مؤرخ يهودي: هذا انقلاب واضح.. إسرائيل على طريق الديكتاتورية وعلى الإسرائيليين الخروج للشوارع

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:

يؤكد المؤرخ الإسرائيلي البارز يوفال نوح هراري، أن إسرائيل تسير في طريقها إلى الدكتاتورية، وأن الوسيلة الوحيدة لمنع ذلك، هي خروج الإسرائيليين للشوارع ومواجهة حكومة نتنياهو تحت التهديد: “أوقفوا الانقلاب أو نوقف الدولة”.

وقال هراري في مقال نشره موقع القناة العبرية 12، إن ما تقوم به الحكومة الحالية في إسرائيل ليس إصلاحات قضائية، إنه انقلاب. وينوّه أن هناك نوعين أساسيين من الانقلابات في التاريخ، النوع الأول هو “انقلاب من الأسفل” وهو سهل التشخيص. ويشير إلى أنه على سبيل المثال، قرر “الجنرال سترونغمان” (الرجل القوي)المتعطش للسلطة في جمهورية الموز، أن يسيطر على الحكم، فينهض المواطنون صباحاً، ويجدون الدبابات في شوارع المدينة. ويضيف: “كتيبة عسكرية تسيطر على البرلمان وتطلق النار على المبنى المحاصر. وفي الوقت نفسه، تقتحم كتيبة من المظليين بيت رئيس الحكومة، تكبّله وتحمله إلى سجن عسكري. كتيبة مظليين إضافية تسيطر على هيئة البث المركزية، ويرى المواطنون في الساعة الثامنة صباحاً “الجنرال سترونغمان”، بأوسمته المذهبة، يعلن سيطرته على الحكم لمصلحة الشعب”.

ونوّه هراري إلى أن هذه هي الصورة التي نستحضرها  بشكل عام حين نتخيل انقلاباً كهذا من “الأسفل”، إلا أنه وعلى مدار التاريخ، انتشر نوع آخر من الانقلابات، انقلاب من الأعلى. موضحا أن هذا النوع صعب التشخيص. ويرى هراري أن الانقلاب من الأعلى يحدث حين تقرر الحكومة التي وصلت إلى الحكم بطريقة قانونية، إلغاء جميع القيود التي يفرضها عليها القانون، وتحاول الحصول على سلطة مطلقة. مشيرا إلى أن هذه لعبة قديمة: في البداية يستخدمون القانون للوصول إلى القوة، ثم يستخدمون القوة لتغيير القانون.

حالة بلبلة

يشير هراري إلى أنه عندما يحدث الانقلاب من الأعلى، فإنه يخلق حالة بلبلة: على السطح، يبدو كل شيء طبيعياً، لا توجد دبابات في الشوارع، ولا يقطع أي جنرال بأوسمة، البث في التلفاز. ويتابع في وصف ملامح هذا النوع من الانقلاب ويتساءل عن كيفية التثبّت من الحقيقة بالقول: “يحدث الانقلاب في الغرف المغلقة، عبر تمرير قوانين وتوقيع قرارات قادرة على إزالة جميع الكوابح والتوازنات. الحكومة طبعاً لا تعلن أنها تقوم بانقلاب. تدّعي أنها فقط تقوم بـ”تغييرات” كهذه أو تلك لـ”مصلحة الشعب”. إذاً، كيف نتأكد ما إذا كان هذا انقلابا أم إصلاحات؟

عن ذلك يقول المؤرخ الإسرائيلي إن الطريقة الأبسط هي السؤال: “ما هو الشيء الذي يحدّ من قوة الحكومة؟ الإصلاحات هي حالة تقوم فيها الحكومة بتغييرات جدية، لكنها تحترم حدود قوتها. وحتى بعد القيام بالإصلاحات، لا تستطيع الحكومة القيام بكل ما تريده. الانقلاب، هو حالة تحاول فيها الحكومة الوصول إلى قوة مطلقة. إذا نجح الانقلاب، فهذا يعني أنه لم يعد هناك أي قيود على الحكومة”.

محدودية القوة

هراري يرى ضمن تحذيراته أنه بحسب هذا السؤال، من الواضح أن ما يجري في إسرائيل انقلاب، وليس إصلاحات. مؤكدا أن الحكومة تحاول إثارت بلبلة لدى الجمهور، عبر تركيز النقاش الإعلامي بأسئلة قانونية مركّبة، مثل: “ما هي تشكيلة لجنة تعيين القضاة؟”.

ويمضي هراري في تحذيراته: “ممنوع على الجمهور الانجرار إلى هذه المساحات الخاطئة. وبدلاً من ذلك، علينا أن نؤكد، المرة تلو الأخرى، هذا السؤال: ما الذي يحدد قوة الحكومة في النظام الجديد؟ لنفترض أن الأعضاء الـ61 في الائتلاف الحاكم يقررون نزع حق التصويت من المواطنين العرب، هل يوجد أي شيء في النظام السياسي الجديد يمنعهم من ذلك؟”.

وضمن المقارنات، يوضح هراري أنه في ديمقراطيات أخرى، يوجد الكثير من الجهات التي يمكنها وقف قانون عنصري وغير ديموقراطي كهذا. أما في إسرائيل، حتى كتابة هذه السطور، فيرى هراري على غرار مراقبين كثر آخرين، أن هناك فقط جهة واحدة- المحكمة العليا، فإذا صوّت 61 عضو كنيست لمصلحة نزع حق التصويت من العرب، أو لمصلحة منع الحق في الإضراب، أو لمصلحة إغلاق جميع الصحف أو القنوات التلفزيونية المعارضة للحكومة، فإن المحكمة العليا هي الجهة الوحيدة المخوّلة بالتدخل وإلغاء هذه القوانين.

ويؤكد هراري أن ما تحاول حكومة الاحتلال القيام به، هو تفكيك هذه الجهة الوحيدة القادرة على تقييدها. ويقول إن داعميها يستطيعون الادعاء أنه حتى وبعد إخصاء المحكمة العليا، لا تزال هناك منظومة مهمة تفرض قيوداً على الحكومة- الانتخابات. لكنه يحذر من مثل هذا الاعتقاد بالقول: “المهم هو رأي الجمهور فيما تقوم به الحكومة، ويستطيع الجمهور تغييرها في الانتخابات، بيد أن هذا الادعاء لا يصمد”.

ويعلل ذلك بالقول: “أولاً، هذا الادعاء لا يوفر أي حماية لحقوق الأقلية. وثانياً، في النظام الجديد، يستطيع أعضاء الائتلاف الـ61 تغيير طريقة الانتخابات ذاتها، وأن يصعّبوا كثيراً تغيير الحكومة”. ويتساءل تساؤل العارف في حال شعر الائتلاف بأنه سيخسر الانتخابات، فأي جهة ستمنع قيام الائتلاف بمنع ترشُّح قوائم معارضة للانتخابات، أو يخترع أي لعبة تضمن فوزه؟

الجوهر هو المهم

يشدد هراري على عدم وجود شيء مقدس، وتحديداً في كل ما يخص المحكمة العليا، ويرى أن المهم هو الجوهر وليس الأداة. فإذا اقترحت الحكومة منظومات بديلة تقيّد قوتها بدلاً من المحكمة العليا التي تُضعفها، فيمكن التصديق أنها تقوم بإصلاحات، ولكنها لا تقترح أي جهة بديلة كهذه.

ويتابع: “عندما يسألون قيادات الانقلاب عما سيقيد قوة الحكومة في النظام الجديد، الرد الوحيد هو: حسن نيتنا، اعتمدوا علينا. هذا هو جواب الديكتاتوريين الكلاسيكي بشكل عام. فـ”الجنرال سترونغمان” أيضاً، الذي سيطر على الحكم بالدبابات، يقول في خطابه للأمة: “اعتمدوا عليّ. أنا سأدافع عنكم. أنا سأهتم بكم.” بالنسبة إلى المواطنين، فلا أهمية ما إذا كان الانقلاب عبر التشريع أو الدبابات، فالمشترك بين جميع الطرق هو أن مصيرهم يتعلق بحسن نية الحاكم. في الحالتين، النتيجة هي ديكتاتورية. عندما يكون الأمر الوحيد الذي يفرض القيود على الحكومة هو حسن نيتها، فهذه ديكتاتورية”.

المواطنون العرب

في المقابل، يوضح هراري أنه على الرغم من هذا كله، فإن هناك اختلافاً جوهرياً بين ديكتاتورية من “الأسفل” عبر الدبابات، وبين ديكتاتورية من “الأعلى” عبر مسارات تشريعية. ويفسّر ذلك الاختلاف بالقول: عندما يحلّ الانقلاب من الأسفل، هناك قوات ومنظومات كثيرة وظيفتها إيقافه: الجيش والشرطة والاستخبارات. تستطيع الحكومة توجيه أوامرها إلى هذه الجهات وتطلب المساعدة لوقف “الجنرال سترونغمان”. ولكن عندما تكون الحكومة هي التي تقوم بالانقلاب، فيكون من الصعب على الشرطة والاستخبارات الوقوف في وجهها، لأنهم اعتادوا الانصياع لأوامرها. في هذه الحالة، فإن وظيفة المواطنين هي وقف الحكومة ومنعها من الوصول إلى القوة المطلقة”.

التدقيق القانوني وتقييد الحكومة

يخلص المؤرخ الإسرائيلي هراري للسؤال والنصيحة بالقول: “كيف نعرف أننا نجحنا في وقف الانقلاب، ويمكن وقف الاحتجاجات والموافقة على تسوية معينة؟ هناك أهمية كبيرة للتدقيق القانوني، وسيكون هناك الكثير من العمل أمام الخبراء في المجال. ولكن السؤال الأهم، وعلى كلٍّ منا أن يسأله في كل تسوية مقترحة، هو: ما هي القيود المفروضة على قوة الحكومة؟ إذا أراد 61 نائباً في البرلمان منع العرب من التصويت، أو إغلاق صحف المعارضة، أو إرسال النساء غير المحتشمات إلى السجن، ما هو النظام الذي سيمنع ذلك؟ علينا أن نعارض بقوة كل تسوية لا تضمن هذه القيود على قوة الحكومة، وعلينا أن نقول لنتنياهو وليفين وروتمان والأصدقاء بشكل واضح وحاد: أوقفوا الانقلاب، أو نوقف الدولة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية