطينيين بأي شكل من الأشكال».